يُمثل انتصاف الليل “ساعة الصفر” لدى الصيادين في قطاع غزة، للانطلاق في رحلةِ رزقٍ نتائجها مجهولة على كل الأصعدة.

في عيونهم تقرأ خلف نظراتهم حكاية أملٍ برزقٍ يسدُ الرمق ويأوي البدن، وألف مشهد وحدث آلم قلوبهم حينًا وأسعدها في عرض البحر وبر الشاطئ حينًا آخر، إما مطاردة واعتقال أو نجاة من موتٍ قريب أو فوزٍ بنوعٍ فاخر من السمك يُدر ربحًا وفيرًا.

يُخرجون_صيدهم_من_البحر.jpg (1000×655)

يُخرجون صيدهم من البحر

أميال محدودة ومطاردة مستمرة

بين كرِّ وفرِّ يجوب “نهاد رجب” البحر في حدود الستة أميال المسموح بالصيد فيها، فتارة يسلم وأخرى يُعتقل ويتعرض لألوان مختلفة من الانتهاكات على يد جنود الزوارق البحرية الإسرائيلية.

نهاد_رجب__فقرة_1.jpg (1024×558)

نهاد رجب

يقول: “حُرمنا البحر وحرمنا الوصول لأكثر من ثلاثِة أميال بحرية، كان كل الصيادين يركبون ذات المسافة فقُدر علينا الرزق بنسبة 70%، كنا نأكل إذا حظينا بصيد وإلا نستدين لنأكل”، ويُشير إلى أنه مع استمرار الاحتلال في معاقبة الصيادين بالمطاردة في عرض البحر والاعتقال وإطلاق الرصاص؛ التزم عدد كبير منهم بيوتهم وباتوا مُعطلين عن العمل.

ويُقدر “نزار عيّاش”، نقيب الصيادين في محافظات غزة، عدد الصيادين في قطاع غزة بأربعة آلاف صياد، 90% منهم تحت خط الفقر.

بيع ضئيل

يجلس “موسى الرشيدي” – 47 عامًا – أمام دكانه الصغير، يُلاطف المتسوقين الآمّين سوق السمك – على قلة عددهم – ويُحاول جاهدًا أن يجذب أحدهم بمناداته على أنواعٍ مختلفة من السمك الخارج لتوه من البحر؛ لكنه لا يفلح فيعود إلى كرسيّه عاقدًا حاجبيه ويبدأ ينفث دخان سيجارته.

موسى_الرشيدي.jpg (783×768)

موسى الرشيدي

يقول “الرشيدي” بامتعاض: “ليست تلك المرة الأولى التي أفشل فيها في إقناع المتسوقين بالشراء، فالمشهد تكرر كثيرًا خلال العامين الماضيين”، عازيًا ذلك إلى تذبذب الحالة المادية التي يُعانيها مواطنو القطاع جراء تأخر الرواتب حينًا، وانعدامها حينًا آخر بسبب التعطل عن العمل.

ويلفت “الرشيدي” النظر إلى أن شُح البيع ينعكس على إيفائه بالتزاماته المالية لدكانه الصغير، مؤكدًا أنه اضطر مؤخرًا إلى الاستغناء عن خدمات بعض العاملين لديه لعدم قدرته على توفير أجرتهم اليومية، ويخشى الرجل أن يضطر لاحقًا إلى إغلاق دكانه إن بقيّت حركة السوق على حالها بلا صيدٍ ولا بيع.

سولار شحيح وتكاليف باهظة

ثلاثة أيام كان يقضيها “أشرف الهسي” – 38 عامًا-  بين المخاطرة والأمل على متن مركب “فيكتوريا”، ليعود بعدها برزقٍ وفير من السمك يبيعه ليُطعم أبناءه الثمانية، لكنه ما عاد يفعل؟!

أشرف_الهسي_2.jpg (768×1024)

أشرف الهسي

لقد توقفت “فيكتوريا” عن العمل بحلول يوليو الماضي، والأسباب – كما يرويها الهسي- حالة الشُح في “السولار المصري” المُهرب عبر الأنفاق الحدودية مع قطاع غزة، ناهيك عن ارتفاع نظيره الإسرائيلي الذي يدخل القطاع من خلال المعابر الرسمية، مما دفع كثيرًا من الصيادين إلى إيقاف مراكبهم في ظل عدم قدرتهم على شراء السولار الإسرائيلي باهظ الثمن.

يقول: “تحتاج “فيكتوريا” – وهي مركب كبير تجر خلفها قوارب صغيرة لرمي الغزل كل ثلاث ساعات – إلى 900 لتر من السولار في الرحلة الواحدة، ويُضيف أن تكلفتها لم تكن تتجاوز 2000 شيكل حين كان يتوفر السولار المصري عبر الأنفاق، لافتًا إلى أن انخفاض التكاليف كان يُحفز الصياد على المُخاطرة وركوب البحر بحثًا عن الرزق في بطنه، متحديًا مضايقات الاحتلال الإسرائيلي من مطاردة وتحديد أميال الإبحار المسموح بها، يصمت ثم يستدرك قائلًا: “لكن الآن لا يُمكن المخاطرة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل إلى 5400 شيكل وفقًا لارتفاع سعر الوقود الإسرائيلي، الكثير من الصيادين توقفوا عن العمل وباتت أوضاعهم المعيشية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم”.

ضرائب

يتردد “عمر محمد عيّاش” – 41 عامًا – على مدير مكتب وزير النقل والمواصلات بغزة كل حين، علّه يجد توصية من الوزير بإعفائه من رسوم رخصة الإبحار المتراكمة عليه، أو تخفيض ضريبة تغيير مُحرك مركبه الصغير، لكن دون جدوى!

نزار_عيّاش_رئيس_نقابة_الصيادين.jpg (1024×684)

نزار عيّاش رئيس نقابة الصيادين.

يتساءل “عيّاش” بمرارة: “كيف يمكن للصيادين دفع الضريبة في ظل حالة الفقر والبطالة التي يُعانونها؟!”، داعيًا الحكومة إلى النظر بعين الرحمة لأوضاعهم والكف عن تحميلهم أعباء أزماتها المالية.

وتُلزم وزارة النقل والمواصلات في غزة كل صيّاد يملك مركبًا صغيرًا ويُتقن مهنة الصيد أن يحصل على رخصة إبحار مقابل دفع (70 – 80 شيكل) سنويًّا، كما تفرض ضريبة على محركات مراكب الصيد في حال استبدال القديمة بأخرى حديثة، وتتراوح بين (400 – 600 شيكل) وفقًا لقوة المحرك، ويجد العديد من الصيادين صعوبة في الالتزام بدفع الضرائب في ظل أوضاعهم الاقتصادية الصعبة.

من جانبه يُؤكد “نزار عيّاش”، نقيب الصيادين في محافظات غزة، أن النقابة تواصلت مع الوزارة المعنية وتمكنت من إبرام اتفاق يقضي بمنح الصيادين “فترة سماح” مدتها أربعة أشهر انتهت في ديسمبر الماضي، يستطيعون خلالها الترخيص برسوم رمزية، وأضاف أنه بعد انتهاء مدة السماح، ومع استمرار تذمر الصيادين وعدم علم عدد كبير منهم بفترة السماح، تدرس النقابة تمديدها لشهرين آخرين، داعية كل الصيادين لاستثمارها والحصول على التراخيص اللازمة للإبحار.

رسائل البحر

رغم صعوبة التفاهم أحيانًا مع أمواج البحر العاصفة، إلا أن الصيادين يُجيدون ترويضها ليرسلوا عبرها رسائل بسيطة ومتنوعة، تحمل طابع المعاناة، وتتزين بالأمل.

صيادين_يفرغون_شباكهم.jpg (1024×520)

صيادين يفرغون شباكهم.

فيطمح الصياد “الهسي” بانخفاض أسعار السولار اللازم لتشغيل مركبه ليجوب البحر كل يوم مستخرجًا رزقه من جوفه، فيما يأمل “موسى” بفتح البحر لمسافة عشرين ميلًا ليتمكن من اصطياد أنواع مختلفة وبكميات كبيرة تُتاح بين أيدي الناس بأسعار تناسب إمكانياتهم البسيطة.

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد