يتابع العالم عن كثب الآن، أخبار إصدار المحكمة الأفريقية الخاصة في دكار، حكمًا بالسجن المؤبد على حسين حبري، رئيس تشاد السابق، البالغ من العمر 73 عامًا، بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، كالتعذيب والخطف والعبودية القسرية والاغتصاب، أثناء فترة رئاسته للبلاد، قبل أن يفر منها هاربًا إلى السنغال في عام 1990. سابقة هي الأولى من نوعها، تمثلت في أول محاكمة لرئيس أفريقي أمام محكمة أفريقية أنشأها الاتحاد الأفريقي، عن جرائمه ضد شعبه.

الوليد في مواجهة الفئران على أسمنت الزنانة

حين عرض المخرج التشادي، محمد صالح هارون، فيلمه الوثائقي «حسين حبري: تراجيديا تشادية»، في مهرجان كان 2016، لم تقل الصورة بشاعة عن الشهادات، إذ ظهر السجناء السابقون في سجون حبري، المدلون بشهاداتهم في الفيلم، وآثار الجروح الخالدة بادية على وجوههم، وأحدهم قد فقد عينًا في المعتقل، وحكى آخرُ كيف كان المعذِّبون يدخلون إبرًا حديدية في رؤوس السجناء، في واحد من أقسى أصناف التعذيب، وحكى ثالثٌ أنه كان يتمنى فقط موت زملائه في الزنزانة، حتى تتسع قليلًا.

حبري

مصدر الصورة: www.hrw.org


على كل حال، يبدو أن زوار المهرجان ومنظميه، في مدينة كان الفرنسية، نسوا أن فرنسا كانت واحدة من أهم الداعمين لحبري، حين كان يمارس كل تلك الأصناف من الانتهاكات.

تحكي جينات نغارباي، سجينة سابقة في معتقلات حبري، أنها قد اتهمت بالانتساب لخلية سرية معادية لنظام حبري، ودخل عليها زوار الفجر، وكانت حاملًا، وقد وضعت ابنها على أرض الزنزانة القذرة للغاية والمليئة بالفئران والقمل وسائر أنواع الحشرات، وظلت تبكي هي وابنها، المتفتحة عيناه على مشهد الحشرات وقهر أمه، ورائحة العفن والذل؛ في لحظة بكت فيها كل السجينات، من المنظر المروع لجينات وابنها.

حتى الآن، ما زال التشاديون حين يمرون في العاصمة التشادية أمام المقرات السابقة للأمن السياسي، أو ما يعرف بمديرية التوثيق والأمن DSS، يتحدثون همسًا، ويتذكرون أن هذه أماكن لقي فيها المواطنون تعذيبًا لا يحتمله بشر، ليلقى عدد كبير منهم حتفه من جراء ذلك التعذيب.

أمام المحكمة، كانت هناك شهادات لا حصر لها، تحدث أصحابها عن إجبارهم على حفر مقابر جماعية للمعارضين لنظام حبري، وحملت شهادات أخرى التأكيد على استخدام شرطة حبري السياسية لطريقة التعذيب المميتة الشهيرة باسم «Arbatachar»، إذ يتم ربط قدمي الضحية ويديه إلى ظهره بطريقة معينة، تؤدي إلى اختلال الدورة الدموية وإلى الشلل. وبينما توالت الشهادات رفض حبري الاعتراف بشرعية المحكمة، وردد في جلساتها التي واجه فيها شهادات ضحاياه، هتافات ضد الإمبريالية وضد أمريكا وفرنسا.

تلقت محاكمة حبري عن جرائمه إشادةً دولية، لكن ما يود هذا التقرير أن يذكر به، وما سنتعرض له بعد قليل، أن العالم يتناسى عمدًا شركاء حبري في جرائمه، شركاء ربما يستحقون عقوبات أيضًا.    

حبري الشاب.. القارئ الحالم

درس حبري الحقوق في باريس، وكان مفتونًا آنذاك بسير الثوريين الكبار وكتاباتهم، كفرانز فانون وتشي جيفارا، وغيرهم من الثوار الآسيويين والأفارقة.

حبري

مصدر الصورة: liberation


وحين أمسك حبري بالسلاح وتقلد السلطة في عام 1982، انقلب على كل ما تعلمه من كتابات فراز فانون، وريمون آرون، وعلى كل أحلامه الثورية، وكل من مثلوا له قدوة في يوم ما، وتحول إلى شخص جديد تمامًا، قتل 40 ألفًا من أبناء شعبه عبر التعذيب والإعدامات المباشرة، وما أن يشتبه حبري ونظامه بقيام تمرد في منطقة ما، إلا ويأمر رجاله بالذهاب والقضاء على جميع من فيها، دون أن يستثنوا أحدًا، شيخًا أو طفلًا أو امرأة.

تحول حبري بشكل جذري في رحلته الحياتية، من شاب ثوري يقرأ بنهم، إلى عجوز من عواجيز السياسة الأفريقية، لتأتي نهاية سلطته بهروبه من بلده عام 1990، حين شن عليه جنرال الجيش إدريس ديبي هجومًا خاطفًا، ولم ينس أثناء هروبه أن يفرغ خزائن الدولة في جيوبه أولًا، بحسب ما أكده المحامي ريد برودي، كبير المحققين في ملف حبري، بمنظمة «هيومن رايتس ووتش».

إذًا من شاب ثوري يحلم بتغيير العالم وبمستقبل أفضل لبني وطنه، إلى شخص مدان أمام المحكمة الأفريقية بتهمة اغتصاب السيدة التشادية خديجة حسن زيدان، وإقامة علاقة جنسية معها بغير رضاها، أربع مرات كاملة، وحين كان شابًا ثوريًا، تفاخر دائمًا بثوريته على أصدقائه، واستعرض ثقافته عليهم بشكل مستمر، حتى وإن بدت لهجته كلهجة «مدعي الثقافة»، بينما وعلى الجانب الآخر، كان هناك من درس شخصية حسين وميولها الاستعراضية وحبها الجم للظهور والسلطة، وكان بصدد تطويع ذلك بكليته لمصلحته الخالصة.

الشريك الرئيسي في الجريمة غير متهم

أمام قضاة المحكمة الأفريقية الخاصة، لم ينطق حسين سوى بكلمات معدودة في جلساتها، كان أبرزها ما صرخ به في أولى الجلسات، حين قال: »يسقط الإمبرياليون، المحاكمة مهزلة سياسية، سنغاليون فسدة، وأفارقة خونة، خدام أمريكا«.

وبينما يصرخ حبري، فإن ريد برودي، العامل بمنظمة هيومن رايتس ووتش، الكائنة بولاية نيويورك، صرح بأن الحقبة التي كان يمكن فيها للطغاة أن يعاملوا شعوبهم بوحشية، وينهبوا ثرواتهم، ثم يفرون إلى الخارج للاستفادة من حياة الترف، قد انتهت، إلا أن برودي ربما نسي أنه ما زال هناك عشرات، وربما مئات، من حكام العالم يعاملون شعوبهم بوحشية ويسرقون ثرواتهم، ولم يوقفهم أحد، بل ما زالوا يتلقون الدعم من الدول الكبرى حتى يومنا هذا.

وقد استقبل ضحايا قمع حبري خبرَ الحكم عليه بالمؤبد، بالأفراح وبدموع المظلوم الذي أخذ حقه أخيرًا، وقال حسن ندياي، وهو أحد محامي الضحايا، أنه لم يعد بإمكان أحد اليوم أن يرتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ويفلت من العقاب وينام قرير العين. لكن ربما لم يعلم هؤلاء الضحايا أن الشركاء الرئيسيين في عذابهم لم توجه إليهم أي تهمة من الأساس، وأن حبري المحكوم عليه هو مجرد فرد في لعبة كبيرة، لعبة أكبر من مجرد «مستبد يعذب شعبه».

الدور المجهول لأمريكا في تعذيب مواطني تشاد

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، انتابت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا مخاوف كبيرة، إزاء طموحات معمر القذافي التوسعية في تشاد، وهو ما هدد الدولتين بفقدان أراضي تشاد البكر بثرواتها التي لم تستكشف بعد، خاصة مع وجود غوكوني عويدي، حليف القذافي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية التشادية المُشَكَّلة عام 1979، حكومة كان فيها وزير الدفاع، حسين حبري، الهدف الأمثل لواشنطن وباريس.

حبري

صورة تجمع بين حسين حبري ورونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، مصدر الصورة: www.theguardian.com


لم تجد الولايات المتحدة وفرنسا أفضل من حبري آنذاك، ليلعب لصالحهما في تشاد، ويمنع تغلغل القذافي في البلاد البكر، عبر حليفه عويدي، وبالفعل قاد حبري مجموعة متمردة وشن حربًا شاملة على عويدي وقواته.

في عام 1980، حاول حبري أن يسيطر على العاصمة التشادية نجامينا، لكن قوات نظام عويدي، المدعومة من طرابلس، استطاعت أن تتصدى للهجوم وتجبر حبري على الانسحاب، إلا أنه في عام 1982 انقلبت الطاولة، وقدمت الولايات المتحدة وفرنسا دعمًا كبيرًا لقوات حبري، فاستطاع هذه المرة أن يدخل العاصمة منتصرًا.

حينها أراد القذافي اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات، والرئيس السوداني جعفر النميري، لدعمهما حسين حبري ومجموعته المسلحة، بحسب ما ذكره الكاتب الأمريكي وودورد، في كتابه «الحجاب.. الحرب السرية للمخابرات الأمريكية.. من 1981 إلى 1987»، وتم الكشف فيما بعد عن أن مصر كانت حينها عضوًا فعالًا في تحالف دولي ضمها مع إيران وفرنسا والسعودية والمغرب، مهمته الأساسية محاربة الشيوعية في القارة الأفريقية، وإدارة عمليات تصب كلها في النهاية في صالح الولايات المتحدة.

فيما بعد دخوله العاصمة منتصرًا، استطاع حبري أن ينفرد بالحكم، ويحكم البلاد بشكل مطلق عبر نظام الحزب الواحد وسط ترحيب غربي كبير، ليكون جوادًا رابحًا للولايات المتحدة تعتمد وتراهن عليه بثقة، ليس فقط في مواجهة طموحات العقيد الليبي معمر القذافي، وإنما أيضًا في مواجهة أي مد ثوري قد يبرز في بلاده ضد المصالح الأمريكية.

وبينما لم تعلق أمريكا وفرنسا على طريقة حكم حسين الوحشية، فإن أمرهما لم يقتصر على الصمت وحسب، وكما وثق الصحفي الأمريكي جون جازفينان، في كتابه «الأرض البكر.. التكالب على نفط أفريقيا»، فإن المخابرات المركزية الأمريكية استضافت ضباطًا تشاديين تابعين لشرطة حبري السياسية في عام 1985، وأعطتهم تدريبًا على الطرق الحديثة في انتزاع الاعترافات من المتهمين والضحايا، ووعدت وفد الشرطة السياسية بإمدادهم بالدعم الفني اللازم دائمًا. وبينما طلب أعضاء هذا الوفد من المخابرات الأمريكية أجهزة صعق كهربائي متنوعة لاستخدامها أثناء عمليات الاستجوابات، فإن الإدارة الأمريكية آنذاك، بقيادة الرئيس رونالد ريجان، لم تبخل على نظام حبري، سواءٌ بالدعم العسكري كلما احتاجه، وبمد رجال مخابراته أيضًا بما يحتاجونه لتعذيب المواطنين.

خلال تلك الفترة، استطاع حبري أن يهزم قوات النظام الليبي التي كانت تحتل الأجزاء الشمالية من تشاد، واستطاع أن يطرد قوات القذافي تمامًا وينتصر عليها في عام 1987، ليذهب إلى واشنطن في نفس العام، ويستقبله الرئيس الأمريكي ريجان في البيت الأبيض، وليلقى ترحيبًا كبيرًا من أعضاء الكونجرس، واعتبروه صديقًا وفيًا للولايات المتحدة، وامتدح ريجان حبري أمام وسائل الإعلام، مؤكدًا أنه حاكم مهتم ببسط قيم الحرية ويتعاون مع المجتمع الدولي.

كل ذلك تجاهلته المحكمة الأفريقية المنعقدة في السنغال، وتجاهلت تمامًا دور المخابرات الأمريكية في تعذيب مواطني تشاد، واكتفت بمعاقبة العجوز حبري.

حبري.. الرجل الذي يعشقه جيرانه

عاش حبري حياة مترفة في السنغال، لأكثر من عشرين عامًا بعد ما استولى عليه من خزائن تشاد أثناء هروبه، وكان يمارس رياضته المفضلة «العدو»، ويلبس عباءات ملونة، ويحرص على أداء الشعائر الدينية، ويشارك بسخاء في بناء المساجد، وينفق الصدقات بسخاء أيضًا على الفقراء، هكذا كان يعيش حبري بسعادة صافية، متناسيًا كل ما حدث في الماضي من جرائم وانتصارات وخيبات، منتظرًا للموت بهدوء واستمتاع، حريصًا على أداء فروضه الخمسة مع جيرانه بود ومحبة.

 صورة لحسين حبري من داخل المحكمة الأفريقية

ظل حبري هكذا معتقدًا أن الماضي قد مات، ومنتظرًا رحيله عن الحياة بهدوء، إلا أنه في صيف عام 2011، أعلن الرئيس السنغالي، عبد الله واد، رغبته في تسليم حسين إلى تشاد بشكل مفاجئ، وقد خرج جيران حبري من سكان الحي ليتظاهروا ضد القرار الرئاسي، لأنهم لم يروا منه سوى التدين البالغ والمودة، والحرص على الاستمتاع بالحياة وبهجتها، وتصدير الطاقة الإيجابية لمن حوله، بالتزامه الديني وحبه للحياة.

في الواقع كانت بلجيكا قد تقدمت بطلب لتسليم حبري إليها، من أجل محاكمته عن جرائمه، نظرًا لأن ثلاثة مواطنين بلجيكيين من أصل تشادي تعرضوا للتعذيب في عهد حبري، قد تقدموا بدعوى لمحكمة بلجيكية، وبعد مداولات كثيرة، قرر الاتحاد الأفريقي أن يحاكم حبري، البالغ من العمر 73 عامًا، داخل الأراضي السنغالية.

كان حبري قد ودع الهتافات الثورية ضد الإمبريالية منذ وقت طويل، منذ أن قرر التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وحين بات واقفًا في قفص يحاكم بداخله، وسط ترحيب من العالم الغربي، لم تسعفه الذاكرة سوى بهتافات قديمة جدًا ليرددها، فبعد تلاوة الحكم بالسجن المؤبد على حبري، وجه التحية لمناصريه، ولم يتذكر هتافًا ليقوله سوى «فلتسقط فرنسا أفريقيا»، وهو الهتاف العتيق، الذي يعني أن الاستعمار الفرنسي انسحب صوريًا من أفريقيا، لكنه ما زال يسيطر عليها.

فجأة وجد حبري نفسه بعد أن تجاوز السبعين من عمره، داخل القفص، إذ بات الغرب يراه مجرمًا اليوم بعد أن كانت الحكومات الغربية تستقبله بمودة بوصفه بطل الحرية، في أيام الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي.

وجد حبري نفسه يحاكم على كل الأخطاء، وشركاؤه في كل تلك الجرائم لا يستطيع أحد أن يشير إليهم حتى بأصابع الاتهام، وها هو محكوم عليه بالسجن المؤبد، فهل يا ترى كان حبري هو الوحيد الذي يستحق السجن المؤبد في ما يخص تعذيب مواطني تشاد وانتهاكهم؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد