«كُلنا سنموت»، «لن أعيش لك العمر كله!»؛ والكثير من المصطلحات الأخرى في مختلف اللغات واللهجات تعبر عن إدراك الإنسان بأن عمره في هذه الحياة محدود، أو متعارف على حدوده، وعلى مدار حياتك الشخصية عزيزي القارئ، وتعاملك مع كبار السن المقربين منك، من النادر أن تكون قابلت شخصًا قد تعدى عمر 100 عامًا، أو كلبًا قد تعدى عمره 30 عامً، ولكن أيضًا قد تجد سلحفاة عاشت مئات السنوات، وتلك المعايير العمرية للكائنات الحية التي ندركها من مراقبة العالم حولنا يطلق عليها العلم «العمر الافتراضي» للكائن الحي.

هذا العمر الافتراضي يرصد متوسط العمر الذي قد يعيشه كائن حي ما، وما رصده العلم طوال الأعوام الماضية هو أن العمر الافتراضي للإنسان 79 عامًا، تزيد أو تقل وفقًا للعديد من المتغيرات التي تخص الفرد، بعض النظر عن تعرض الشخص لحادث في سن مبكر أدى إلى وفاته، وعلى مر التاريخ كانت محاولات الإنسان للوصول إلى سر الخلود مستمرة، فما الذي وصل له حلم الخلود لدى الإنسان حتى الآن؟

الفرق بين العمر الافتراضي ومتوسط العمر

العمر الافتراضي للكائن الحي يختلف عن متوسط العمر لنفس الكائن، فالعمر الافتراضي هو الحد الأقصى المتوقع لعدد السنوات التي يمكن للكائن الحي في الأغلب أن يعيشها، أما متوسط العمر فهو متوسط عدد السنوات التي يحققها الإنسان على سبيل المثال إذا مارس حياة صحية تمامًا، وابتعد عن كل العادات المضرة بالصحة، ولم يصب بمرض خطير، ولم يتعرض لحادث، فالعمر الافتراضي الذي يمكن أن يصل إليه هو 79 عامًا.

أما الإنسان الذي يعيش حياته في ممارسة العادات الصحية السيئة، أو يعيش في بلد لا تسمح له بتلقي الرعاية الصحية اللائقة، فمتوسط عمره يختلف عن العمر الافتراضي، ومتوسط العمر للإنسان يختلف من بلد لآخر، فمثلًا متوسط عمر الإنسان في التشاد وسيراليون لا يتعدى 55 عامًا.

وليس شرطًا أن يكون متوسط العمر أقل من العمر الافتراضي، فأحيانًا في بعض البلدان استطاع الإنسان أن يتفوق على العمر الافتراضي ليصل إلى متوسط عمر أطول سواء بسبب الرعاية الصحية الجيدة، أو بسبب الحميات الغذائية الصحية، وتعتبر هونج كونج خير مثال على ذلك، حيث تجد هناك متوسط عمر الإنسان من الجنسين يصل إلى 85 عامًا، بينما متوسط عمر النساء هناك قد يصل إلى 88 عامًا، وهذا الرقم لن يدهشك كثيرًا حين تعلم أن أكبر معمرة لم تزل على قيد الحياة حتى اليوم، وهي اليابانية كاني تاناكا التي تبلغ من العمر 118 سنة.

والسؤال هنا هل التغيرات التي تطرأ على تلك المعايير التي تؤثر في متوسط عمر الإنسان، قد يكون لها تأثير على تغير العمر الافتراضي الثابت للبشر على وجه الأرض أيًا كان بلدهم وظروفهم، كما حدث مع كاني تاناكا؟ هذا يأخذنا إلى النقطة القادمة.

مع التطور الطبي.. هل يعيش الإنسان للأبد؟

يمكنك وأنت تتلقى لقاح فيروس كورونا في بلدك، أن تتذكر ما الذي كان يحدث للبشر وقت الأوبئة فيما سبق وقبل تطور الأبحاث العلمية الطبية، فربما لم يكن الوباء ينتشر خارج منطقة محددة بسبب عدم تطور وسرعة وسائل النقل في وقتها، ولكنه أيضًا كان لا يترك أحدًا حيًا في الطريق الذي يسلكه، ولم يكن هناك لقاح أو علاج له، وكان يجب للوباء أن يأخذ دورته الطبيعة في قتل البشر قبل أن ينتهي، أما الآن وخلال أعوام قليلة استطاع البشر تطوير لقاح يحميك من مضاعفات فيروس كاد يفتك بالبشر في العام المنصرم.

التطور الطبي وتطور البحث العلمي أصبح ملحوظًا في العقود الأخيرة بين البشر، فحتى القلب يمكن زراعته للإنسان، وتطورت العلاجات بجميع أنواعها، فهل يمكن للبشر في السنوات والعقود القادمة، والتي يتوقع أن يتطور فيها الطب أكثر وأكثر، أن يعيشوا للأبد، إذا لم يتعرضوا لحادث أو مرض لم يصل الإنسان لعلاجه بعد؟

الإجابة: لا!

هناك تطور طبيعي يحدث لجسد البشر لم يستطع العلم حتى الآن أن يقف أمامه، أو ينجح في محاربته، وهو الشيخوخة، والتي تعتبر جزءًا من دورة حياة الكائنات الحية، ومرحلة من مراحل حياتها لا مفر منها، وتعد تلك المرحلة هي المرحلة النهائية من العمر الافتراضي، وعلى الرغم من أنها لا تبدأ في عمر واحد لدى الجميع، فإن السن الذي يبدأ معه توقع بداية مرحلة الشيخوخة لدى الإنسان هو من عمر 60 إلى 65 عامًا.

وتقف الشيخوخة عقبة أمام سعي بعض البشر إلى الخلود، ولكن أيضًا التقدم الطبي وتطور البحث العلمي وإن كان لا يستطيع أن يمنح الإنسان الخلود، قد يمنح الإنسان مزيدًا من الوقت في هذا الكوكب وفقًا لما ورد في الدراسات الحديثة، بأن العمر الافتراضي للإنسان يوشك على التغير.

الإنسان لن يعيش أكثر من 150 عامًا

في دراسة نُشرت في شهر مايو (آيار) من هذا العام 2021؛ حاول القائمون عليها الإجابة عن سؤال: مع التقدم الطبي والرعاية الصحية ما هو العمر الافتراضي الجديد للإنسان؟

ورد في هذه الدراسة التي استعانت ببيانات ما يقرب من نصف مليون مواطن متفرقين بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا؛ أن العمر الافتراضي الجديد المتوقع للإنسان سيتراواح ما بين 120 و150 عامًا، وحتى إذا تلقى من الرعاية الصحية ما يسمح له بالبقاء أكثر من ذلك، لن تمنحه الشيخوخة فرصة للعيش أكثر من 150 عامًا.

لم يكن غرض هذه الدراسة الوصول للعمر الافتراضي الجديد للبشر، بل كان يهدف إلى اكتشاف إمكانية البشر للحياة قرونًا طويلة، أو حتى الوصول إلى الخلود إذا تلقوا ما يسمح من رعاية طبية، ومارسوا الحياة الصحية المناسبة، ولكن تلك الدراسة أخبرتهم بما لا يدع مجالًا للشك أن الإنسان الحديث عمره الافتراضي هو قرن ونصف فقط على أقصى تقدير، ولا يستطيع العيش أكثر من ذلك.

وعلى أثر تلك الدراسة تقول هيذر ويتسن، مديرة مركز جامعة ديوك لدراسة الشيخوخة والتنمية البشرية أن الأمر لا يتعلق بالموت والحياة فقط، بل يتعلق بـ«جودة الحياة»، فمع تقدم العمر تزداد فترة الشيخوخة، ويحتاج الفرد إلى رعاية أطول، فزيادة العمر الافتراضي لن تؤثر في متوسط العمر الذي تظهر فيه أعراض الشيخوخة، بمعنى أن زيادة عمر الإنسان تعني في داخلها زيادة العمر الذي سيقضيه في فترة الشيخوخة، وتؤكد هيذر أن سعي البحث العلمي يجب أن يكون مُركزًا حول منح الإنسان فترة أطول في حياته خارج سن الشيخوخة، وليس إطالة العمر في المطلق.

وذُكر في الدراسة أن هناك الآن حوالي نصف مليون شخص في العالم يتجاوز عمرهم 100 عام، وأقل من 600 شخص تخطوا 110 عامًا، ولكن مع تحسن ظروف الرعاية الصحية في كثير من دول العالم، فإنه من المتوقع أن يزيد عدد من يعيشون حتى 110 عامًا بشكل ملحوظ خلال القرن الحالي، وتلك البيانات كان من شأنها أن تثير قلق صناع القرار في العالم، نظرًا لأن كبار السن يحتاجون إلى الرعاية الصحية والاجتماعية، أي أنهم يحتاجون مزيدًا من الإنفاق الحكومي.

هل للجينات دور في العمر الافتراضي للإنسان؟

أما الإنسان فما يحدد عمره الافتراضي هو العديد من العوامل يعتبر أهمها أسلوب الحياة الصحية، ومستوى الرعاية الطبية، وظن العلماء لفترة من الوقت أن الجينات قد يكون لها الدور الأكبر في تحديد العمر الافتراضي للإنسان، ولكن جاءت الدراسات الحديثة لتنفي ذلك وتعتبر جين كالنت أكبر مثال على ذلك، وهي امرأة فرنسية تحمل الرقم القياسي لأطول حياة سُجلت على الإطلاق؛ إذ توفيت عام 1997 عن عمر يناهز 122 عامًا.

ولكن أطفالها لم يرثوا هذه الجينات الجيدة كما ظن العلماء، وفي حال ورثوها بالفعل فإن تلك الوراثة لم تحمهم من المتغيرات الأخرى؛ فقد توفيت ابنة جين في عمر 35 عامًا نتيجة الإصابة بالتهاب رئوي، كما توفي ابنها فريدريك عن عمر يناهز 73 عامًا بعدما تناول فاكهة فاسدة، بمعنى أن الإنسان قد يرث عن آبائه الجينات التي تسمح له بالعيش فترة طويلة، ولكن الظروف المحيطة به، أو عدم توفر الرعاية الصحية لا تسمح له بالوصول إلى نفس العمر الذي استطاع آباؤه الوصول إليه.

هل يجب أن يتوقف بحثنا عن الخلود؟

الدراسة السابقة تعتبر تأكيدًا لسنوات من البحث قضاها العلم بحثًا عن قدرة البشر على الخلود، ففي دراسة أمريكية نُشرت بالعام 2016، أجراها مجموعة من العلماء العاملين بجامعة ألبرت اينشتاين للطب؛ أكدت أن الأعمار المُسجلة للمعمرين من البشر في وقتنا الحالي، ليس هناك وسيلة طبية لجعلها أطول، وأكد الباحثون بقيادة الطبيب يان فيج أن الحد الأقصى لعمر البشر هو 115 عامًا، بفارق أعوام قليلة تنقص أو تزيد، واشارت الدراسة أن التطورات الطبية لن تستطيع أن تقدم للإنسان أكثر من تلك السنوات.

استطاعت تلك التطورات الطبية منذ القرن التاسع عاشر أن ترفع مستوى عمر الإنسان بفضل ما تقدمه له من رعاية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية؛ يتوقعون للإنسان أن يعيش حتى 79 عامًا، بينما في عام 1900 كان العمر المتوقع للفرد هو 47 عامًا فقط، وهو ما دفع الفريق البحثي إلى دراسة مدى قدرة التطورات الطبية على منح الإنسان حلم الخلود، أو حتى العيش على كوكب الأرض مدة أطول، ولكن ما اكتشفه الطب أن لهذا العمر سقف لن يستطيع الطب الحديث اختراقه.

وأوضحت الدراسة أن تطور الطب قد يحرز تقدمًا في التغلب على الأمراض المعدية والمزمنة؛ ما قد يسمح لمزيد من البشر الوصول للحد الاقصى للعمر – 115 عامًا – ولكن حتى إن توصل الطب إلى زيادة عمر الإنسان عن هذا الحد، فيجب أن يكون هذا عن طريق التلاعب في الجينات الأساسية لدى البشر، والسيطرة على المتغيرات التي تطرأ عليها وتؤدى إلى الشيخوخة.

ومن وجهة نظره – فيج – بعد أن أنهى تلك الدراسة فإنه من الأفضل أن تُكرّس تلك الموارد المالية التي تنفق على محاولة تحقيق حلم الخلود على أبحاث أكثر أهمية مثل تحسين الفترة التي يستطيع الإنسان أن يعيشها، وتقليل أعراض الشيخوخة، والتي تجعل المرء عبئًا اقتصاديًا على المجتمع.

الخلود الرقمي.. ما هو؟

يبدو أن حلم الإنسان بالخلود أمرًا يُصعب التخلي عنه، لأنه مع تأكيد الطب أن الشيخوخة وجينات البشر يقفان عائقًا قويًا بين الإنسان والخلود؛ سعى البشر لنوع آخر من الخلود؛ وهو الخلود الرقمي. تخيل أن هناك في المنزل نظامًا رقميًا على حاسبك الآلي، أو مُحمل على رجل آلي متطور، وهذا النظام الرقمي يحمل كل المعلومات والذكريات التي جمعتك بشريك حياتك بعد وفاته، ومن خلال الذكاء الاصطناعي يمكن لهذا النظام أن يطوّر نفسه، وكأنه يتقدم في العمر وينضج. وبهذا تكون لديك نسخة رقمية من شريك حياتك يمكن لها أن تعيش إلى الأبد.

كلا نحن لن نتحدث عن حلقة من حلقات مسلسل «Black Mirror» للخيال العلمي عندما ابتاعت امراة نسخة رقمية من زوجها الراحل، وتلك النسخة كانت على شكل رجل آلي يشبه البشر، بل نتحدث عن واقع ودراسات علمية تسعى الآن لتخزين وعي الإنسان وذكرياته وخبراته على نظام رقمي من الذكاء الاصطناعي؛ حتى يمكن لهذا الإنسان أن يعيش للأبد.

«قد يموت كيانك المادي، ولكن كيانك الرقمي سيستمر في التطور بهدف مساعدة الناس والحفاظ على إرثك ككائن متطور»، هكذا يخبرنا العلماء الذين يعملون الآن على تطوير ذكاء اصطناعي دوره استغلال كل المعلومات التي تمد بها أجهزتك الذكية عن نفسك؛ ليصنع منها نسخة رقمية منك تكون قادرة على التصرف بشكل مستقل بعد وفاة الإنسان، بل تكون لها القدرة على تطوير نفسها من خلال التفاعل مع الآخرين والبحث على الإنترنت.

في النهاية نذكر فيلم «Death becomes her»، والذي قام ببطولته الممثل بروس ويلز، وناقش فكرة أن الخلود هو خلود سيرة الإنسان الطيبة وأعمال الإنسان، وتقول العالمة هيذر تلك الجملة المعبرة «إن الأمر لا يتعلق بالموت والحياة، بل يتعلق بجودة الحياة»، فقد يكون حيًا، ولكن لا يستمتع بوجوده في هذه الحياة، ونرى بعض من المرضى الذي يعانون بأمراض مؤلمة، ولكنها لا تقضي على حياتهم، يطالبون بالـ«موت الرحيم»، فهل الأهم أن يعيش الإنسان أطول فترة ممكنة في الحياة، أم أن يعيش بأفضل طريقة ممكنة على مدار السنوات التي تمنحه إياه الحياة؟

المصادر

تحميل المزيد