نقلًا عن عربي 21

 

نشرت صحيفة “إندبندنت” مقالا لروبرت فيسك، حول مشكلة اللاجئين في أوروبا. يقول فيه: “عجيب كيف يستخدم كل من السياسيين والصحافيين الأوروبيين الحرب العالمية الثانية مؤشرا لما تواجهه أوروبا اليوم. فيقال لنا رسميا تواجه أوروبا أكبر مشكلة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية 1939- 1945. والشرطة المجرية تقف في وجه جموع الفقراء والمعوزين، ومعظمهم من المسلمين، خارج محطة القطار الرئيسة في بودابست، وحتى من يحمل تذكرة قطار لا يسمح له بالدخول إلى القطار”.

ويضيف فيسك: “غريب ألا تعيد هذه المناظر الذاكرة إلى الوراء، فقبل 71 عاما فقط كانت الشرطة المجرية تحمل عشرات الآلاف من اليهود على متن القطارات المغادرة، وذلك لإيصالهم بسرعة إلى أوشويتز، حيث كان أدولف آيخمان هو من يصدر الأوامر”.

ويتابع الكاتب: “لم يكن الأمر بأن المجريين كانوا أدوات غير راضية عن دخول الألمان إلى بلادهم أواخر الحرب وما كانوا يفعلون. فقد قامت الشرطة المجرية بحراسة قطارات اليهود المبعدين إلى حدود النمسا، التي كانت جزءا من الإمبراطورية الألمانية العظمى؛ حتى يستطيع النازيون نقلهم بسرعة إلى مخيمات الإبادة. ولم يأت اليهود الذين رحلوا لأجل الإبادة من المدن المجرية فقط، بل من أصغر البلدات، وحتى من تقاطع سكك الحديد في بيسكي، حيث لم ينج من يهود بيسكي إلا ثلاثة. ووصل عدد اليهود المجريين الذين تمت إبادتهم إلى 565 ألف يهودي”.

ويستهجن فيسك قائلا: “غريب أن لا أحد قد أشار إلى هذا الرابط مع الحرب العالمية الثانية، وخاصة أن قطارا مجهولا ولا يحمل عنوانا، نقل اللاجئين المسلمين الأسبوع الماضي إلى بيسكي، وظن الركاب الذين يحملون تذاكر إلى ميونيخ أنهم في طريقهم إلى ألمانيا عندما توقف القطار فجأة في القرية المجرية بيسكي، التي تحتوي على مركز للمهاجرين تحرسه الشرطة”.

ويؤكد الكاتب في مقاله، الذي ترجمته “عربي21″، أن “لا شيء يشبه 1944، بل كان رجال الشرطة يوزعون الماء على اللاجئين، وآخر ما يريده المجريون هو إرسال المسلمين إلى ألمانيا، ولكنهم لا يريدونهم في المجر أيضا”.

ويجد فيسك أن “علينا أن نشكر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي أوضح لنا أن (هؤلاء الناس الذي يصلون نشأوا على ديانة أخرى، ويمثلون ثقافة مختلفة تماما، ومعظمهم ليسوا مسيحيين بل هم مسلمون)، فالرجل ليس سياسيا فقط، بل هو مؤرخ اجتماعي. ومع أني أقر أن الأوروبيين الشرقيين يتعاملون مع الدين بجدية أكثر من الأوروبيين الغربيين، إلا أن هناك مبالغة في الحديث عن (الثقافة) المسيحية. فكما كتب أوربان في صحيفة فرانكفورتر الجمين: (هذه مسألة مهمة؛ لأن أوروبا والهوية الأوروبية جذورها مسيحية). فعلى أوروبا أن تتذكر ذلك. وأرجو أن تسامحوني بأن أذكر أن الكنيسة الكاثوليكية في المجر كانت من بين الأكثر عدوانية للسامية في أوروبا قبل هتلر بكثير”.

ويشير الكاتب إلى أنه “في عام 1919 مثلا قال أسقف شيكزفيهرفر، أوتاكار بروهاشكا، للناس إنه (من المهم ملاحظة أن اليهود يأكلوننا، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا من وباء بق الفراش هذا)، وأضاف أن (اليهودية هي قوة أجنبية لقمع المسيحية). وعندما أمر آيخمان بترحيل اليهود المجريين كان اهتمام قيادات الكاثوليك في بودابيست منصبا على حماية اليهود المتحولين إلى المسيحية، أكثر من الاهتمام بإنقاذ حياة اليهود غير المتحولين. ولم يتحركوا بشكل جدي ضد النازيين، إلا بعد مناشدات من البابا والرئيس روزفيلت والملك السويدي غوستاف الخامس. وأضيف أيضا أن شيكزفيهرفر هي أيضا مسقط رأس فيكتور أوربان”.

ويورد فيسك أنه “مثل البوسنة وصربيا، فإن المجر كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية، ولطالما نظر (الوطنيون) المجريون إلى الحقبة التركية ببغض شديد. وكتب الروائي اليوغسلافي أيفو أندريك في رسالة الدكتوراة عن كيف أدى المسلمون المتحولون في البوسنة دور الإسفين بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأورثوذوكسية. وتظهر إحصائية عام 2011 أن عدد المسلمين الذين يعيشون في المجر هو 5579 شخصا، أي أنهم يشكلون نسبة 0.056% من مجموع السكان. وحتى لو استوعبت المجر نسبة من اللاجئين الذين يمرون من أرضها اليوم، فماذا ستكون نسبة نمو المسلمين هناك، 3% أم 4%؟”.

ويقول الكاتب: “إذا أخذنا بعين الاعتبار كيف تصرف أمراء الكنيسة المجرية في النصف الأول من القرن الماضي، فلا أدري أي ثقافة مسيحية يريد أوربان حمايتها. وقد يكون الجواب في تقرير المجلس الأوروبي، الذي أشار إلى انتشار العداء للسامية، وأشار إلى أن صحافيا يحمل آراء عنصرية تم تكريمه من حكومة أوربان. و تشير المظاهرات المؤيدة للاجئين في المجر إلى أن أوربان مثل باقي القيادات الأوروبية لا يمثل شعبه”.

ويستدرك فيسك متسائلا: “هل هناك مشكلة خاصة بشرق ووسط أوروبا ممثلة بالمجر، ولا أحد يستطيع نقاشها؟ الدرجة التي شعرنا بها في وقتها بأن الإخضاع الذي وقعت تحته تلك البلدان من الاتحاد السوفييتي كان عقوبة مستحقة لتاريخها الفاشي. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي سارعنا إلى استقبالهم في الاتحاد الأوروبي؛ ربما لشعورنا بخذلانهم عندما تركنا موسكو تتحكم بهم بعد الحرب العالمية الثانية”.

ويلفت الكاتب إلى أنه “كما تعاملنا بالأسلوب ذاته مع النمسا، التي لم تعاني سوى من فترة قصيرة من الاحتلال السوفييتي الجزئي؛ لأنها أطلقت على نفسها (أول ضحايا هتلر)، بعد أن قامت ألمانيا بضمها عام 1938، ونسينا أن المشاعر التي ظهرت ضد اليهود بعد وصول الفوهرر إلى فينا كانت عنيفة، لدرجة أن اليهود الهاربين من النمسا وجدوا أن حياتهم في خطر أقل في برلين النازية منها في النمسا”.

ويختم فيسك مقاله بالقول: “مثل إيطاليا، التي تخلصت من موسيليني قبل نهاية الحرب، لم تتم إعادة البناء السياسي لتلك الدول بعد خروجها من جمود الحرب الباردة. ولطالما اعتقدت بأننا تسرعنا في فتح أذرعنا لهم،  ولكن قلنا لأنفسنا إنهم دفعوا ثمنا غاليا، وأي جائزة لصبرهم أثمن من عضوية الاتحاد الأوروبي؟ والآن بدأنا نكتشف شكل دولة المجر كما يكتشفها اللاجئون المسلمون من الشرق الأوسط”.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد