أحمد طلب

20

أحمد طلب

20

987

«مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد»، بعد أن ضرب إعصار هارفي الساحل الأمريكي برياح عاتية بلغت سرعتها 209 كلم/ساعة، وهو أقوى إعصار يجتاح ولاية تكساس منذ أكثر من 50 عامًا، في كارثة طبيعية كبيرة تشكل مصيبة على الاقتصاد الأمريكي، كانت أسواق النفط العالمية تنتظر الفوائد من هذه الكارثة، إذ اعتادت أسواق النفط على جني الأرباح دائمًا مع الكوارث، واشتعال التوترات والصراعات السياسية، ولكن لم تأتِ الفوائد سريعًا كما كانت تشير التوقعات، إذ تأرجحت أسعار النفط صعودًا وهبوطًا، منذ بداية إعصار هارفي، في الوقت الذي كان فيه التأثير الكبير على مشتقات النفط من بنزين وديزيل.

إلا أن النفط الخام تراجع الخميس السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، بفعل مخاوف من تعطل شحنات النفط من وإلى الولايات المتحدة بسبب الإعصار إرما في منطقة الكاريبي، وبالرغم من التراجع، إلا أن الأسعار تلقت دعمًا من زيادة الطلب في الولايات المتحدة، بعد استئناف المصافي في ساحل الخليج العمل بعد الإعصار هارفي الذي ضرب المنطقة قبل أقل من أسبوعين، إذ انخفض خام غرب تكساس الوسيط 14 سنتا إلى 49.02 دولارًا للبرميل لكنه ما زال بالقرب من أعلى مستوى في أكثر من ثلاثة أسابيع بلغه في الجلسة السابقة، بينما تراجع خام برنت في العقود الآجلة 26 سنتا إلى 53.94 دولارًا للبرميل على الرغم من أنه ما زال قريبًا من المستويات المرتفعة التي بلغها في مايو (أيار) الماضي.

وحتى الأربعاء الماضي كان نحو 3.8 مليون برميل من الطاقة الإنتاجية اليومية للمصافي أو نحو 20% معطلة على الرغم من أن مجموعة من المصافي وكذلك موانئ تداول النفط بدأت تستأنف العمل، وذلك بعد أن عطل الإعصار نحو 25% من إنتاج النفط الأمريكي في خليج المكسيك، وذلك بحسب ما قال مكتب السلامة والبيئة في الولايات المتحدة بنهاية أغسطس (آب)، إذ تمثل هذه النسبة نحو 428 ألف برميل يوميًا من إجمالي 1.75 مليون برميل نفط تضخ يوميًا من تلك المنطقة.

«الحصول على الصورة كاملة سيستغرق أسابيع»، هكذا يقول المحللون، ولكن يتساءل البعض لماذا لم تقفز أسعار النفط بقوة بالرغم من التأثير الكبير على الطلب على الخام؟، وفي الواقع تكمن الإجابة في أن تخمة المعروض أو زيادة إنتاج النفط العالمي، التي هي سبب تراجع أسعاره عالميًا هي السبب الرئيسي وراء هذا التأثير الطفيف، فلو حدث هذا الإعصار قبل سنوات قليلة لوجدنا قفزة قوية بأسعار النفط، ولكن الآن عوضت تخمة المعروض هذه الأزمة، بل إن الزيادة في المعروض أكبر مما سيخسره السوق الأمريكي جراء الإعصار.

البيانات الصادرة عن معهد البترول الأمريكي، الأربعاء السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري، أظهرت أن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة سجلت زيادة أقل من المتوقع الأسبوع الماضي، في حين انخفضت كل من مخزونات البنزين والمشتقات الوسيطة، إذ زادت مخزونات الخام بمقدار 2.8 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في أول سبتمبر (أيلول) لتصل إلى 462.7 مليون برميل في حين كانت توقعات المحللين تشير إلى زيادة قدرها أربعة ملايين برميل، بينما أشارت البيانات إلى أن استهلاك مصافي التكرير من النفط الخام انخفض بمقدار 2.1 مليون برميل يوميًا، وهي نسبة بالطبع كبيرة جدًا، إلا أن هذا الانخفاض لم ينسحب إلى واردات الولايات المتحدة من النفط الخام الأسبوع الماضي، التي تراجعت بواقع 297 ألف برميل فقط إلى 7.2 مليون برميل يوميًا، وهو ما يبرر استقرار أسعار النفط.

على كلٍ، تتركز الأنظار الآن على الإعصار إرما، الذي جرى تصنيفه بوصفه عاصفةً من الفئة الخامسة ويتجه نحو الكاريبي وفلوريدا وقد يعطل مصافي أخرى ويسبب مزيدًا من نقص الوقود، إذ تظهر بيانات منصة تومسون رويترز إيكون أن نحو 250 ألف برميل من الطاقة التكريرية اليومية في جمهورية الدومنيكان وكوبا تقع في المسار المباشر لإرما.

كيف استفاد النفط من كارثة «هارفي»؟

عمومًا رغم التأثير الطفيف لهذا الإعصار الذي يصنف باعتباره كارثة طبيعية، فإنه قاد التوقعات ولأول مرة في ستة أشهر صوب صعود أسعار النفط، وهو الأمر الذي فشلت فيه «أوبك» بالآونة الأخيرة، إذ أظهر استطلاع أجرته «رويترز» أن انخفاضًا متسارعًا في مخزونات الخام العالمية وتوقعات بارتفاع نمو الطلب العالمي دفع المحللين لتعديل توقعاتهم لأسعار خام برنت صعودًا لأول مرة في ستة أشهر.

وتوقع الاستطلاع الشهري الذي شمل 33 محللاً وخبيرًا اقتصاديًا أن يصل متوسط سعر خام برنت إلى 52.53 دولارًا للبرميل في 2017، بما يزيد قليلاً عن تقديرات الشهر الماضي البالغة 52.45 دولار للبرميل، وحتى يوليو (تموز) الماضي، كان المحللون يخفضون توقعاتهم للأسعار كل شهر منذ فبراير (شباط)، جاءت هذه التوقعات بعد أن أظهرت بيانات من معهد البترول الأمريكي تراجع مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة آخر أسبوع بأغسطس (آب)، عندما انخفضت مخزونات الخام 5.780 مليون برميل.

ولم تقتصر توقعات الارتفاع على المحللين فقط، إذ توقع وزير النفط الكويتي عصام المرزوق، أن تستقر أسعار النفط لخام برنت بين 50 و55 دولارًا للبرميل خلال الفترة المقبلة، إلا أنه يرى أن «نتائج إعصار هارفي على أسعار النفط جاءت أقل من التوقعات مع انخفاض التكرير مقابل توقف الإنتاج مما خيب الآمال في زيادة الطلب على النفط الخام وزيادة الأسعار»، بينما يتوقع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك أن تتوازن سوق النفط بحلول الأول من أبريل (نيسان) العام القادم وفق توقعاته.

على الجانب الآخر، هناك بعض المعطيات الأخرى التي ربما تضيف ولو قليلًا من التفاؤل بسوق النفط، كان أبرزها، هو تراجع إنتاج نفط أوبك بواقع 170 ألف برميل يوميًا الشهر الماضي، بحسب مسح أجرته «رويترز»، لينزل عن أعلى مستوى لعام 2017 مع هبوط إمدادات ليبيا بفعل تجدد القلاقل وتحسن التزام أعضاء آخرين باتفاق تقليص الإنتاج.

وسيؤدي التراجع الليبي وتوقف الزيادات الكبيرة في نيجيريا إلى انحسار المخاوف من أن تطغى الكميات الإضافية من البلدين على التخفيضات في مناطق أخرى، إذ جاء أكبر انخفاض في الإنتاج في أغسطس (آب) من ليبيا، إذ تراجع إنتاجها إلى 900 ألف برميل يوميًا في المتوسط، حيث أدت الاضطرابات إلى إغلاق حقل الشرارة -أكبر حقول النفط في البلاد- وهو الأمر الذي يعطي آمالًا بوقف انتعاش الإمدادات النفطية مما يقوض من تخمة المعروض.

ولعل إفراج وزارة الطاقة الأمريكية عن نحو 4.5 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي بسبب تأثير الإعصار هارفي، وذلك في أول سحب من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي منذ عام 2012، يعد خبرًا سارًا للأسواق العالمية التي تعاني منذ مدة من ارتفاع المخزونات الأمريكية، حتى وإن كانت النسبة قليلة قياسًا على أن الاحتياطي البترولي الاستراتيجي يحوي مئات الملايين من براميل الخام في خزانات تحت الأرض تخضع للحراسة المشددة في لويزيانا وتكساس.

الخبر الثالث الذي يجب أن يكون مبهجًا بالنسبة لأسواق النفط، هو أحجام شركات الطاقة الأمريكية عن إضافة أي حفارات نفطية اجتياح الإعصار هارفي لمركز صناعة الطاقة في الولايات المتحدة، مما اضطر شركات الحفر لوقف الإنتاج، إذ قالت شركة بيكر هيوز لخدمات الطاقة إن إجمالي عدد منصات الحفر النفطية استقر في الأسبوع المنتهي يوم الجمعة الماضي عند 759 منصة، فيما يعد عدد الحفارات مؤشرًا مبكرًا على الإنتاج في المستقبل.

خسائر اقتصاد أمريكا من الكوارث

وبعيدًا عن سوق النفط، تشير النتائج إلى أن الاقتصاد الأمريكي تكبد منذ بداية العام الجاري، وحتى يوليو (تموز) الماضي أكثر من 9 مليارات دولار بسبب كوارث المناخ والطقس، بمعدل مليار دولار لكل كارثة بيئية، إذ توزعت هذه الكوارث البيئية على حالتي فيضان وحالة انجماد وستة عواصف شديدة، أدت إلى مقتل 57 شخصًا، وخلال الفترة من 2012 حتى 2016 بلغ المعدل السنوي للكوارث المناخية أكثر من عشر كوارث.

ومنذ بداية العام الحالي وحتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، بلغ عدد كوارث الطقس تسعة كوارث، لم يدرج الإعصار «هارفي» ضمنها، والذي يتوقع أن تكون له تداعيات كبيرة جدًا على الاقتصاد الأمريكي، إذ قدرت شركة «آر.إم.إس» المتخصصة في تقييم المخاطر إجمالي الخسائر الاقتصادية التي سببتها العاصفة المدارية هارفي في الولايات المتحدة ما بين 70 مليارًا و90 مليار دولار، وهو رقم يعتبر أضعاف ما خسرته أمريكا منذ بداية العام بسبب الكوارث.

وقالت الشركة في تقديرات أولية إن غالبية تلك الخسائر لن تغطيها شركات التأمين، نظرًا لأن تأمين القطاع الخاص ضد السيول محدود، بينما يتوقع بعض المحللين في وول ستريت وصول الخسائر المؤمن عليها جراء العاصفة إلى نحو 20 مليار دولار.

من جانبهم، قدر محللون ألمان الخسائر الاقتصادية في تكساس جراء الإعصار هارفي بنحو 58 مليار دولار، ليكون «هارفي» تاسع الكوارث الطبيعية من حيث التكلفة منذ 1900، بحسب مركز إدارة الكوارث وتكنولوجيا خفض المخاطر «سيديم»، في كارلسروه في ألمانيا، ولا يزال التباين يسيطر على أرقام حصر الخسائر، إذ أشارت التقديرات الأولية لشركة التأمين الألمانية الكبيرة «هانوفر ري» إلى 3 مليارات دولار، بينما قدرت «جي.بي مورجان» للخدمات المالية والمصرفية التكلفة على قطاع التأمين بين 10 و20 مليار دولار، فيما قدر مختصو «إنكي القابضة» لمخاطر الكوارث ومقرها سافانا في ولاية جورجيا التكلفة الإجمالية بأكثر من 30 مليار دولار.

إلا أن، جريج أبوت، حاكم تكساس يرى أن الولاية قد تحتاج إلى مساعدات اتحادية تتجاوز 125 مليار دولار، مشيرًا إلى أنه يجب أن تحصل المنطقة على أموال أكثر من التي أقرها الكونجرس لضحايا الإعصار كاترينا عام 2005، وربما تحتاج مراكز الأبحاث مزيدًا من الوقت لتقدير الخسائر التي يقر الجميع أنها كارثية.

الاقتصاد العالمي أمام تحدي الكوارث

لم تعد المشاكل الاقتصادية المعروفة سواء التباطؤ الاقتصادي أو التضخم والبطالة، هي التي تهدد الاقتصاد العالمي، بل إن الخسائر من الكوارث الطبيعية قد تشكل الخطر الأكبر على الاقتصاد العالمي في العصر الحديث، ووفقًا لدراسة صادرة عن شركة سويس ري لإعادة التأمين فإن الكوارث كلفت شركات التأمين 54 مليار دولار في عام 2016، وذلك ارتفاعًا من 37 مليارًا في عام 2015، ونجم عنها إجمالي خسائر اقتصادية بقيمة 175 مليار دولار، فيما كشفت الدراسة عن أن الكوارث الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان أودت بحياة 11 ألف شخص في العام الماضي.

من جانبه أشار البنك الدولي إلى أن الكوارث الطبيعية تسببت بخسائر قيمتها 520 مليار دولار سنويًا، وتدفع نحو 26 مليون شخص إلى الفقر كل عام، وذكر التقرير أن هذه الأرقام سترتفع خلال العقود المقبلة لأن تغير المناخ سيضاعف القوة التدميرية للإعصارات والفيضانات وموجات الجفاف، بينما قدرت دراسة للأمم المتحدة إجمالي الخسائر العالمية من الأصول نتيجة الكوارث الطبيعية في 117 دولة بنحو 327 مليار دولار سنويًا.

على الجانب الآخر، وعلى مستوى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قالت وكالة الصين الجديدة (شينخوا) نقلا عن وزارة الشؤون المدنية أن قيمة الأضرار الاقتصادية المباشرة للكوارث في الصين بلغت 298 مليار يوان (44.63 مليار دولار) هذا العام ودمرت الكوارث نحو 400 ألف منزل وشردت نحو 6.24 مليون شخص، وهو ما يوضح أن هذا العام سيكون صعبًا على الاقتصاد العالمي، في ظل الخسائر الضخمة التي ضربت أول وثاني اقتصادين في العالم.