لم يوجد بعد الفيلم المُشبِع الذي يتناول وجود حياة خارج كوكب الأرض، وحتى بعد مئات الأفلام التي تناولت اتصال الإنسان بالكائنات الفضائية، وحتى بعد كل أعمال العمالقة «سبيلبيرج» و«ستانلي كوبريك» و«ريدلي سكوت»، لا يزال عُشاق السينما، وخاصة الخيال العلمي، يشعرون بالجوع الشديد.

من شاهد فيلم «برومثيوس» لريدلي سكوت، وأصيب بالإحباط، سيدرك ما أعنيه؛ فلا يبدو أن كل ما في جعبة هؤلاء المبدعين ليس سوى «المزيد من الأسئلة»، و«المزيد من الحيرة»، و«المزيد من الأنفاق المسدودة».

الوصول

فيلم الفضائيين الجديد «وصول – Arrival» للمخرج الكندي «دينيس فيلينوف»، الذي أخرج فيلم «Sicario» العام الماضي. و«الوصول»، أحد الأفلام التي انتظرها محبو أفلام الخيال العلمي بشدة، وخاصة بعد صدور إعلان الفيلم، في منتصف أُغسطس (آب) الماضي، حيث مركبات فضائية في شكل تجريدي جديد، وليس كما اعتدنا في باقي أفلام الفضائيين. تظهر هذه المركبات في السماء، في عدة أماكن حول العالم في نفس الوقت.

تستدعي الولايات المتحدة الأمريكية، عالمة لغات، وعالم فيزياء؛ بُغية التواصل مع الغرباء عقب وصولهم مُباشرة. تفاصيل «التيلر» (الإعلان الدعائي) تمضي، فنعلم أن عالمة اللغات تستطيع استنباط ما يشبه أبجدية يستخدمها الغرباء في التواصل مع البشر.

وجود ممثلة جادة ووقورة مثل «إيمي آدامز»، في دور جاد شديد التخصص كعالمة لغات، أعطي الفيلم ثقلًا إضافيًا، فعلى ما يبدو، فإن «إيمي» لا تمزح، وعندما قدمت دور «لويز لين» في الجزئين الأخيرين من أفلام سوبر مان، حولت الشخصية تمامًا من الصحافية الحسناء ضعيفة الجناح، إلى تلك المرأة الناضجة، الحاسمة، التي يستمد منها سوبر مان، «كلارك كنت»، قوته.

لكن جدية «آدامز» ليست كافية لسد جوع المشاهدين المهتمين؛ فعلى ما يبدو كان وجود إيمي في الفيلم خادعًا، مثلمًا كان وجود الممثل الوسيم «جيرمي رينر».

ولـ«رينر» سر خاص، فهو يُضيف إلى أي عمل سينمائي مذاقًا خاصًا، مُشبع، سواء أدى دورًا رئيسًا أو ثانويًا، ويُمكن رُؤية ذلك في أدواره شديدة الاتقان، في أفلام «The Town» أمام «بين أفليك»، وفيلم «American Hustle» أمام «كريستيان بال»، ودوره في الفيلم الحائز على الأوسكار «The Hurt Locker».

ووفقًا لما صرّحت به إيمي آدمز في مقابلة صحافية، فقد لعب «رينر» فيلم Arrival، دورًا في الكثير من المخاطرة؛ إذ كان الضور مُسلطًا طوال الوقت على شخصية إيمي الرئيسة، بينما ظل رينر في الخلفية، يظهر ما بين الحين والآخر؛ ليدعمها ببراعة، ويُضفي البهار على طبخة الفيلم، عبر أدائه الجسدي، أكثر من اللفظي، وعبر لغة الانفعالات والأحاسيس، التي كانت تموج بها ملامح وجهة، وتنعكس من خلال عينيه الواسعتين الرماديتين.

كثير من الملح.. كثير من الجوع!

يمضي فيلم Arrival من خلال قصتين متوازيتين، قصة الأم المكلومة «لويس بانكس» (إيمي آدمز)، التي تربطها علاقة قوية بابنتها الصغيرة «هاناه»، المليئة بالحيوية والبراءة، الفتاة التي لا تتوقف عن الرسم واللعب، وطرح الأسئلة، تعيش مع أمها -أعني تعيش مع والدتها- بعد أن تركهما والدها، ولا يمضي الكثير من الوقت، حتى تُصاب بمرض لا علاج منه، وتقضي نحبها بين يدي أمها.

وهناك قصة العالمة، حادة المزاج، حزينة العينين، «لويس بانكس»، التي تعطي كل وقتها بجدية وصرامة لمحاضراتها في الجامعة وبحوثها وكتبها في مجال اللغات، حتى يأتيها تحدٍ كبير من السماء: تظهر المركبات الفضائية الضخمة فجأة في 12 مكانًا مختلفًا حول العالم، وعلى ارتفاع 500 متر فقط من سطح الأرض، والمركبات على شكل «لوزة منحوتة» بدقة ونعومة، تظهر في الفضاء كفقاعة ناقصة، لها شكلها «السريالي»، وكأنها تنتمي للوحة من لوحات «سلفادور دالي».

Arrival

المركبات الفضائية في فيلم Arrival (المصدر: wordlesstech)


يستدعيها كولونيل في الجيش الأمريكي (يُؤدي دوره فورست ويتكر)، هي وعالم الفيزياء؛ ليقودا فريقين سيقومان بالاتصال بالكائنات الفضائية الموجودة داخل المركبات، وسيكون هدفهما الرئيس هو الإجابة على سؤال «ما هو هدف هذه الزيارة الفضائية؟» وبالطبع، السؤال محمل بأجندة أمنية واضحة: هل الزيارة سلمية؟ هل على القوة العسكرية التدخل لحماية الأرضيين؟ هل من المحتمل تعرض الأرض لغزو أو خطر؟ يدفع الكولونيل ويبر العالمين من أجل الحصول على أجوبة بأسرع وقت ممكن، ويضع تحت تصرفهما كافة الإمكانات.

ينتقل العالمان إلى قاعدة عسكرية مصغرة أنشئت على عجل إلى جانب موقع طفو مركبة الفضاء، يفهمان أن المركبة بها باب يفتح مرة كل 18 ساعة، ويفهمنا من ذلك أنها دعوة للبشر للدخول والتواصل مع الكائنات الفضائية.

يتم تجهيز بانكس ودونلي، وإعطائهم جرعات قوية من مضادات الجراثيم والفيروسات ضد أية عدوى فضائية محتملة، يتم إلباسهم «بدل» خاصة شبيهة بأزياء رواد الفضاء، وتنقلهما قافلة عسكرية صغيرة إلى نقطة تقع أسفل المركبة مباشرة. يدق قلب بانكس، وهي على ظهر رافعة تنقلها مع دونلي وباقي الطاقم المساعد ليقطعا مسافة 500 متر التي تفصلهما عن المركبة، بضع ثوانٍ تفصلها عن مواجهة إجابة السؤال الذي سأله الإنسان لنفسه كثيرًا عبر التاريخ.

«هل نحن بمفردنا؟»، هذا السؤال الذي تحاول أفلام البحث عن كائنات حية ذكية غير البشر في الكون الإجابة عنه، يتماس مع الأسئلة الوجودية ذات الأبعاد الروحانية الأخرى، ومن هنا قد تنطلق كثير من القلوب المعلقة بأفلام الخيال العلمي.

يدق قلب بانكس، وتتجمد أطرافها تمامًا وهي في حضرة المركبة الفضائية المهيبة، تكتشف أن قوانين الفيزياء بالداخل تعمل بشكل مختلف، وكأنهم قد دخلوا للتو نفقًا ملتويًا في الزمان والمكان، يجرها الكولونيل ويبر، فتجد نفسها تسبح في الفضاء في تحدي للجاذبية الأرضية، وتطير إلى داخل المركبة في شكل أفقي. والآن، تقف هي والآخرون، وأقدامهم على حائط المركبة، وليس على أرضيتها.

في نهاية ردهة قصيرة بالمركبة الفضائية تجد بانكس نفسها أمام ما يبدو كشاشة بيضاء مستطيلة وكبيرة بعرض الحائط وارتفاعه، تفهم بعد قليل أن تلك ليست شاشة بالمعنى المفهوم، وإنما حجاب بينها وبين الكائنات الفضائية، التي تبدو ظلالها في الظهور رويدًا رويدًا على الشاشة، وهي تقترب من وراء الحاجب.

يظهر زوج من الكائنات أخيرًا بشكل ضبابي، ليست كائنات وحشية حادة الأسنان، مثل التي تخيلها ريدلي سكوت في فيلم Alien، ولا كائنات تقترب في شكلها من كائنات بشرية مرمرية (كتماثيل إغريقية ضخمة)، كما تخيلها سكوت أيضًا في Prometheus، وليست كائنات زرقاء بذيول طويلة مثلما قدمها جيمس كاميرون في Avatar، ولا كائنات ضئيلة خضراء برؤوس بيضاوية ضخمة وحدقات سوداء واسعة، كالشكل الهوليوودي التقليدي، وإنما عمالقة لا تبدو رؤوسهم من وراء الحجاب، وإنما يبدو فقط نصفهم الأسفل والمكون من سبعة أطراف (أرجل وأذرع). يطلق عليهم دونلي بحسه الفكاهي «Heptapods»، نسبة لرقم سبعة هيبتا باليونانية.

تميد الأرض من تحت قدمي بانكس وتسقط فاقدة الوعي، على ما يبدو اقتربت كثيرًا، ولم تستطع روحها الرهِيفَة استيعاب ذلك الحضور المهيب.

وخلال الأيام القليلة التالية تعود بانكس بصحبة دونلي مرات عديدة إلى المركبة الفضائية، وتبدأ في مهمتها للتواصل مع الكائنات التي تكتشف أنها تسمع وترى وتصدر أصواتًا، عميقة وعالية كصوت صادر من حوت عملاق في أعماق المحيط، وتفشل تمامًا في فهم طبيعة اللغة المسموعة الخاصة بالكائنات، فتلجأ إلى محاولة الاستعانة باللغة المكتوبة.

تحمل لوحًا كبيرًا وتكتب عليه بالإنجليزية كلمة «Human»، مُشيرة إلى نفسها وإلى دونلي، وهي تصيح «نحن بشر.. نحن بشر»، تكررها وهي تكرر الإشارة بيدها إلى نفسها وإلى دونلي، ثُم تُشير إليهم مُتسائلة «من أنتم؟»

تأتيها الإجابة على الفور؛ إذ يرفع واحد من منهم أحد أذرعته الشبيهة بأذرع الأخطبوط، ويطلق منها حبرًا في الهواء يتشكل على هيئة دائرة مخشنة الحواف وكأنها تحمل بعض الرموز. تدرك بانكس أنها قد حصلت على أول كلمة مكتوبة من جنس «الهيبتابودس»، وتخبر الكولنيل بأن الطريقة الوحيدة المتاحة لديهم للتواصل مع هذه الكائنات هي تعلم لغتهم المكتوبة.

Arrival

وخلال أسابيع تستطيع عالمة اللغات مع عالم الفيزياء وفريقهما، بالتنسيق مع 11 فريقًا آخر من كل الدول التي حطت فيها مركبات الكائنات الفضائية، يعملون على مدار الساعة من خلال شبكة «Video Conference»، يستطيعون فك شفرة ما يكفي من لغة الهيبتابودس؛ ليسألوا السؤال الذي تلح الحكومات والجهات العسكرية على معرفة إجابته في أسرع وقت «ما غرض زيارتكم؟»

وهنا ينقلب مسار القصة تمامًا؛ لأن إجابة الكائنات الفضائية جاءت صادمة للجميع، وهي «استخدموا السلاح»! تتسرب المعلومة لوسائل الإعلام، فتحدث حالة من الهياج العام، على أساس أن الكائنات الفضائية تحرض البشر على استخدام السلاح ضد بعضهم البعض.

تؤكد بانكس للكولونيل ويبر، أن عبارة الكائنات الفضائية قد تحمل معنى آخر، وأنهم لا يزالون في مرحلة أوليّة لفهم اللغة الفضائية، وأن كلمة سلاح قد يكون المقصود بها معنى آخر كآداة أو وسيلة، لكن ويبر يقع تحت ضغط من الحكومة والجيش لاتخاذ أي اجراءات احترازية ضد نوايا عدوانية محتملة تكنها تلك الكائنات. وتفعل باقي الدول الأخرى نفس الشيء.

وبدلًا من أن يكون هناك مزيد من التنسيق بين الدول، حدث انقسام ما بين دول ترى ضرورة مهاجمة الكائنات الفضائية وطرد سفنها، وبين دول ترغب في مزيد من الوقت للتفاهم والتواصل. ولا يمضى وقت طويل حتى تظلم تمامًا جميع شاشات شبكة «Video Conference»، وتنسحب كل الدول ولا ترغب في مشاركة معلوماتها، في إشارة إلى التصرف البشري الأناني.

يزيد الأمر تعقيدًا حينما تقوم مجموعة منشقة من الجنود الأمريكيين المتأثرين بتعبئة الإعلام ضد الحكومة والجيش، المتهمين بالتقصير في حق حماية الشعب الأمريكي؛ بمحاولة تفجير المركبة الفضائية، والتي على إثرها يصاب أحد كائني الهيبتابوتس بإصابات بالغة، ويصبح على وشك الموت.

يمضي باقي الفيلم مع محاولة بانكس ودونلي لتصحيح الوضع، والتصالح مع الكائن الناجي من الانفجار، ومحاولة فهم رسالته السابقة التي أدت إلى المشكلة.

في لحظة تجد بانكس نفسها وقد جذبها الكائن وراء الشاشة؛ لتراه وجهًا لوجه، وفيما يشبه التخاطر، وفي حالة بين الحلم والاستيقاظ، تفهم بانكس أن الكائنات الفضائية في حاجة لمساعدة البشر، وترى ابنتها هاناه وهي ترسم، ويبدو في أحد رسومها شكل يقترب من شكل الهيبتابودس.

تعود عالمة اللغات إلى القاعدة العسكرية وهي تحاول استيعاب ما حدث، محاولةً التفكير في كيفية جمع العلماء مرة اُخرة، وكيفية وقف الحملة العسكرية التي تقودها الصين وروسيا على الكائنات الفضائية.

يبدو الفيلم غريبًا عما اعتدنا عليه من أفلام الكائنات الفضائية، التي اعتدنا أنها إما أنها تأتي للأرض محتلة، أو لمساعدة الجنس البشري، على عكس ما حدث في فيلم Arrival، حيث الكائنات الفضائية هي التي تُريد المساعدة من البشر.

يُثير الفيلم في النفس مشاعر كثيفة ومتناقضة، لكنه أيضًا لم يُجب على أسئلة: من أين نشأت هذه الكائنات؟ ومن أين جاءت؟ وكيف استطاعت اختراق سرعة الضوء؟ وهل يوجد أكوان غير الكون المنظور الذي نعيش فيه؟ وهل هناك كائنات تستطيع التعامل مع الزمن بشكل لا- خطي وتستطيع أن ترى المستقبل والماضي كما نرى نحن الحاضر فقط؟

ربما تكون الإجابة على هذه الإسئلة هي دور العلم، وليس الشرائط السينمائية، لكن أعمالًا مثل «Interstellar» جعلت هذا الفارق بين العلم والإبداع ضئيلًا جدًا. في فيلم «كريستوفر نولان» تم لأول مرة في التاريخ عمل نموذج بصري واقعي للثقوب السودءا بالتعاون مع فريق من العلماء، نال عنه الفيلم شهادة علمية!

وبعد فيلم Arrival، لا تزال الأسئلة الوجودية نفسها مُثارة؛ ما يعني أن الفيلم غالبًا لم يُقدّم الوجبة الدسمة الكافية لشعور عشاق الخيال العلمي بالشبع.

عرض التعليقات
تحميل المزيد