حينما نرى زي الفارس الأبيض والصليب الأحمر المرسوم بطول درعه، أو حينما نقرأ كلمة «حملات صليبية»، لا يتبادر إلى أذهاننا سوى تلك الفترة من أواخر القرن الحادي عشر وحتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي، حين شنت الدول الأوروبية الكاثوليكية برعاية البابا في روما حملات عسكرية للسيطرة على بيت المقدس والهيمنة على الأراضي المقدسة وطرد المسلمين منها، لكن ماذا لو علمت أن البابا لم يتحرك فقط ضد المسلمين، ولا نقصد هنا الحملات التي حدثت في أوروبا للتخلص من الوثنية، لا، بل نقصد الحملات الصليبية التي أطلقها البابا لتحارب كاثوليك بوهيميا الذين طالبوا بإصلاح دينيّ، هذه هي قصة يان هوس، الراهب الذي حاول إصلاح الكنيسة قبل ظهور البروتستانتية، وقصة أتباعه الذين حاربتهم الكنيسة وشنت ضدهم خمس حملات صليبية سنتعرف إليها في هذا التقرير.

يان هوس: الدعوة للإصلاح قبل البروتستانتية

منذ القرن الرابع عشر كانت مملكة بوهيميا جزءًا من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي كانت عبارة عن اتحاد من الممالك والدوقيات تحت راية إمبراطور واحد، ولكن لكل ملك ودوق سلطة ذاتية واسعة على أرضه، الإمبراطورية التي يقول عنها الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير إنّها «لم تكن إمبراطورية، ولا رومانية، ولا مقدسة»، وقامت على نظام الملكية الانتخابية، إذ يقوم مجموعة من الملوك، والدوقات، والأمراء بانتخاب الإمبراطور.

ثم يأتي دور البابا ليُضيف قدسيةً على منصب الإمبراطور الذي يجبُ أن يتوّج من البابا ليصبح إمبراطورًا شرعيًا، ولكن في الأعوام من 1374-1414، بدأ التشكيك في سلطة البابا وسلطة الإمبراطورية. ففي إنجلترا مثلًا قاد الفيلسوف والمفكر الديني جون وايكليف الهجوم على البابا، ورفض الترف الذي كانت تعيش فيه الكنيسة، وطالب بترجمة الإنجيل إلى اللغات المحلية الخاصة بكل بلاد أوروبا؛ ما ألهم الكثير من رجال الدين في أنحاء القارة، ومن ضمنهم يان هوس من بوهيميا.

Embed from Getty Images

المصلح الديني المسيحي يان هوس

لم يكن يان هوس مجرد راهب، بل كان عالمًا متخصصًا، وبعد أن عرف بجون وايكليف ورسالته التي ترفض فساد الكنيسة وابتعادها عن تعاليم المسيح، وجد يان هوس أن بوهيميا متأثرة بشكل كبير بهذا الفساد، وبدأ بالدعوة إلى الإصلاح الديني، فرفض مبدأ أن الخطايا يمكن غفرانها بدفع الأموال للكنيسة، وطالب بتوزيع القربان المكون من الخبز والنبيذ على جميع المسيحيين، ورفض فكرة أن يمسك الكاثوليك السيف ويحاربوا باسم الصليب، وانتشرت دعوته في أنحاء براغ، عاصمة بوهيميا وما حولها، وفي عام 1378 شهدت الكنيسة الكاثوليكية ما عُرف بالانشقاق الغربي، حيث انقسمت السلطة الباباوية بين بابا في روما، وبابا في أفينيون جنوب فرنسا، كل منهم يدّعي أنه البابا الشرعي والوحيد، وكان للإمبراطورية الرومانية المقدسة نفوذٌ على الكنيسة في روما؛ ما أضعف موقفها في مواجهة مطالب التجديد التي يدعو لها جون وايكليف، ويان هوس، وغيرهما.

في ذلك الوقت كان ملك بوهيميا وينزكلاوس الرابع، وحكمَ المجر أخوه غير الشقيق سيجيسموند، الأول كان يحاول الوصول لكرسي الإمبراطورية ولذا اتّخذ موقف الحياد من الصراع؛ ما زاد من نفوذ يان هوس في بوهيميا، وعلى الرغم من وصول وينزكلاوس للإمبراطوريّة، إلا أنه لم يبق إمبراطورًا لفترة طويل، وانتهى حكمه في 1410 وظلّ بعدها ملكًا لبوهيميا.

أما أخوه سيجيسموند، فتوّج عام 1414 ملكًا لألمانيا وبذلك احتاج فقط إلى تنصيبه من البابا ليكون إمبراطورًا، ولكن الخلاف الكنسي أخّر تنصيبه، ولإنهاء الخلاف نُظّم مجمع كونستانس الذي نتج عنه تنصيب بابا شرعيّ ووحيد، البابا مارتن الخامس، وفي هذا المَجمع دعا سيجيسموند المُصلح يان هوس، ووعده بحمايته والاستماع لمطالبه، ولكن المجمع اتهمَ يان هوس وجون وايكليف بالهرطقة، وحبس يان هوس وأُعدم حرقًا في 1415.

إعدام يان هوس لم يكن ليمر مرور الكرام، وبعد أن صار شهيدًا أصبحت القضية مكتملةً بالنسبة لأتباع يان هوس، أو كما أطلقوا على أنفسهم اسم الهوسيين، وحان الوقت للدفاع عن قضيتهم والمحاربة من أجلها. أرسل نبلاء بوهيميا خطابات شديدة اللهجة لسيجيسموند تدين فعلته، بينما أخذ الهوسيون خطوة أكثر قوة وبدأوا في إحراق وإتلاف الأديرة الكاثوليكية الموجودة في بوهيميا ومورافيا. انتشر التمرد والثورة في بوهيميا بعد أن هدد سيجيسموند بإغراق كل الهراطقة أتباع يان هوس، ومع تفاقم الأوضاع كان لابد لوينزكلاوس، ملك بوهيميا وأخي الإمبراطور سيجيسموند، أن يحاول إطفاء الأزمة، لتفشل محاولته ويُعتدى على مبعوثيه إلى الهوسيين.

ثمّ مات وينزكلاوس عام 1419 بسكتة قلبية تعتقد بعض المصادر أن سببها تفاقم أحداث ثورة الهوسيين، وبعد وفاته نُصّب أخوه سيجيسموند ملكًا لبوهيميا، لكن الحاكم الفعلي للبلاد كانت أرملة وينزكلاوس، صوفيا والتي سعت مع سيجيسموند للتخلص من الهوسيين. تحولت بوهيميا إلى ساحة حرب، وانقسم الهوسيون إلى فريقين: المعتدلون، واسمهم الأوتراكوستيين، وكان معظمهم من النبلاء، والراديكاليون، وكان اسمهم التابوريتيين، ومعظمهم من النبلاء الأقل درجة والفلاحين. كان المعتدلون ميّالين أكثر للتفاوض مع سيجيسموند لإيقاف الحرب، بينما أراد الراديكاليون بقيادة الجنرال يان جيجكا أن يتابعوا القتال.

يان جيجكا: سنهزمهم بالعربات!

في 25 مارس (آذار) 1420 أظهر يان جيجكا عبقريته التكتيكية بعد تمكنه بقوات قليلة من هزيمة القوات الكاثوليكية التي تبعته بعد أن ترك براغ، وظّف جيجكا تكتيكًا تستخدم فيه عربات خشبية يملأها بجنود يحملون أسلحة متنوعة من القوس، والنشاب، والرماح، وبعض البنادق البدائية، وتتمركز القوات في مواقع دفاعية مستغلًا الجغرافيا المحيطة به لتحصين قواته وتصعيب اختراقهم، مع الاعتماد على عمليات كر وفر لاستدراج قوات العدو نحو العربات الخشبية حيث يلقون حتفهم، وباختصار كان هذا التكنيك فعّالًا لينتصر الراديكاليون على القوات الكاثوليكية في تلك المعركة، معركة سودوميرج.

سعى سيجيسموند ليحكم بوهيميا فعليًا، ولمساعدته أعلن البابا مارتن الخامس عن حملة صليبية ضد هراطقة بوهيميا، وانضم لهذه الحملة الكاثوليك من كل أنحاء أوروبا لأسباب مختلفة، بحثًا عن المال أو المجد، أو المغفرة، وهكذا صارت بوهيميا على أعتاب حملة صليبية، قرر الأوتراكستيين (المعتدلون) التفاوض مع سيجيسموند، وعرضوا عليه أربعة بنود عُرفت باسم «مواد براغ الأربعة»، والتي نصت على:

  1. حرية الدعوة لكلمة الرب بدون تقييدات الكنيسة.
  2. تقديم قربان مكون من الخبز والنبيذ لكل المسيحيين.
  3. تخلي رجال الدين عن ممتلكاتهم والعودة للحياة الكهنوتية التقليدية.
  4. معاقبة الخطايا بدون تمييز مهما كانت رتبة المُذنب.

إلا أن سيجيسموند رفض هذه البنود، وبدأت الحرب! تغاضى الهوسيون عن خلافاتهم، فالغرض هو حماية بوهيميا، سواء كانوا أوتراكستيين أو تابوريتيين، وهو أمر أخذه جيجكا على عاتقه بشكل شخصي. 7 آلاف جندي من الحملة الصليبية، في مواجهة مع قرابة 100 جندي هوسي، لكن تكنيك العربات واستغلال التضاريس ساعدا الهوسيين على صدّ هجوم الصليبيين، وفي الليل مع وصول إمدادات للهوسيين هاجم جيجكا مخيم الصليبيين؛ ليُوقع فيهم خسائر كبيرة وتصبح هذه المعركة من أشهر معارك جيجكا.

Embed from Getty Images

 جيجكا في إحدى معاركه

لم تكن هذه هي الحملة الصليبية الوحيدة التي ضد الهوسيين، في 1421 نادى البابا بحملة صليبية ثانية، في محاولة لاستغلال الفرقة التي كانت بين جبهتي الهوسيين ولكن سرعان ما انتهى الخلاف مع وصول الصليبيين، وقاد جيجكا الهوسيين للنصر مرة أخرى، وبعد الفوز تعود الفرقة وينقسمُ الهوسيون مجددًا، لقد كانوا في حاجة إلى ملكٍ يوحّد صفوفهم.

أدرك جيجكا حاجة بوهيميا إلى ملك، فعرض الحكم على ملك بولندا الذي رفض ورشح قريبه، دوق ليتوانيا، والذي وافق على تولي حكم بوهيميا بشكل غير مباشر، بشرط عودة الهوسيين إلى الكنيسة الكاثوليكية، الشرطُ المستحيل. وامتنعَ الجميع عن مساعدة بوهيميا، إرضاءً لسيجيسموند، وبدون ملك يوحد البلاد، عانت بوهيميا من الانقسام، وهنا قرر جيجكا استغلال وجود عدو مشترك للبوهيميين، وحاول نقلَ المعركة إلى أرضه بشنّ هجوم على المجر، لكن حملة الهوسيين فشلت في ذلك بسبب تردي الأوضاع في بوهيميا، فالعدد الصغير لم يكن مشكلةً قتالية عندما كان الهوسيون في وضع دفاعي، ولكن عند الهجوم لا بد عن تغيير تكتيكاتهم مع الاعتماد أكثر على عدد المقاتلين. وبعد هذا الفشل قررت الكنيسة شنّ حملتها الصليبية الثالثة والفاشلة.

فهذه المرة لم ينضم أحد فعليًا للحملة الصليبية، فالإمبراطورية الرومانية المقدسة كانت منشغلة بمشاكل داخلية، وبولندا لم تكن لتهاجم بوهيميا، لذلك لم تكتسب الحملة الزخم الذي احتاجت إليه لتنطلق. وفي 1426 انطلقت حملة صليبية رابعة، ورغم موت جيجكا بالطاعون، لم يتوقف الهوسيون، ونجحوا في صدّ الحملة في معركة أوسيج الشهيرة، بل بعد هذا الانتصار شنّ التابورتيون بقيادة بروكوب العظيم غارات على الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

ومع دخول عام 1430 كانت جميع الأطراف قد أرهقت، ولكن هذا لم يعن موافقة البابا على التفاوض مع الهراطقة كما سمّاهم، ولذا قرر أن ينادي بحملة صليبية خامسة وأخيرة لتقضي على الهوسيين للأبد، لكن في هذه المرحلة كان الجنود الصليبيون يخشون من الهوسيين، ومثل سابقاتها فشلت الحملة الصليبية الخامسة ليموت البابا مارتن الخامس في 1431.

التسوية: هل هي خيانة؟

تولى بابا جديد مقاليد الأمور، يوجين الرابع، والذي قدّم رؤية جديدة طريقة جديدة في لإيقاف هذه الحرب وسلسلة الحملات الصليبية الفاشلة ضد الهوسيين. دعا البابا يوجين الرابع الهوسيين إلى مجمع بازل للتفاوض، لكن بالنسبة لبروكوب التفاوض يعني المساومة والتنازل، ومن وجهة نظره فإن يان هوس، وجيجكا وغيرهم لم يُقتلوا للوصول إلى هذه النتيجة، ولكن بالنسبة للمعتدلين كانت هذه هي الفرصة التي انتظروها طويلًا لتعترف بهم الكنيسة أخيرًا وتنتهي تهمة الهرطقة، ومن هذا الخلاف نشبت الحرب بين التياريّن الهوسيين.

التقى الفريقان عام 1434 في معركة ليباني، لكن وعلى عكس المعارك السابقة التي دارت بينهما، هذه المرة تحالف الأوتراكستيين مع الجنود الكاثوليك، ليتفوقوا على التابوريتيين، وبما أنهم تشاركوا الصفوف سويًا من قبل في خمس حملات صليبية، كان الأوتراكستيين على دراية بأساليب التابوريتيين الراديكاليين: تكنيك العربات، ونجحوا في استخدامه ضدهم، وكانت الخسائر كبيرة وقتل بروكوب في هذه المعركة الدامية، التي وصفتها كتب التاريخ بأنها كانت مذبحة، وهنا انتهت قصة التابوريتيين.

تاريخ

منذ 4 شهور
بين فرسان المعبد وفرسان المماليك.. من ملاحم أشرس فرسان تاريخ الحملات الصليبية

عدّل المعتدلون مواد براغ الأربع أثناء المفاوضات، وبالطبع كانت النسخة الجديدة أضعف بكثير من النسخة القديمة، إلا أنها في النهاية كانت إصلاحات حاربت بوهيميا من أجلها لسنوات، استمرت منذ 1419 وحتى 1434، واتُّهم فيها الهوسيون بالهرطقة، وشنت ضدهم خمس حملات صليبية مما يفترض أنها كنيستهم، إصلاحات أتت قبل الإصلاحات البروتستانتية، ولتلك الإصلاحات قصة أخرى.

المصادر

تحميل المزيد