طفا موضوع اللجوء خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير على الساحة العالمية، وأصبحت الأخبار المتعلقة باللجوء واللاجئين حديث وسائل الإعلام الدولية، وذلك بعدما انطلقت موجة لجوء واسعة من البلدان المضطربة، مثل سوريا والعراق نحو دول أوروبا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، أملًا في حياة أفضل بعيدًا عن الحروب.

وحظي مئات الألاف من السوريين والعراقيين والأفغان وغيرهم من ملتمسي اللجوء بفرصة قبول طلبات لجوئهم بالدول المستضيفة، تحت مسمى اللجوء الإنساني، نظرًا لظروفهم المقنعة، الممثلة في تعرض حياتهم للتهديد نتيجة الحروب الأهلية في بلدانهم. لكن ماذا عن مواطني البلدان المستقرة، هل يحق لهم اللجوء؟

توضيحات هامة

في بداية القرن العشرين شهد العالم الحرب العالمية الثانية التي خلّفت ملايين القتلى والمصابين والمشردين، وشهدت حينها بلدان أوروبا وآسيا موجات كثيفة من النازحين نتيجة الحروب المشتعلة، إلا أن هؤلاء النازحين وجدوا أنفسهم منقادين لمصيرهم، لعدم وجود آنذاك أنظمة قانونية عالمية تعالج هذه المشكلة الإنسانية.

ولأجل ذلك، عقدت اتفاقية اللاجئين سنة 1951 بعد الحرب العالمية الثانية، وعُدّل عليها سنة 1967 بعد أن ظهرت مشكلة النزوح بسبب الكوارث البيئية والحروب الأهلية في مختلف بلدان العالم، وتأسست المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، المنظمة الأممية المعنية بشؤون اللاجئين.

وتُعرّف الاتفاقية المعنية، اللاجئ بأنه شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر أو الدين أو القومية أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظل رجلًا كان أو امرأة أو طفلًا بحماية ذلك البلد أو العودة إليه خشية التعرض للاضطهاد.

ويضع ميثاق الأمم المتحدة مجموعة من الحقوق المستحقة للاجئين على البلدان المستضيفة، مثل الحق في الحماية والسكن والتعليم والعمل والصحة والحصول على المساعدات العامة والحق في الوصول إلى المحاكم وعدم إرغامهم على العودة إلى أوطانهم، حتى لو انتهى التهديد فيها، إلا في الحالات القصوى.

وعادة ما يقع خلط بين اللاجئ والمهاجر الاقتصادي، فالأخير يقصد به حسب تعريف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين «كل من غادر بلده طواعية من أجل التماس حياة أفضل، ويتمتع بحماية حكومته (أو حكومتها) الوطنية»، أي أن الهاجس الاقتصادي هو دافع الشخص للهجرة في هذه الحالة،  بينما اللاجئ يكون دافعه الأول هو حاجته للحماية من قبل البلد المستضيف؛ بسبب معاناته من الاضطهاد داخل وطنه، أو وجود تهديد حقيقي في بلده يعرض حياته للخطر.

إذن من يحق له اللجوء من غير الهاربين من الحروب؟

يُميّز في مواثيق اللجوء بين نوعين منه: اللجوء الإنساني واللجوء السياسي، ومن خلال كليهما يمكن لمواطني البلدان المستقرة التقدم لطلب اللجوء، إذا ما توافرت فيه شروط اللجوء، وذلك عن طريق مفوضية اللاجئين أو طلب اللجوء مباشرة بعد الوصول للبلد المضيف.

يعتبر اللجوء الإنساني هو الأكثر انتشارًا؛ كونه يشمل كافة الناس المعرضين للخطر، إلا أن هذا الحق لا يقتصر فقط على مواطني البلدان الغارقة في الحروب، بل أيضًا يتعدى إلى الأفراد المضطهدين في مناطقهم والمحتاجين للحماية الدولية، إما بسبب معتقدهم الديني، أو عدم تدينهم، أو توجههم الجنسي، أو انتمائهم لأقلية عرقية مستهدفة في وطنها، أو انتمائهم لفئة اجتماعية مستضعفة غير محمية في بلدها، مثل النساء والأطفال، كما يستهدف اللجوء الإنساني أيضًا ضحايا الأوبئة والمجاعات والكوارث الطبيعية.

وتحت مسمى «اللجوء الإنساني» استفاد ملايين الناس حول العالم طوال عقود، خاصة من ساكني القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط.

أما النوع الثاني وهو اللجوء السياسي، فيُمنح للقادة المنشقين عن حكوماتهم أو جيوشهم ، والناشطين السياسيين والدبلوماسيين والحقوقيين والصحافيين والكتاب والمدونين، ويشترط في هؤلاء أن يكونوا ملاحقين من قبل حكوماتهم الرسمية فقط بسبب آرائهم السياسية والحقوقية، وكذلك ممن سبق لهم أن تعرضوا للتعذيب والسجن بسبب توجهاتهم السياسية أو دفاعهم عن حقوق لإنسان.

ويحظى اللاجئون السياسيون بمجموعة من الامتيازات يتميزون بها ملتمسي اللجوء الإنساني، حيث يحق لهم الحصول على الحماية الأمنية تجنبا للاغتيال، ويحصلون على جنسية البلد المضيف في مدة أقل من اللاجئين الإنسانيين، ويستفيدون من مساعدات مالية أعلى قيمة، لكنهم يمنعون من زيارة بلدانهم الأصلية قبل حصولهم على الجنسية.

الذين لا يحق لهم اللجوء

يعد كل الأفراد الذين لا تتوفر فيهم شروط اللجوء الإنساني أو اللجوء السياسي، في نظر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، خارج دائرة حق اللجوء، وليسوا في حاجة إلى أي شكل آخر من أشكال الحماية الدولية، وبالتالي يمكن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

لكن بالرغم من ذلك، استفاد آلاف المواطنين من دول شمال إفريقيا المستقرة، مثل المغرب والجزائر وتونس، من اللجوء الإنساني بدول الاتحاد الأوروبي، خاصة بألمانيا، وإن لم تتوفر فيهم شروط اللجوء كما هي مسطرة في المواثيق الدولية المتعلقة باللجوء، وذلك أنه خلال التحركات الجماعية، التي تنتج عادة عن الحروب كما حدث في سوريا والعراق، يتعذر إجراء مقابلات لجوء فردية لكل شخص يعبر الحدود، ومن ثمَّ يتم الاعتراف بأفراد المجموعات اللاجئة بصورة جماعية.

من جهة أُخرى، لا يستحق اللجوء، طبقًا لاتفاقية اللاجئين، الأشخاص الذين ثبت ارتكابهم جرائم ضد السلام، أو جريمة حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم جنائية جسيمة خارج بلد اللجوء، وإن كانت تتوفر فيهم شروط اللجوء، وبالتالي تكون طلبات لجوئهم بالبلدان المضيفة معرضة للرفض، أو يتم منحهم اللجوء بعد محاكمتهم.

وقد ارتدت «العمليات الإرهابية» التي عرفتها بلدان الاتحاد الأوروبي وأمريكا في السنوات الأخيرة سلبًا على ملتمسي اللجوء، حيث باتت أنظمة اللجوء أكثر حرصًا على تقييم الطلبات بشكل جدي، ، بعكس ما كان عليه الحال سابقا، ولا سيما قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، حينها كان التساهل سائدًا في قبول طلبات اللجوء، وأصبح المسؤولون في لجان التقييم اليوم يطلبون من طالبي اللجوء أدلة ملموسة مقنعة، تبرر حاجتهم للحماية الدولية، مما قلل كثيرًا حظوظ ملتمسي اللجوء في قبول طلباتهم.

وهو ما دفع ببعض طالبي اللجوء، الذين يطمحون إلى حياة أفضل، إلى التذرع بهويات مزيفة لقبول طلب لجوئه، من خلال ادعائه بتعرضه حياته للخطر؛ بسبب إلحاده أو ميوله المثلية أو حتى اعتناقه المسيحية، وغيرها من الادعاءات، إلا أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تعتبره سلوكًا «لا أخلاقيًا»؛ لكونه يسرق حق الآخرين المحتاجين حقًا للحماية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد