ما الذي يتبادر إلى ذهنك عندما تسمع كلمة «التنويم المغناطيسي»؟ قد تشير كلمة التنويم المغناطيسي في مخيلة البعض إلى تلك الساعة الكلاسيكية التي تتأرجح يمنة ويسرة أمام أعين أحد الأشخاص، أو ذلك العارض على خشبة المسرح الذي يحث الناس على الاعتقاد بأنهم قطط أو كلاب مثلًا من أجل تسلية الجمهور.

تاريخ التنويم المغناطيسي عبارة عن فكرة واحدة دائمة «السحر». حكايات المشعوذين الاستغلاليين الذين يحاولون الربح من خلال إيهام الجمهور بأنهم أمام عرض سحري حقيقي، وأنه من النادر أن يكون أولئك الذين يمارسون التنويم المغناطيسي هم من الأطباء أو المستشارين المتخصصين. لكن يبدو أن العالم تغير بالفعل، إذ أصبحنا نشاهد الآن أطباء بالفعل يقومون بعمليات التنويم المغناطيسي على المرضى.

التنويم المغناطيسي.. إرث مختلط بين الطب والأساطير

تاريخ التنويم المغناطيسي قديم قدم السحر والشعوذة والطب. في الواقع، إذ استخدم وسيلة في جميع هذه المجالات. وثق العلماء تطور المفاهيم والمعتقدات والممارسات المتعلقة بالتنويم المغناطيسي منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، ويعود تاريخ الاستخدام المبكر المسجل إلى عام 1550 قبل الميلاد.

بدأ التاريخ العلمي للتنويم المغناطيسي في الجزء الأخير من القرن الثامن عشر عبر فرانز ميسمر، الطبيب الألماني الذي استخدمه في علاج المرضى في فيينا وباريس. ميسمر اعتقد خطأً أن التنويم المغناطيسي يتعلق بالاستفادة من القوة الخفية المتعلقة بالتأثير الفيزيائي للكواكب (أطلق عليها اسم المغناطيسية الحيوانية) واستغلال هذه القوة للتسبب في تشوه المرض وعلاجه.

لكن نتيجة خطأ هذا الاعتقاد، سرعان ما فقد ميسمر مصداقيته؛ لكن طريقته التي سميت باسم «mesmerism» استمرت في كونها محط اهتمام الممارسين الطبيين. استفاد منها عدد من الأطباء دون أن يفهموا طبيعة ما يحدث بالضبط، وتزايدت فكرة تغيير سلوك الناس من خلال نشوة معينة، واكتسبت مصداقية أكبر. حتى جاء منتصف القرن التاسع عشر، عندما درس الطبيب الإنجليزي جيمس برايد هذه الظاهرة وصاغ مصطلح «التنويم المغناطيسي» (hypnosis)، مشتقًا من اسم إله النوم اليوناني، هيبنوس.

وعلى الرغم من أنه غالبًا ما ينظر إليه على أنه موضوع تاريخي مستمر ومتواصل، إلا أن مصطلح «التنويم المغناطيسي» اعتمد وجرت صياغته رسميًا في ثمانينيات القرن التاسع عشر في فرنسا، أي بعد حوالي 20 عامًا من وفاة جيمس برايد. اعتمد برايد مصطلح التنويم المغناطيسي الذي ينطبق بشكل خاص على حالة الشخص، وليس على التقنيات التي يطبقها الممارس، لمقارنة منهجه الفريد من نوعه، مع المقاربات التي تعتمد على تقنيات الممارس وليس الشخص.

خلال زيارة لفرنسا في نهاية القرن التاسع عشر، أعجب الطبيب النمساوي سيجموند فرويد بالإمكانيات العلاجية للتنويم المغناطيسي لعلاج الاضطرابات العصبية. ولدى عودته إلى فيينا، استخدمه لمساعدة أخصائيي الأعصاب على تذكر الأحداث المزعجة التي نسوها. ومع بدء تطوير نظام التحليل النفسي الخاص به، أدت الاعتبارات النظرية وكذلك الصعوبة التي واجهها في نوم بعض المرضى، إلى تجاهل التنويم المغناطيسي لصالح «الارتباط الحر».

وعلى الرغم من اعتماد فرويد عليه ثم رفضه؛ فقد استخدم بعضًا من هذه التقنية في العلاج والتحليل النفسي للجنود الذين عانوا من مآسي القتال خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. اكتسب التنويم المغناطيسي في وقت لاحق استخدامات محدودة أخرى في الطب. وطرح باحثون مختلفون نظريات مختلفة حول ماهية التنويم المغناطيسي وكيف يمكن فهمه، ولكن لم تظهر نظرية تفسيرية مقبولة لهذه الظاهرة.

وبالطبع، في هذه الأثناء بدأ عديد الدجالين استغلال التنويم المغناطيسي في المسارح والمهرجانات وغيرها لإيهام الجمهور بأن لديهم قدرات خارقة، بل ودخل التنويم المغناطيسي إلى مجال السينما وشاشات التلفاز بصورة مبالغ بها لدرجة الاعتقاد بإمكانية توجيه الشخص النائم إلى القيام بأعمال خيالية مثل الطيران وتحريك الأشياء وغيرها. هذا الأمر منح التنويم المغناطيسي نظرة سيئة لدى عدد كبير من الناس، حتى اعتبره البعض أقرب إلى الخيال منه إلى تقنية علمية.

الطب.. بوابة التنويم المغناطيسي للعودة

رغم هذا الإرث السلبي الكبير للتنويم المغناطيسي في الماضي، تعود هذه التقنية إلى دائرة الأضواء من جديد، إذ يلجأ أشخاص الآن إلى هذه التقنية للمساعدة في كل شيء، بدءًا من تحمل مخاض الولادة وحتى التخلص من القلق والألم المزمن. عدد ليس بالقليل من الحالات شعر بفرق واضح عند استخدام تقنية التنويم المغناطيسي خلال مرحلة مخاض الولادة التي تتميز بآلام شديدة. عدد من هؤلاء كان يتساءل بالفعل عما إذا كان يمر بمرحلة المخاض، لأنه من المؤكد أنه كان من المفترض أن يكون أكثر إيلامًا لهم مما شعروا به.

السر في هذا يعود إلى التنويم المغناطيسى، إذ أنه خلال فترة الحمل، تعلمت بعض النساء كيف أن تنويمها مغناطيسيًا يضعها بالفعل في حالة ذهنية سمحت لها بتقليل الشعور بآلام المخاض إلى الحد الأدنى، إلى درجة أنهن استمتعن بلحظات الولادة. وبدأت مجموعة متزايدة من الأبحاث تؤكد بالفعل فوائد التنويم المغناطيسي، رغم أن الباحثون يعانون في الحصول على تمويل لتجاربهم السريرية، ورغم أيضًا عدم وجود سلطة تنظيمية تراقب هذه الممارسة. بدأ الباحثون رغم كل هذا أيضًا في التعرف على كيفية عمل التنويم المغناطيسي بالضبط، وطبيعة ما يحدث في الدماغ أثناءه

والنتيجة هي أن تعريف التنويم المغناطيسي والكيفية التي يحدث بها بدأ يتغير، ويزداد استخدامه في الطب بشكل أكبر من السابق. فالكلية الملكية للدايات «المولدات» بالمملكة المتحدة تعتمد الآن على دورات تدريبية في مجال التنويم المغناطيسي، وتمول التدريب على هذه التقنية. بعض أخصائيي التخدير يدرجونه الآن في مجموعة أدواتهم، وحتى أنه صار يوصف حلًا لأزمة إدمان المواد الأفيونية. ومن المؤكد أن التنويم المغناطيسي ليس علاجًا للجميع، لكن أن نتعلم هذه التقنية وطبيعتها وكيفية عملها والسر ورائها وطريقة عمل ذلك بأنفسنا قد يساعدنا في تسخير قوة العقل في بعض أشد معارك الحياة قوة.

كيف تنوم نفسك مغناطيسيًا؟

عندما يتعلق الأمر بكيفية تنويم شخص ما بالفعل، لا توجد طريقة قياسية. تبدأ الطريقة الشائعة بالتفكير في صورة مهدئة، قبل أن تتخيل نفسك في بيئة تتميز بالسلام والتي تحفز كل حواسك، يتبعها إجراء عميق وتأكيدات تساعدك على تحقيق هدفك. يمكن أن يحدث ذلك من قبل طرف آخر أو من قبل نفسك.

يمكنك اتباع هذه الطريقة حتى تنوم نفسك مغناطيسيًا. ابدأ بتخيل صورة تساعدك على الهدوء لمدة خمس دقائق، مثل تخيل لونك المفضل الذي يغمرك، أو التفكير في أنك تطفو في بركة من الماء، مع التركيز على أنفاسك. بعد ذلك، تخيل نفسك في مكان سعيد، مكان يتيمز بالسلام ويثير حواسك، حيث يمكنك شم ولمس وسماع ورؤية الجوانب المختلفة للصور من حولك.

على سبيل المثال، إذا كنت تتخيل نفسك على الشاطئ، فيمكنك تصور السماء الساطعة فوقك، وتشعر بدفء الشمس على بشرتك، وتتذوق وتشم رائحة الملح في الهواء وتسمع أصوات الأمواج التي تتدحرج في خارج. بعد ذلك، حان الوقت للتعمق. لتجعل نفسك تشعر بمزيد من الاسترخاء، فكر في النزول على سلم حلزوني، على سبيل المثال. كرر التأكيدات التي تساعدك على تحقيق النتيجة المرجوة.

من الألم إلى القولون العصبي.. استخدامات متعددة

اليوم، يستخدم التنويم المغناطيسي في مجموعة واسعة من الحالات. ولكن حتى عندما كان استخدامه أكثر شيوعًا، فإن انتشاره داخل الطب كان محدودًا. في جزء منه، لأن قلة يمكن أن تتفق على ماهية التنويم المغناطيسي بالضبط. العديد من الباحثين أجمعوا على أنه يمكن وصفه بأنه «نشوة» منومة، والتي يمكن وصفها بأنها حالة من الانتباه المركز والتركيز والامتصاص الداخلي، يرافقه فقدان الوعي بالأشياء الأخرى الموجودة حولك.

إنها حالة من المحتمل أن تكون قد مررت بها من قبل، عندما يقوم نشاط ما تقوم به باستيعابك بالكامل بحيث لا تلاحظ أي شيء من حولك أو حتى مرور الوقت. نعلم الآن أيضًا أن نجاح السحرة المشهورين في جعل الناس يقومون بأشياء غريبة ورائعة على خشبة المسرح له علاقة بضغط الأقران أكثر من ارتباطه بالتنويم المغناطيسي. وضغط الأقران هو التأثير المباشر على الأشخاص من قبل أقرانهم، أو التأثير على الفرد الذي يتم تشجيعه على اتباع أقرانه من خلال تغيير مواقفهم أو قيمهم أو سلوكياتهم لتتوافق مع مواقف المجموعة المؤثرة أو الفرد.

تعريف التنويم المغناطيسي الغامض وتاريخه المثير للجدل جعل من الصعب معرفة ما الذي ينجح وما لا ينجح من طرق التنويم. تصنيف هذه التقنية على أنه «علاج تكميلي» بدلاً من علاج السائد من قبل الخدمة الصحية الوطنية في المملكة المتحدة (NHS) لم يساعد أيضًا. وعلى الرغم من هذا، فإن المعهد الوطني البريطاني للتميز في الرعاية الصحية والتوصية يوصي بالتنويم المغناطيسي لحالة واحدة: متلازمة القولون العصبي (IBS)، والذي يسبب تشنجات مؤلمة وانتفاخات والإسهال والإمساك.

السبب غير معروف وليس هناك علاج، ولكن بعض الأدوية وتغييرات النظام الغذائي يمكن أن تخفف الأعراض. ولعلاج القولون العصبي المقاوم للعلاج، هناك أدلة دامغة على أن التنويم المغناطيسي يمكن أن يحسن الأعراض ونوعية الحياة. أثناء التنويم المغناطيسي، قد يتخيل المرضى موجات البحر اللطيفة، ويتخيلوا أن أحشاءهم تتحرك في إيقاع منتظم وهادئ مماثل، هذا الأمر نجح بالفعل.

في الولايات المتحدة، تعمل كل من الجمعية الأمريكية للأمراض النفسية والمعاهد الوطنية للصحة الآن على تعزيز التنويم المغناطيسي باعتباره جزءًا من الرعاية المعتادة للألم. وقد أظهرت العديد من الدراسات أنه يمكن تحسين مجموعة متنوعة من المشاكل المزمنة، مثل آلام أسفل الظهر والآثار الجانبية لعلاجات السرطان. في كثير من الأحيان تقدم هذه التقنية راحة أكثر من العلاج الطبيعي والعلاجات السلوكية المعرفية وحدها.

التنويم المغناطيسي وتوفير ملايين الدولارات

يمكن أن يكون التنويم المغناطيسي فعالًا جدًا في تخفيف الآلام، فقد استخدم منذ عام 1992 في العديد من العمليات الجراحية، بما في ذلك الخزعات وتنظير البطن والجراحة التجميلية بديلًا للتخدير العام. هذه التقنية بسيطة، إذ يتلقى المريض تخديرًا موضعيًا خفيفًا ثم يجلس الطبيب بجانبه ويوجهه للتركيز على عالمه الداخلي، والتنفس، ومساعدتهم على جذب انتباههم إلى مكان آمن. الأطباء يساعدون المرضى على استعادة التجارب من الماضي، أو تركيز عقولهم على تلك الذكريات. والفائدة الرئيسية هي تقليل الآثار الجانبية. في هذه الحالة لا يشعر المريض بالنعاس أو أنه تحت تأثير التخدير العام.

Embed from Getty Images

اكتشف جي مونتجمري من كلية إيكان للطب بجبل سيناء بنيويورك أن النساء اللائي تعرضن للتنويم المغناطيسي قبل جراحة سرطان الثدي أبلغن عن ألم أقل وقلق وغثيان وإرهاق أقل بعد ذلك. والفوائد لم تكن مادية فقط. فقد توقع فريقه البحثي أنه إذا كان 90% من الأشخاص الذين يحتاجون إلى خزعة من سرطان الثدي في الولايات المتحدة سيخضعون للتنويم المغناطيسي، فإن ذلك سيوفر أكثر من 135 مليون دولار سنويًا.

إعطاء التنويم المغناطيسي فرصة عادلة في الطب السائد يمكن أن يكون له عوائد كبيرة، وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الألم المزمن يمكن أن يقللوا من استخدامهم لمسكنات الألم من خلال التنويم المغناطيسي. في الولايات المتحدة، يموت أكثر من 130 شخصًا كل يوم بسبب جرعات زائدة من الأدوية التي تحتوي على مسكنات للأدوية الموصوفة بالأدوية، وعلى الأخص المواد الأفيونية.

الاضطرابات العقلية سببها التطور البشري.. أي مستقبل ينتظر الأجيال القادمة؟

استخدامات أكبر للتنويم المغناطيسي في الصحة العقلية.. اضطراب القلق مثالًا

الأمر لا يتعلق هنا بالآلام الجسدية فقط. في الواقع، يرى كثير من الباحثين وعدًا لاستخدام هذه التقنية في الصحة العقلية. تعد اضطرابات القلق من أكثر الحالات شيوعًا في الولايات المتحدة. هذا العام، في أول تحليل من نوعه، حددت كيرا فالنتاين في جامعة هارتفورد بولاية كونيتيكت وزملاؤها تأثير التنويم المغناطيسي في الحد من القلق من خلال تحليل جميع الدراسات التي حصلت عليها حول تدخل التنويم المغناطيسي في علاج القلق.

كانت النتائج مثيرة للإعجاب، إذ أظهرت أن متوسط ​​المشاركين الذين تلقوا التنويم المغناطيسي شهدوا تحسنًا أكبر بنسبة 84% من الأشخاص الذين لم يتلقوا ذلك. ليس هذا فحسب، بل إنه لم يكن هناك فرق في الفائدة بين أولئك الذين استخدموا التنويم المغناطيسي الذاتي وأولئك الذين حصلوا على مساعدة في العلاج بالتنويم المغناطيسي.

التنويم المغناطيسي لا يستخدم فقط للألم والقلق. هذه التقنية تحظى بشعبية متزايدة بوصفها وسيلة لمساعدة الناس على تعلم سلوكيات جديدة أو التخلص من العادات السيئة. على سبيل المثال، في أوائل التسعينيات، أظهرت دراسة حول إنقاص الوزن أن إضافة التنويم المغناطيسي إلى العلاج السلوكي المعرفي ساهم في مساعدة الناس على فقد أوزانهم بنسبة الضعف. هذه الدراسة تبعتها أخرى مشابهة عام 2018 وكانت نتائجها مشجعة على حد سواء.

إذًا.. ما هو التنويم المغناطيسي بالضبط؟

على الرغم من هذه الأدلة المتزايدة على إمكانات التنويم المغناطيسي الكبيرة، لا يزال هناك العديد من الأسئلة حول كيفية عمله بالفعل. لكن ذلك أيضًا بدأ يتغير. يقول العلماء إنه لا يستطيع أي شخص أن يقول «نعم، نحن نعرف بالضبط ما هو التنويم المغناطيسي»، بدلًا من ذلك هم لديهم بعض الأفكار. لا تفكر في التنويم المغناطيسي باعتباره شيء يحرض على حالة واحدة، ولكن باعتباره نظامًا يؤثر على قدرة الدماغ على التكيف والتعلم. إنها مهارة يمكننا استخدامها لمساعدتنا على تغيير رأينا.

Embed from Getty Images

تتيح هذه القدرة على التكيف – والتي تعرف أيضًا باسم «اللدونة» – للمخ تعديل صلاته العصبية وإعادة توصيله بنفسه حتى نتمكن من القيام بسلوكيات جديدة وتذكر معلومات جديدة والتكيف مع مجموعة متنوعة من التجارب التي تثيرها الحياة. هناك أوقات يكون فيها الدماغ أكثر مرونة، على سبيل المثال في السنوات القليلة الأولى من الحياة، أو عندما نواجه مشاعر قوية. من المحتمل أن التنويم المغناطيسي يضع دماغنا في حالة تفضي إلى إعادة التشكيل، ليس بطريقة واحدة محددة، ولكن بطرق عديدة مختلفة اعتمادًا على الفرد والعلاج المقدم.

على سبيل المثال، أظهرت الصور التي التقطها العلماء للمخ خلال فترة الاسترخاء في العلاج بالتنويم المغناطيسي وقوع كبح لنشاط قشرة الدماغ الأمامية، وهي منطقة الدماغ المسؤولة عن التخطيط واتخاذ القرارات والاهتمام. يؤدي هذا إلى إطلاق المكابح في مناطق أخرى من الدماغ المشاركة في تصفية ودمج المعلومات البارزة من داخل وخارج الجسم، والتي نستخدمها لتوليد ذكريات وأفكار وسلوكيات جديدة.

في حالة التنويم يمكننا توليد أحاسيس أكثر حدة في أذهاننا. وجدت ماري إليزابيث فيمونفيل، رئيسة عيادة الألم في مستشفى جامعة لييج في بلجيكا، أن الأشخاص الذين جرى تنويمهم وطلب منهم تخيل ذكرى ممتعة، أظهروا نشاطًا أكبر في مناطق المخ المسؤولة عن الحركة والأحاسيس أكثر من الأشخاص الذين يتخيلون نفس المشهد دون التنويم المغناطيسي.

لم يكن هناك تحفيز حقيقي قادم من العالم الخارجي، لكن أولئك الذين تم تنويمهم كانوا يرون كما لو كانت عيونهم مفتوحة. كانت حالة مشابهة للإدراك الحقيقي. وكلما كانت هذه الأحاسيس المتخيلة أقوى كان من السهل دمجها في سلوك مكتسب.

التنويم المغناطيسي.. وعلاج الألم

عندما يتعلق الأمر بالسيطرة على الألم، يبدو أن التنويم المغناطيسي يساعد بطريقة مختلفة. يتولد إدراك الألم في الدماغ، ونحن نعلم أنه يمكن التأثير عليه. أحيانًا تكسر لاعبة جمباز ساقها في منتصف الطريق خلال الركض لكنها تستمر، أو الأم التي تنقذ طفلها من مبنى محترق قبل ملاحظة إصاباتها الشديدة. يبدو أن التنويم المغناطيسي يسمح لنا بعمل شيء مماثل.

عندما قام أحد الباحثين بتنويم المتطوعين قبل الضغط على راحة يدهم باستخدام جسم حار أو مؤلم، أدى ذلك إلى تقليل حدة الألم المزعجة وشدة الألم بحوالي 50% مقارنة بالأشخاص الذين لم يخضعوا للتنويم، وحوالي %40 مقارنة مع الأشخاص الذين كانوا يقنعون ذاكرتهم بصورة متخيلة ممتعة.

تُظهر نظرة فاحصة على الدماغ في هذا السياق أن التنويم المغناطيسي يقلل النشاط في القشرة الحزامية الأمامية، وهي المنطقة التي تتلقى معلومات عن المنبهات الحسية وترتبط بالمناطق التي تنظم استجابة عاطفية وسلوكية مناسبة. قد يعني انخفاض النشاط في هذا المجال أن إشارات الألم تُعطى انتباهًا أقل من المعتاد.

تشير أبحاث أخرى إلى أن التنويم المغناطيسي يجعل الناس في حالة ذهنية تشبه موجات الدماغ خلالها تلك التي شوهدت خلال تقنيات التأمل العميق. في دراسة صغيرة للأشخاص الذين يعانون من مرض «التصلب العصبي المتعدد» الذين خضعوا للتنويم المغناطيسي لعلاج الألم المزمن، وجد الباحثون أن تعزيز موجات دماغ «ثيتا» الناتجة خلال حالة التنويم زادت من فعالية تخفيف الألم. قد يكون هذا بسبب أن الموجات الدماغية الناتجة خلال التنويم تساعد في قدرة الدماغ على التعلم والتكيف مع المعلومات الجديدة التي يتلقاها أثناء العلاج.

لكن هناك بعض الشكوك

لا تزال بعض الشكوك تدور حول النتائج المتعلقة بفوائد التنويم المغناطيسي قائمة. البعض يجادل أن المشكلة تتعلق بطرق تصميم التجارب نفسها وبالتالي نحن أمام جدل ربما يحسمه العلماء في السنوات القادمة. هناك عدد من التجارب صممت بشكل سيئ بحيث لم تتمكن من الوصول إلى إجابة أكثر تحديدًا.

وجدت تجربة أجريت عام 2015 أن تقنية التنويم المغناطيسي لم تحدث فرقًا كبيرًا فيما يتعلق بقلة الإحساس بالألم عند النساء وقت الولادة. لكن التجربة أشارت على الأقل إلى أن التنويم المغناطيسي قلل بشكل كبير من مستويات الخوف والقلق المبلغ عنها. لاحظ أننا لا نتحدث عن عدم فائدة التنويم المغناطيسي بشكل عام، ولكن عن طبيعة الفوائد المتوقعة منه.

في يونيو (حزيران) 2019، نشرت جيمي هارتمان بويس من جامعة أكسفورد وزملاؤها مراجعة 14 دراسة تحلل استخدام التنويم المغناطيسي لمساعدة الناس على الإقلاع عن التدخين، وكانت المحصلة أنهم لم يجدوا أدلة كافية للتوصية باستخدام التنويم المغناطيسي في تغيير العادات والسلوك.

وذكرت هارتمان أن المشكلة لم تكمن في أن التنويم المغناطيسي لم يساعد، ولكن في كون التجارب كانت في حالة من الفوضى. من الأمثلة على هذه الفوضى، أن الباحثين في هذه التجارب كان لديهم الكثير من التحيز، وكانوا غير دقيقين أو كان لديهم عدد قليل جدًا من المشاركين. هذا الأمر قضية مهمة، ونحتاج الآن إلى تجارب أكبر وأفضل حتى نتمكن من إثبات فوائد التنويم المغناطيسي المتعددة بشكل قاطع.

إحداها عن التنويم المغناطيسي.. أشهر 10 خرافات في علم النفس

المصادر

تحميل المزيد