أحمد الدباغ

23

أحمد الدباغ

23

عشرات الأحزاب والكتل السياسية ظهرت على الساحة العراقية بعد الغزو الأمريكي عام 2003، تنوعت خلفياتها السياسية بين الإسلامية والليبرالية والعلمانية والشيوعية واليسارية فضلًا عن توجهات بعض الأحزاب القومية ما بين الكردية والتركمانية وغيرها.

ماذا  كانت محصلة هذه الأحزاب بعد 14 عامًا من الانفتاح الحزبي؟ وما كان جدواها؟ وهل التعدد الحزبي الكبير دليل على ديمقراطية الدولة بالمحصلة؟ في هذا التقرير نقرأ الحالة السياسية العراقية من خلال بحث يرصد مختلف وجهات النظر ويقارنه بدول أخرى.

مع بدء العملية السياسية العراقية في عام 2003 متمثلة بمجلس الحكم الانتقالي انبثقت عدة أحزاب سياسية وشخصيات تبوأت المشهد طيلة فترة «مجلس الحكم الانتقالي» والتي استمرت سنة واحدة فقط، حيث كانت الشخصيات التي تبوأت مقاعد المجلس هي نواة تشكيل الأحزاب السياسية العراقية في الفترة اللاحقة وما تبعها.

مع تقدم الأيام وتتابع السنوات، تزايدت أعداد الأحزاب في العراق حتى أن معدل الزيادة صار يُعدّ بالأيام، فوصل عدد الأحزاب المشاركة في انتخابات عام 2014 إلى ما يزيد عن 265 حزبًا وتجمعًا سياسيًا صادقت عليه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في حينها، ما لبثت هذه الأحزاب أن اندمجت فيما بعد في 36 كيانًا سياسيًّا كبيرًا.

أما وقد اقترب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة العام القادم فقد وصل عدد الأحزاب السياسية المسجلة حتى اللحظة إلى 300 حزب وكيان سياسي في بلد يُسجّل أعلى عدد من الأحزاب في العالم نسبةً إلى عدد سكانه.

أمريكا تشجع التعددية الحزبية

يرجع تزايد عدد الأحزاب المطّرد إلى الإجراءات المتبعة في تسجيل واعتماد أي حزب جديد، ففي المادة «سادسًا» من الفقرة «ثالثًا» من الجزء الثاني لإجراءات تأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية، الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عام  2016، تنص هذه المادة على وجوب توافر: «قائمة ورقية بأسماء أعضاء الحزب، والتي تضم ما لا يقل عن ألفي عضو من مختلف المحافظات (على أن لا تقل عن محافظتين)، مع مراعاة تمثيل النساء، وفقًا للنموذج المعد من قبل الدائرة بالإضافة إلى تقديم جدول إلكتروني لنفس الأسماء»، وبالتالي باستطاعة أي مجموعة من ألفي شخص تكوين حزب سياسي جديد، وفق الإجراءات الجديدة.

هذه الإجراءات التي قد يراها البعض متساهلة للغاية في تكوين أحزاب جديدة كانت أكثر سهولة في عام 2004 إبّان بدء العملية السياسية العراقية بعد الغزو، ويرى الدكتور «فالح عبد الجبار» مدير معهد الدراسات العراقية في بيروت في دراسة له عن الأحزاب العراقية، نُشرت على موقع المركز الإلكتروني أن:

«التشريعات التي نظمت العملية السياسية في العراق بعد عام 2003 ساهمت في تعزيز ظاهرة التزايد في عدد الأحزاب ومنها قانون إدارة الدولة وقانون الأحزاب والكيانات السياسية رقم 97 عام 2004 وقانون الانتخابات رقم 96 عام 2004، فقد أعطى قانون الأحزاب الحق لكل فرد بأن يكوِّن كيانًا سياسيًا مؤهلًا للتنافس في العملية الانتخابية إذا قدم تأييدًا وتوقيعًا من (500) ناخب مؤهل، وهذا يعني أن أي شخص بإمكانه أن يترشح للانتخابات منفردًا كان أو ضمن تكتل يحمل عنوانًا سياسيًّا».

شجعت هذه التسهيلات التشريعية التي رعتها وأيدتها سلطة الائتلاف المؤقت والحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر على تأسيس الأحزاب وتزايد أعدادها، إلا أن المعطيات التي أفرزتها الانتخابات الأولى وخروج أعداد كبيرة من الأحزاب دون أي مكاسب، دعت عددًا كبيرًا منها إلى إيجاد بدائل.

وقد اختارت بعض الأحزاب حينها الانسحاب وتوجه قادتها إلى خارج العراق تحت ضغط الظروف الأمنية التي بدأت حينها بالتدهور. يظهر كل هذا أن الأحزاب العراقية غير مستقرة وأنها قابلة للاندثار خلال أشهر من تأسيسها، ما يشير إلى ضعف قانوني وتساهل كبير في الإجراءات التي تحكم تأسيس الأحزاب.

وبالعودة إلى دور الإدارة الأمريكية في تشجيع هذه الظاهرة يقول الدكتور فالح عبد الجبار في دراسته: «أدّى الحاكم المدني في العراق بول بريمر دورًا مهمًا في ظهور عناوين سياسية شخصيات وكتل عديدة لا خبرة لهم في العمل السياسي، فقد شجع رؤساء ووجهاء عشائر معروفة في العراق لتشكيل تكتلات وأحزاب سياسية مثل عشيرة الجبور والتميم مقابل وعود بمكاسب مهمة في الدولة العراقية الجديدة – طور التشكيل -.

وتكشف بعض المصادر عن وجود مؤسستين ملحقتين بوزارة الدفاع الأمريكية هما المعهد الديمقراطي الدولي للشؤون الدولية (NDI) والمعهد الجمهوري الدولي (IRI) خصصتا مكاتبهما في العراق بمبالغ لتمويل الأحزاب.

وقد اختلفت التفسيرات حول دوافع الحاكم المدني في العراق من وراء تشجيع قيام هذا الكم الواسع من التنظيمات السياسية، فالبعض يرى في هذه التوجهات رغبة أمريكية في تفكيك الجبهة الداخلية للقوى السياسية، ومنع قيام جبهة واحدة متحدة تتعامل وتتعاطى معهم من خلال إيجاد أحزاب متعددة، وبالتالي، قناعات ومصالح متعددة بل ومتضاربة أحيانًا، يمكن أن تخلقها التعددية الحزبية وبذلك فإن فكرة التعدد الواسع للأحزاب وفي العراق بحسب أصحاب هذا الرأي هي فكرة خارجية تسعى لتحقيق هدف واحد وهو غياب جبهة عراقية موسعة».

فيما يرى آخرون أن تشجيع الأمريكيين للتعددية الحزبية الكبيرة كان من أجل إثبات أنهم جاؤوا دعمًا للديمقراطية ولأجلها.

جدلية التعددية الحزبية والديمقراطية

يقول الكاتب العراقي محمد زين الدين لموقع «الحوار المتمدن»: «أمسى الإقرار بالديمقراطية يرتبط اليوم بضرورة وجود الأحزاب السياسية، فلا ديمقراطية بدون أحزاب سياسية، مثلما لا أحزاب سياسية في غياب الديمقراطية. إن هذه العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والأحزاب السياسية نجدها حاضرة بقوة في كتابات الفقيه الدستوري كلسن حينما أشار على أنه من الوهم أو النفاق القول بأن الديمقراطية يمكن أن توجد بدون الأحزاب».

Embed from Getty Images
كما أن هذا التوجه يتجسد في ذهنية الباحث الفرنسي «موريس دوفيرجيه» الذي رأى أن الحزب يرتكز على ضرورة ترسيخ الديمقراطية التي تعني في نظره النظام الذي يختار فيه المحكومون الحاكمين عبر الانتخابات الحرة، كما عرّف دوفيرجيه الحزب على أنه «تجمع من المواطنين يجتمعون حول منظمة معينة».

وفي هذا الشأن يقول الدكتور «عمار وجيه»، السياسي والكاتب العراقي لـ«ساسة بوست»: «إن أغلب الأحزاب حديثة التشكيل ليس لها برامج سياسية واضحة، بل تدور حول كاريزما شخصية معينة أو مجموعة شخصيات ولا تريد أن تخسر مواطن نفوذها».

ويضيف وجيه أيضا لـ«ساسة بوست»: أن «أغلب الأحزاب حديثة التشكيل ليست قائمة على وجود تنظيم حزبي ولا ترغب بذلك، فالقائمون على تلك الأحزاب يعتقدون أن التنظيمات تكبّل نشاطاتهم وتحد من مرونتها وتقلباتها».

وعن قانون الأحزاب العراقي يقول وجيه: «مجرد تشريع قانون الأحزاب شيء جيد وسيسهم في إحداث تقدم في المسيرة، في السابق كانت الانتخابات قائمة على تحالفات ورمزيات عشائرية، أما اليوم فلا بد للأحزاب مع الوقت أن يكون لها برامج وتنظيمات، ومن يفشل سيندمج مع حزب اكبر أو يحلّ نفسه. أتوقع أن يتقلص كثيرًا عدد الأحزاب في الأعوام القادمة».

Embed from Getty Images

العراق.. تعدد حزبي هو الأكبر في العالم

يُعدُّ عدم وجود فكر سياسي سائد في العراق إثر الفشل الذريع للنظريات التي كانت سائدة في القرن الماضي، وتحول دعاتها إلى مجاميع رأسمالية بعيدة عن الاشتراكية ومستبدة لا علاقة لها بالديمقراطية، يعد ذلك سببًا وجيهًا لما آل اليه الوضع العراقي بعد الغزو.

يقول الباحث الاجتماعي والسياسي «علي أحمد» لساسة بوست إن «كثرة عدد الأحزاب في أي بلد ليس دليلًا على ديمقراطيته مطلقًا، فمثلا الولايات المتحدة فيها ثمانية أحزاب فقط شاركت في الانتخابات التشريعية الماضية، وفي الحقيقة حزبان فقط هما الفاعلان على الساحة السياسية الأمريكية وهما الجمهوري والديمقراطي».

ويضيف أحمد أن «بلدًا كالعراق فيه قرابة الـ 300 حزب ويبلغ عدد سكانه 35 مليون نسمة، يجعل منه يتصدر قائمة غينيس في عدد الأحزاب!».

تعدد الأحزاب في العراق تجاوز ما هو عليه في الهند، حتى دون الأخذ بنظر الاعتبار مساحة البلد نسبة لعدد السكان، فالهند التي يزيد عدد سكانها عن المليار ليس فيها إلا 1851 حزبًا، سبعة منها رئيسية و49 منها إقليمية، في حين أن الدولة لا تعترف ببقية الأحزاب كونها لم تحصل على النسبة الواجبة لها في مجلس الشعب الهندي والتي تقدر 4% من نسبة المقاعد في مجلس الشعب، أو 3.33% من أعضاء الجمعية التشريعية التابعة للدولة، فيما لا يتجاوز عدد الأحزاب في أكبر الديمقراطيات عدد أصابع اليد.

يقول الكاتب والباحث مجاهد الطائي لـ«ساسة بوست»: «تعدد الأحزاب ظاهرة صحية في المجتمع والدولة، إذا كانت هناك ركائز سليمة في بناء العملية السياسية التي من المفترض أن يكون التنافس الديمقراطي فيها قائمًا على أساس البرامج السياسية، وليس على أساس التنافس الطائفي والميليشيات والمشاريع والبرامج غير الوطنية».

وبمقارنة العراق مع الديمقراطيات القريبة والناشئة يضيف الطائي: «سبب الفوضى في العراق ليس تعدد الأحزاب فقط، وإنما الأحزاب المسيطرة التي تحمل مشروعًا فرعيًا غير وطني بثوب الدولة الوطنية، إضافة إلى غياب الأسس الدستورية الصارمة والعقدين الاجتماعي والسياسي؛ فهذه الأسس تنظم التنافس السياسي غير العنيف وتؤدي إلى مخرجات إيجابية بدل الفوضى المسيطرة الآن التي أدخلت العراق في عسر التحول الديمقراطي».

من أين تُمَوّل الأحزاب العراقية؟

الكاتب  العراقي «عمار وجيه» يقول لساسة بوست «إن أغلب الأحزاب كانت تحصل على التمويل عبر السنوات الماضية من مصادر شتى، بعضها هبات داخلية أو خارجية مع وجود تفاوت  كبير بين تلك الأحزاب، أما المفترض فيجب أن يكون للأحزاب مستقبلا تمويل داخلي فقط يعتمد على الاشتراكات والهبات والمشاريع التي يقوم بها الأفراد»

Embed from Getty Images
تصاعدت في السنوات الأخيرة الاتهامات ضد الأحزاب السياسية باستخدامها القوة المسلحة في تمويل نشاطها، ليس فقط عن طريق عمليات تهريب النفط وبيعه في الموانئ الإقليمية، فقد تعدى الأمر ذلك إلى عمليات السطو المسلح والخطف والابتزاز.

وهذا ما كشف عنه النائب في البرلمان العراقي عن كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني «ريزان شيخ دلير» من أن معظم حالات الاختطاف التي تجري في بغداد وغيرها من المحافظات باتت مصدرًا لتمويل الأحزاب.

وأوضحت شيخ دلير أن «الدليل على ذلك هو أن الجهات الأمنية المكلفة بحماية أمن المواطن لا تستطيع السيطرة أو القبض على هؤلاء المجرمين، نظرًا لوجود جهات حزبية تساند عملهم وتشجعهم عليه، حسب المعطيات».

والعجيب أن البرلمان العراقي ذاته والذي يضم تحت قبته الأحزاب السياسية الفاعلة في البلد، يتهم ذات الأحزاب بسرقة الأموال المخصصة لمساعدة النازحين وتحويلها لحسابها الخاص، حيث اتهمت لجنة الهجرة والمهجرين النيابية، أحزابًا سياسية لم تسمها، بالاستحواذ على الأموال المخصصة للنازحين.

ووفقًا لعضو اللجنة النائب حنين القدو فإن منظمات المجتمع المدني تخضع بصورة كبيرة لهيمنة الأحزاب السياسية التي تبحث عن مصادر تمويل لحملاتها الانتخابية المقبلة. وأضاف القدو «أن مئات الملايين من الدولارات تضيع في غرف مظلمة ولا تستطيع اللجنة تتبع حركة هذه الأموال أو محاسبة المنظمات لعدم قدرتها على الوصول إلى آلية صرفها».

Embed from Getty Images
بل إن من المفارقات أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رفض واستهجن أن تمول الأحزاب السياسية حملاتها الانتخابية من خلال التلاعب بمستحقات مقاتلي الحشد الشعبي.

تعليقات الفيسبوك