لا تزال شوارع حي الشيخ جراح في مدينة القدس المحتلة، تشهد اضطرابات ومواجهات عنيفة، في محاولة من المواطنيين الفلسطينيين منع إخلاء قسري وشيك لـ500 عائلة فلسطينية تسكن الحي، وتمكين مستوطنين إسرائيليين، من منازلهم، بدعوى تنفيذ أحكام قضائية إسرائيلية تقتضي طرد العائلات الفلسطينية التي تسكن الحي الذي يحمل اسمًا عربيًا خالصًا.

ذلك الحي الذي كان ذات يوم بستانًا مليئًا بالنعيم يقع على مسافة أقل من كيلومتر واحد شمال الأسوار القديمة لمدينة القدس القديمة. ثم تحركت في أوائل القرن العشرين عائلات فلسطينية ثرية لبناء منازل حديثة في المنطقة، هربًا من الشوارع الضيقة، وصخب منازلها الضيقة في البلدة القديمة.

ومع استمرار احتجاجات الفلسطينيين الرافضين للإخلاء ومغادرة منازلهم؛ تساعد الشرطة الإسرائيلية المستوطنين، عبر الاعتقالات وإطلاق الرصاص المطاطي والقنابل الصاعقة، على الفلسطينيين.

لكن، من هو الشيخ جراح، الذي بات ملء السمع والبصر، ويتصدر اسمه حاليًّا كلمات البحث المفتاحية، على مواقع التواصل الاجتماعي؟ في السطور القادمة، نتعرف سويًا على الشيخ جراح الذي سمي الحي باسمه، كما نتعرف على قصة الحي.

من هو الشيخ جراح؟

بحسب ما ذكر في الكتب التاريخية، فإن الشيخ الجراح هو الأمير حسام الدين الحسين بن شرف الدين عيسى الجراحي أحد أمراء الملك صلاح الدين الأيوبي محرر بيت المقدس.

وتوفي الشيخ الجراحي في عام 598 هـ 1201 م، ودُفن في القدس، وبني فوق قبره زاوية (مدرسة). وفي عام 1895، بني مسجد فوق الزاوية وكتب عليه «هذا قبر الأمير حسام الدين الحسين بن عيسى الجرَّاحي رحمه الله ورحم من ترحم عليه، توفيّ إلى رحمة الله تعالى في صفر سنة 598».

ووفقًا لكتاب «المفصل في تاريخ القدس»، وكتاب «القدس العتيقة مدينة التاريخ والمقدسات»، فإن زاوية الشيخ جراح تقع على جانب طريق نابلس، ولها وقف وموظفون، وتضم مسجدًا له مئذنة، وبظاهر الزاوية من جهة القبلة توجد قبور جماعة من المجاهدين يقال إنهم من جماعة الجراحي.

ومن غير المعلوم متى ولد الشيخ الجراح، لكنه كان الطبيب الشخصي للسلطان الأيوبي صلاح الدين، واكتسب لقب جراح نسبة إلى عمله في الجراحة، واستقر هناك بعد فتح المدينة واستعادتها من الصليبيين في عام 1187.

مسجد الشيخ الجراحي

مسجد الشيخ الجراحي. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وخلال توثيق رحلته إلى القدس، كتب الشيخ عبد الغني النابلسي في كتاب «الحضرة الأنيسية في الرحلة القدسية» أنه في اليوم السادس عشر من رحلته قد وصل إلى مزار الشيخ جراح في المدرسة الجراحية، وقال إن الجراحي هو أحد أمراء صلاح الدين الأيوبي.

والمدرسة الجراحية كانت إحدى مدارس القدس القديمة، وكانت تقع داخل حي الشيخ جراح، على بعد كيلومترين من سور المدينة حسبما جاء في كتاب «المفصل في تاريخ القدس» وقد سميت المدرسة بالجراحية نسبة إلى واقفها الأمير الجراحي.

ويذكر مؤلف كتاب «المفصل في تاريخ القدس»، المؤرخ الفلسطيني عارف العارف، أن لا صحة للقول الشائع بنبوة الشيخ جراح أو صحبته للنبي كما يشيع بين أهالي القدس، ويؤكد أنه أحد رجال صلاح الدين، وقيل إنه طبيبه الخاص وشارك في معركة القدس 1187، ونال رتبة أمير.

قصة الاستيطان الإسرائيلي لحي الشيخ جراح

يحاول الإسرائيليون السيطرة على المنطقة المحيطة بالبلدة القديمة في القدس من أجل الإستراتيجية الاستيطانية الكبرى (الحوض المقدس) والتي تضم عددًا من الوحدات الاستيطانية والحدائق.

ومن أجل ذلك، طردت الميليشيات الإسرائيلية حوالي 750 ألف فلسطيني من البلدات والمدن العربية لتستوطن فيها بعد حرب 1948، وانفصلت القدس الجديدة عن القدس القديمة، وبحسب كتاب «القدس العتيقة مدينة التاريخ والمقدسات»، فقد اتسعت المدينة القديمة بسرعة نحو الشمال والشرق وامتدت الأحياء مع الطرق الرئيسية، وكان من بين الأحياء الراقية حي الشيخ جراح. وحسب تقرير للكاتب مصطفى أبو سنينة نشره موقع «ميدل إيست آي» وترجمه «ساسة بوست»، فقد استقرت حوالي 28 عائلة فلسطينية في حي الشيخ جراح في عام 1956.

وكانت الأردن قد تولت بناء منازل لهذه العائلات بموافقة منظمة الأونروا، حيث كانت القدس الشرقية والضفة الغربية خاضعتين لإدارة المملكة الهاشمية الأردنية، وكان هناك اتفاق بين الحكومة الأردنية وهذه العائلات لتملك الأراضي والمنازل المبنية عليها.

وفي أعقاب نكسة 1967، استولت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وفقد الأردن السيطرة عليها. وفي الوقت الحالي، ازداد عدد العائلات في حي الشيخ جراح إلى 38 عائلة فلسطينية.

وسم أنقذوا حي الشيخ جراح. مصدر الصورة: ديلي نيوز مصر

وسم أنقذوا حي الشيخ جراح. مصدر الصورة: ديلي نيوز مصر

وتواجه هذه العائلات الفلسطينية إخلاءً قسريًا، بأمر من المحاكم الإسرائيلية، إذ تتواجه العائلات الفلسطينية مع مجموعة من المستوطنين الذين ادعت منظماتهم ملكيتها للأراضي في حي الشيخ جراح.

وبحسب ما كتبه الكاتب مصطفي أبو سنينة في موقع «ميدل إيست آي»، فقد رفعت مجموعتان من المستوطنين دعاوى قضائية لإثبات امتلاك اليهود السفارديم للأرض في عام 1885 خلال فترة الحكم العثماني. وأوضح أن هناك أربع عائلات تواجه الإخلاء الوشيك، وهم عائلات الإسكافي والأكراد والجعنوي والقاسم، فهناك قرار بإخلائهم منازلهم في يوم 6 مايو (أيار) (الخميس الماضي)، بينما من المتوقع ترحيل ثلاث عائلات أخرى في الأول من أغسطس (آب) المقبل، وهي عائلات حماد والداجاني والداودي.

جدير بالذكر، أنه في عام 2002، أُجبر 43 فلسطينيًا على المغادرة، وفي عام 2008، واجهت عائلة الكرد الإخلاء، كما أُخليت عائلات حنون وغاوي في 2009، وعائلة شماسنة في 2017 لصالح المستوطنين الإسرائيليين.

وكانت العائلات الفلسطينية قد اتهمت محاميها الإسرائيلي بتزوير توقيعاتهم على وثائق في عام 1991 تفيد بامتلاك المستوطنين للأراضي. وقد اتخذت هذه الوثائق فيم بعد ذريعة لمعاملة سكان حي الشيخ جراح باعتبارهم مستأجرين أمام المحاكم الإسرائيلية!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد