«حكومة تحرمني منك.. تسقط بس»، يُقال إن هذه الرسالة النصية القصيرة التي أرسلها عاشق سوداني إلى محبوبته هي السبب في انتشار الشعار الأبرز للحراك الشعبي الذي نجم عنه إسقاط نظام البشير، وهو «تسقط بس».

بيد أن الأحداث التي سبقت إسقاط نظام عمر البشير صدحت بالكثير من الشعارات الساخرة من أمثال «حكومة تخلي العسكري يخربشني وزي البت الشلّبوها: (أي التي خُطف زوجها من امرأة أخرى) تسقط بس»، أو  «حكومة تخليك تصرف على جكسويتك (المحبوبة) وتحبها وتحصّنها وتعمل ليها رقية شرعيّة بالتلفون وبعد دا يجي مغترب كعريس جاهز يشيلها منك بسبب فارق الوضع الاقتصادي: تسقط بس».

ولم يكف السودانيون عن الفكاهة بعد إسقاط نظام البشير، ووصول المجلس العسكري لتولي الأمور السياسية، من أمثال مثل «شخصية البشير اتقسمت 3 أشخاص: عوارة برهان، كضب كباشي، اندفاعية حميدتي».

«البرنس» وفكاهة الثورة في «عشرة ونسة»

يقضي اللاعب في فريق القمة السوداني محمد مصطفى الكثير من الوقت في التحضير لبرنامجه الشهير «عشرة ونسة» الذي يبث عبر «يوتيوب»، وبرغم أن هذا البرنامج انطلق قبل الأحداث الأخيرة في السودان، إلا أن أهميته زادت مؤخرًا لاعتماده على استضافة ضيوف لهم علاقة بالثورة السودانية.

يتوجب على  محمد مصطفى أو «البرنس» كما يلقب تيمنًا باللاعب هيثم مصطفى، أحد أبرز نجوم كرة القدم في السودان الذي اعتزل اللعب في العام 2015، أن يُعد جيدًا لهذا البرنامج الذي يحظى بنسب مشاهدة عالية تتخطى 600 ألف مشاهدة للحلقة الواحدة، فهو الآن حريص على استضافة شخصيات سودانية مؤثرة في الحراك، يدير الحوار معها بشكل فكاهي لحد كبير.

تحدث «ساسة بوست» إلى «البرنس»، فقال إن «من عادة أهل السودان أن يعقبوا على الأمور التي لا تعجبهم والتي لا يقتنعون بها بحس فكاهي، وبما أن الثورة السودانية حملت الكثير من الأحداث التي لم تكن في حسبان السودانيين فقد قابلوا تلك الأمور بالفكاهة والنكتة»، مضيفًا: «الشعب السوادني لديه حس فكاهي شديد مع الثورة، خرج بغية تلطيف الأجواء الصعبة التي وجد السودانيون فيها أنفسهم بين الفنية والأخرى».

ويشير مصطفى أن أكثر ما أضحكه من جملة ما قدم حوله هي الأغنية الساخرة التي جاء فيها «الرئيس رقاص وما نافع ياخي نافع ذاتو ما نافع الحكومة الراكبة تاتشرات (السيارات المصفحة) الحكومة الشايلة كلاشات (رشاش الكلاشنكوف)»، والتي يقصد به نقد نظام البشير الذي كان يكثر من الرقص على  حساب القضايا المهمة.

فيما كان نافع على نافع (القيادي البارز في «حزب المؤتمر الوطني») «لم يستفد من علمه لنفع الحكم، أي أن هناك خلافًا لفظيًّا بين اسمه وفعل النفع»، وهنا يعتقد مصطفى أن «المضمون الساخر الجيد هو الذي يصل بسرعة للناس، فالمضمون الجيد هو الذي يدعمه الناس سواء كان نكتة أو برنامجًت أو مجرد شعار رفعه متظاهر ما».

ويبين مصطفى أنه -كما أغلب الرياضيين- لم تكن الأمور السياسية تعنيه، لكن حين وقعت الثورة وكان لديه برنامجه الفكاهي لم يستطع أن ينفك عن الواقع السوداني الذي تطلب أن يكون حاضرًا بين الناس بما يقدمه لهم ويعنيهم، موضحًا: «نحن كشعب سوداني نحب الأمور البسيطة الساخرة الضاحكة، والواقع الحرج الآن يتطلب أن نقدم كل ما يلمس واقع السودانيين ويصل لقلوبهم».

«وجوه عادية أسقطت ديكتاتورًا».. تعرّف إلى أبرز «أيقونات» ثورة السودان

«دسيس مان».. «الثورجي الظريف» الذي أحبه السودانيون

هناك وجه ضاحك وصوت يتابعه أغلب السودانيين الآن، إنه محمد يحيى أو كما يعرفه العامة «دسيس (تعني الجيد) مان» أو «الثورجي الظريف» أو «هتاف الثورة»، أحد أشهر الناشطين الذين شكلوا حضورًا عبر الهتافات التي يرددها بين الثوار، حيث لمع نجمه خلال اعتصام القيادة العامة وفي الأحداث التي تمخضت عن الثورة السودانية.

ذاق «دسيس مان» الذي ما زال يضحك السودانيين من آلام الثورة أصعبها، فقد فقدَ أخويه يوم فض اعتصام القيادة في الخرطوم في مطلع يونيو (حزيران) 2019 -حين  اعتصم السودانيون قرب المقر العام للقيادة العامة للجيش منذ السادس من أبريل (نيسان) 2019 للمطالبة بتغيير النظام السياسي-، كما اعتقل «دسيس مان» أيضًا، لم يكثر في الحديث عن موت أشقائه، وظل في الميدان يصدح بشعاراته اللطيفة والمؤثرة، لكنه ضعف قبل أيام قليلة في ميدانه، فبكي بحرقة خلال هتافه للشهداء السودان عامة، متذكرًا من فقد من أسرته.

وعن بدايته مع الهتافات الفكاهية، يقول «دسيس مان» أنه سمع ذات يوم وهو في اعتصام القيادة متظاهرين يختصمان، حول المبيت في الاعتصام أو الذهاب للبيت من أجل توفر الخدمات فيه، فرد عليهم بشعارات صدحت في المظاهرات «بس أنت حاول بيت، فرشة ومعجون نديك، الشاي صباح نسقيك، ذلابية نجاسفة ليك». ثم يردف «هتاف الثورة» قائلًا: « تلفونك نشحنو ليك، وايفاي نربطو ليك» فيردد الثوار هذا الهتاف الذي على بأحلامهم، حتى أنه أقحم العلاقات العاطفية في هذه الشعارات، فقال : «كنداكة نعرسها ليك، لو أبت نحنكها ليك، ووداد نطلقها ليك، بسأ حاول بيت».

سألنا محمد مصطفى الذي استضاف مؤخرًا «دسيس مان» في برنامجه  «عشرة ونسة» عن الرجل الذي ظل يلهب حماسة الثوار بشعاراته مع ابتعاده عن التواصل مع الإعلاميين فقال باللهجة السودانية أنه: «زول بسيط جدًا، زول يحبه الشعب كثيرًا، ويحب هتافاته التي يكتبها بنفسه ويغنيها، وهو ما خلق  لديه قبولًا كبيرًا من قبل الناس».

«خفة دم» على خطا المصريين

يمر المتابع لأحداث الثورة السودانية بالكثير من الأقوال والأفعال التي تسخر بطريقة ما من القادة السياسيين في الثورة، فقد أتت الفكاهة في الكثير من التغريدات الساخرة والصور والمقاطع المصورة للنشطاء السودانيين الذين ملأت صفحاتهم بمنشورات ساخرة تجد إقبالًا كبيرًا من المتابعين.

يعتبر الناشط السوداني الطيب عبد السلام أن «الحقيقة نفسها تحدث وكأنها نكتة»، بمعنى أنها حادثة وفي ذات الوقت مستبعدة وغير مجمع عليها، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «الامتداد بين الوقوع الفعلي وتأويله الساخر هو ما يمنح الحدث طرافته وقابلية انتقال أحداثه إلى وقوع يتصل بالخلود، وبالتالي يكون لها قدرة النقد المستمر والقدوم للواقعة بل ووقائع أخرى مختلفة في أي وقت لأنها تمتلك امتدادًا تأويليًا».

ويقول عبدالسلام  -وهو ناشط كثيرًا ما يستخدم الفكاهة في إيصال رسائله-: «لذلك مثلا نجد أغلب الافلام الكوميدية يتم اقتطاع مشاهد منها وتتم إضافة تعليقات مختلفة كل مرة، فتقنية السخرية وأعني «التمبلس» هي تقنية صاحبت الثورة المصرية واستلهمنا هذه المسألة من صفحاتها على سبيل المثال «أساحبي كوميدي»، وهي تقنية مرتبطة ببرامج الأندرويد وبالتالي فهي متاحة لغير المتخصصين».

وعن دور الفكاهة في التعريف بالثورة السودانية، يرى عبدالسلام أن «ميزة الأفعال والأقوال الساخرة أنها تحرك الواقعة وتناهي الحدث المباشر إلى الأفق التأويلي الساخر فبالتالي يتم استحضار الواقعة دومًا من باب أنها تؤنس النفس ومن باب جدواها الثورية، فحين ذلك يمتزج الإيمان بالقضية بمرح وحيوية ذلك الإيمان».

ويعتقد عبدالسلام بأن ظهور هذه الأدوات الساخرة سيحفز ويشجع روح الفكاهة لدى السودانيين، وإن كان  إبداع السودانيين ليس بتلك الكثافة نسبة للمزاج السوداني نفسه، معقبًا بالقول: «حتى أنا شخصيًا برغم سخريتي فإنها لا تعدو كونها  تصور فكري للواقعة وعمل تأويلي، لكن إذا كنت نتحدث عن النكتة، فهناك بلا شك الآلاف من المواقف الطريفة التي وقعت  وحققت أهدافها».

لماذا تفشل ثورات السودانيين ضد العسكر كل مرة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد