لا شك أن الموت هو الحقيقة الكبرى التي تُوحد كل الناس فيما بينها، فلا أحد يستطيع أن ينكره أو أن يتحداه، وفي آخر 10 سنوات غيّب الموت الكثير من البشر والحجر أيضًا، بعضهم كان له تأثير مباشر في حياتنا من خلال علمه وبحوثه، وآخرون كانت لهم سنوات نضال كبرى ضد الظلم والقهر والعبودية؛ من أرمسترونج، إلى تاتشر، إلى ستيف جوبز، هذا التقرير يستعرض أبرز الراحلين عن العالم في آخر 10 سنوات، الذين تركوا أثرًا في قلوب محبيهم.

– ستيف جوبز.. وداعًا صاحب «التفاحة»

الزمان: عام 1976

المكان: مرآب سيارات في سان فرانسيسكو

الحدث: بدء تنفيذ الفكرة الأولى لأول شركة في التاريخ تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار.

الثمن المدفوع لتأسيس الشركة: صفر دولار

لم يكن يخطر على بال ستيف عبد الفتاح الجندلي عبقري الإلكترونيات الأمريكي الجنسية، والذي ينحدر من أصل سوري، في تلك اللحظات من عام 1976، وداخل جراج السيارات أنه، سيُنشئ في تلك اللحظات الشركة التي ستستحوذ على قطاع التكنولوجيا والهواتف في العالم، وستتجاوز بعد أقل من 50 سنة على تأسيسها قيمة التريليون دولار. كان ستيف جوبز مولعًا بالإلكترونيات من صغره، رسب في الدراسة لكنه  عمل في شركة «أتاري»، وبعد ذلك قابل صديقه العبقري الآخر ستيف وازنياك واتفقا على تأسيس شركة «آبل» أي التفاحة لأنها كانت الفاكهة المفضلة لستيف.

مرآب السيارات الذي شهد انطلاقة «آبل»

بدأ الثنائي في صنع أول كمبيوتر خاص بهما، واستطاع جوبز بمهارته التسويقية أن يقنع متجرًا محليًّا بشراء 50 جهازًا قبل البدء في تصنيعه ثم أخذ موافقة المتجر المبدئية، واستطاع بها إقناع أحد موردي الإلكترونيات بإمداده بالمواد اللازمة لصنع الكمبيوتر، وهكذا تكون القيمة الفعلية للبدء في شركة «آبل» صفر دولار.

أنتج أول جهاز كمبيوتر يحمل اسم «آبل1» وتوالت نجاحات الشركة وتوسعاتها إلى أن وصلت إلى الحال التي عليه الآن.

فيما بعد اشترى ستيف جوبز إستديو للرسوم المتحركة بقيمة 10 مليون دولار، واستطاع أن يدمج عبقريته في الكمبيوتر والتكنولوجيا بالرسوم المتحركة لتخرج إلى النور شركة «بيكسار» العالمية، والتي أنتجت أفلامًا كرتونية غزت العالم بأسره مثل «toy story» و«الأسد الملك»

أصيب ستيف جوبز عام 2004 بنوع نادر من سرطان البنكرياس وعاش نباتيًّا لفترات طويلة من حياته، إلى أن رحل عن الحياة في أوائل العقد الحالي في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011 ليودع العالم واحدًا من عباقرة التكنولوجيا والتسويق.

– نيل أرمسترونج.. الرجل الذي وصل إلى المستحيل

إن عدت بالزمن إلى يوم الخامس من أغسطس (آب) عام 1930 وسألت جماعة من الناس عن رأيهم في رجل يمضي على سطح القمر؛ فالجنون كان أقل ما يمكن وصفك به حينها، لكن لأن العلم وُجد لتحطيم كلمة مستحيل، شهد اليوم نفسه مولد الرجل الذي سيحقق هذه الخطوة، وهو نيل أرمسترونج رائد الفضاء الأمريكي وأول رجل يمشي على سطح القمر في تاريخ البشر.

وُلد أرمسترونج في ولاية «أوهايو» الأمريكية لوالدين ينحدران من أصول ألمانية وأسكتلندية، وأبدى ولعه بالطيران منذ الصغر، وفي عام 1947 بدأ أرمسترونج دراسة هندسة الطيران، وقد بلغ 18 عامًا فقط، وترقى في الدراسة والنجاحات إلى أن عُين رائد فضاء رسميًّا عام 1962.

بينما كانت عقارب الساعة تشير إلى 8:17 مساءً بالتوقيت العالمي على سطح الأرض كان نيل أرمسترونج ورفاقه يحققون المستحيل بالهبوط على سطح القمر، وذلك في يوم 20 يوليو (تموز) عام 1969، من خلال رحلة الفضاء أبولو 11.

انتشرت صورة أرمسترونج وهو يرفرف بعلم أمريكا على سطح القمر في كافة أرجاء العالم وكانت لحظة فارقة في تاريخ البشرية. كُرِّم أرمسترونج من جهات عدة في الولايات المتحدة، أبرزها حصوله على ميدالية الحرية الرئاسية من الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون. رحل أرمسترونج عن عالمنا في 25 أغسطس (آب) عام 2012 بعد خضوعه لعملية معقدة في الشرايين التاجية للقلب ليودع العالم الرجل الذي وسّع آفاق البشر ووصل بنا إلى سطح القمر الذي صار اسمه مرتبط بأرمسترونج.

علوم

منذ 11 شهر
مترجم: مؤامرة أمريكية؟! هذه هي حقيقة هبوط الإنسان على سطح القمر

– نيلسون مانديلا.. حين تُخلِدك الحرية في تاريخ البشر

أيقونة الحرية والنضال ضد العبودية نيلسون مانديلا، أول رئيس أسمر لجنوب أفريقيا ما بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، الذي كان له الدور الأشهر في إنهائه. وُلد نيلسون مانديلا 18 يوليو عام 1918 ودرس القانون وبدأ العمل في السياسة في فترات مبكرة من حياته، إلى أن لفحته نيرانها؛ إذ كانت البلاد تخضع في ذلك الوقت لنظام الفصل العنصري، الذي يعطي ميزات كبيرة لقلة بيضاء حاكمة على حساب أغلبية سمراء مضطهدة.

أتت دعوات نيلسون مانديلا بالتحرر من هذا النظام من خلال رئاسته لفرع حزب المؤتمر الوطني المناهض للفصل العنصري؛ مما أدى إلى القبض عليه، مكث نيلسون مانديلا في السجن لمدة بلغت 27 عامًا بتهم الاعتداء على المنشآت الحكومية، والتآمر لقلب نظام الحكم.

تصاعدت دعوات كبيرة من شتى دول العالم للإفراج عنه، وهو الأمر الذي تم عام 1990، وفي عام 1994 انتُخب كأول رئيس أسمر في تاريخ البلاد، وقبلها بعام حصل على جائزة نوبل للسلام.

«بني وطني جنوب أفريقيا؛ لقد وحدنا نيلسون مانديلا وسوف نودعه مُوَحدين» الرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما

رحل نيلسون مانديلا عن العالم في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) عام 2013، متأثرًا بعدوى بكتيرية في الرئة، ومات محاطًا بعائلته في مدينة جوهانسبرج بجنوب أفريقيا.

– مارجريت تاتشر.. حرباء السياسة التي هزمت أعتى الرجال بعقلها

لا يوجد رجل أو امرأة حكم المملكة المتحدة في القرن العشرين لمدة أطول من تلك التي حكمتها فيها مارجريت تاتشر، أول رئيسة وزراء أنثى في تاريخ بريطانيا. ولدت تاتشر في 13 أكتوبر عام 1925 بمدينة جرانثام البريطانية وأظهرت نبوغًا كبيرًا في شبابها، فالتحقت بجامعة أوكسفورد العريقة، وهناك حصلت على درجة البكالوريوس في الكيمياء بمرتبة الشرف من الدرجة الثانية. كان لتاتشر مجهودات علمية كبيرة، فقد تخصصت في علم البلورات بالأشعة السينية وعملت كيميائية لفترة من حياتها قبل أن تلتحق بسلك السياسة، وكانت تفخر بكونها أول رئيسة للوزراء حاصلة على درجة علمية.

تاتشر مع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان

شهدت فترة حكم تاتشر من 1979- 1990 الكثير من العقبات الاقتصادية والسياسية، إذ كانت البلاد على شفا ركود اقتصادي، إضافة إلى تحديات سياسية حين غزت الأرجنتين جزر فوكلاند، وكان أول غزو للأراضي البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية. استطاعت تاتشر التغلب على هذه العقبات، ومكثت في الحكم 11 عامًا قبل أن تعتزل السياسة تمامًا نتيجة إصابتها بسكتات دماغية، كان آخرها عام 2002، ونتيجة واحدة من هذه السكتات رحلت عن العالم يوم الثامن من أبريل (نيسان) عام 2013 في العاصمة البريطانية لندن، لتودع بريطانيا من أطلق عليها يومًا ما «المرأة الحديدية».

سياسة

منذ 9 شهور
سارقة الحليب التي أصبحت المرأة الحديدية.. هكذا رأت مارجريت تاتشر «البريكست»

– محمد علي كلاي.. «رياضي القرن»

شهد القرن العشرين بزوغ نجم الكثير من الرياضيين الذين أضافوا لعالم الرياضة، فمن النجم البرازيلي بيليه إلى أسطورة الأرجنتين دييجو أرماندو مارداونا، مرورًا بأسطورة التنس إيفان ليندل، لكن محمد علي كلاي كان في مكان آخر لدى الجماهير التي منحته لقب «رياضي القرن».

وُلد كاسيوس مارسيلوس في 19 يناير (كانون الثاني) عام 1942 بولاية كنتاكي الأمريكية، ودخل عالم الملاكمة بينما كان عمره 12 عامًا، قبل أن يحقق الميدالية الذهبية في أوليمبياد روما الصيفية عام 1960. اعتنق محمد علي الإسلام وقرر تغيير اسمه في عام 1964 وحقق العديد من الألقاب العالمية، كان أبرزها حين تغلب في «نزال القرن» على بطل العالم جو فريزر، الذي صُنف عليه بأنه لا يقهر، لكن محمد علي استطاع هزيمته في النزال الشهير عام 1970.

اعتزل محمد علي الملاكمة عام 1981 عن 39 عامًا بعد 56 فوزًا منها 37 بالضربة القاضية، يبنما لم يتلق طية حياته سوى خمس هزائم. أصيب محمد علي بالشلل الرعاش «باركينسون» عام 1984، ورحل عن عالمنا في 3 يونيو (حزيران) 2016.

– ستيفن هوكينغ.. «وداعًا حتى تحترق النجوم»

كثير من تحدى الإعاقة، قليل من أكمل في تحديه هذا، واحدٌ فقط من أكمل التحدي ليصبح أشهر وأكبر عالم فيزياء في العالم. هذا الواحد هو ستيفن ويليام هوكينج.

هوكينج أثناء تكريمه من أوباما

وُلد العالم البريطاني الفذّ ستيفن هوكينج في الثامن من يناير (كانون الثاني) عام 1942 وأصيب في شبابه عام 1967 بمرض التصلب الجانبي الضموري، ما جعله أسير الكرسي المتحرك طيلة حياته. لكن هذا لم يمنعه من التقدم في العلم، فحصل على الدكتوراه في علم الكون من جامعة «كامبريدج» كما نشر الكثير من الكتب أبرزها «تاريخ موجز للزمن»، إضافة إلى إسهاماته الكبيرة في مجال الفيزياء النظرية وفيزياء الكون.

لدى هوكينج أيضًا الكثير من الأبحاث في مجال الثقوب السوداء، والديناميكا الحرارية والتسلسل الزمني، وتوقع نهاية البشر على أيدي الذكاء الاصطناعي، كذلك كان منكرًا للأديان، ويرى أنها من صنع البشر، وله مقولة شهيرة بأن «الفلسفة قد ماتت».

حصل هوكينج على وسام الإمبراطورية البريطانية، إضافة إلى وسام الحرية الرئاسي من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2009، ورحل عن العالم 14 مارس (آذار) عام 2018، في كامبريدج بريطانيا.

– وحيد القرن سودان.. البشر قد يكونون أخطر الكائنات على الأرض

«لا يوجد مخلوق تسبب في ضرر لمخلوق مثله بالقدر الذي تسبب به الإنسان لبني جنسه ولغير بني جنسه أيضًا» قد يجادل البعض في صحة هذه العبارة، لكنها حقيقية تمامًا عند النظر إلى الأمر من زاوية وحيد القرن الأبيض الشمالي، الذي كان عدد جنسه في ستينيات القرن الماضي بالآلاف، لكن البشر تدخلوا في حياته فقتلوه بشكل عشوائي ووحشي، لا من أجل أكله أو الاستفادة من لحمه، لكن من أجل أن قرونه تُستخدم في بعض العلاجات الطبية الصينية التقليدية، التي لم يثبت العلم أي جدارة لها على الإطلاق.

فقط لأن الكثيرين يدفعون من أجل قرنه العاجي، يجري قتله وتتبعه واصطياده، ما أدى إلى بقاء ثلاثة فقط من أفراده على وجه الأرض بحلول أوائل العقد الماضي، ذكر وحيد وهو سودان، إضافة إلى ابنته وحفيدته.

وحيد القرن سودان بعد موته. مصدر الصورة: (ناشيونال جيوغرافيك)

فُرضت حراسة مشددة على سودان بوصفه آخر ذكر من هذه الفصيلة على وجه الأرض، لكنه كان كبيرًا في السن (45 عامًا) فلم يقو على تخصيب الأنثى الموجودة؛ ونتيجة لإصابته بالتهاب في قدمه لم يستطع المشي، ولم يعد يأكل في أيامه الأخيرة؛ فاضطر القائمون على حمايته بالتدخل ونفذوا القتل الرحيم له، ليرحل عن العالم آخر ذكر معروف من سلالة وحيد القرن الأبيض الشمالي في 19 مارس عام 2018، والسبب واضح: الإنسان.

– كاتدرائية نوتردام في فرنسا.. «قلب باريس يتوقف عن النبض»

ربما لم يوجد معلم أثري في عاصمة النور باريس قد جرت زيارته مثل كاتدرائية «نوتردام» والتي يعني اسمها بالعربية «كنيسة سيدتنا العذراء» إذ كان يزورها في العام نحو 13 مليون سائح. لكن العقد الأخير أبى أن يودعنا إلا بخسارة فادحة لهذا الصرح الكبير، الذي بُني في القرن الثاني عشر واستغرق البناء 200 عام.

تقع كاتدرائية نوتردام في الجانب الشرقي من باريس وتُمثل أهمية كبيرة للفرنسيين وللعالم أجمع؛ إذ شهدت الكثير من اللحظات التي غيرت مجرى التاريخ، مثل تتويج نابليون إمبراطورًا عام 1804، والاحتفال بالتحرر من النازية عام 1944، إضافة إلى شهرتها الأدبية الواسعة؛ إذ كانت محور الأحداث في رواية الأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوجو «أحدب نوتردام».

قبل السابعة مساء بعشر دقائق بتوقيت أوروبا الصيفي في 15 أبريل (نيسان) 2019، اندلع حريق هائل من جراء عمليات الترميم التي كانت تجري على الكنيسة، اندلع الحريق من منتصف السقف المبني من الخشب، وامتد إلى البرج؛ ما أدى إلى سقوط سقفها التاريخي والبرج أيضًا، وإلحاق أضرار جسيمة بالكنيسة بالكامل بالرغم من جهود رجال الإطفاء ومحاولاتهم الحثيثة في إطفاء الحريق.

عقب الحادث سارع الكثيرون للتبرع لإعادة ترميم الكنيسة المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث منذ عام 1991، ووعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة البناء بالكامل، معربًا عن حزنه الشديد لما لحق بالمبنى التاريخي الذي ستسغرق جهود إعادة إعماره الكثير من الوقت والمال.

وصفت مجلة «دير شبيجل» الألمانية الكاتدرائية بأنها قلب الأمة، كما وصفت «لوفيغارو» الفرنسية الكنيسة بعد الحريق بأنها «قلب باريس المكسور»، الذي تغيب عنه مع مطلع العقد الجديد صلوات عيد الميلاد للمرة الأولى منذ 200 عام.

 

المصادر

تحميل المزيد