ما هو أسوأ سيناريو قد يواجه جسم الإنسان؟ بالتأكيد نقص الأكسجين هو أحد السيناريوهات المرعبة التي يخشاها البشر، فالإنسان يمكنه التخلي عن الطعام لأسبوع أو أسبوعين، ويمكنه تحمل فقدان المياه لثلاثة أيام، لكنه لا يستطيع العيش دون الأكسجين سوى لدقائق معدودة.

نقص الأكسجين عند البشر يمكن أن يتسبب في مشاكل كبيرة لأعضاء مختلفة في الجسم، أبرزها المخ الذي لا يستطيع العيش دون إمداد متصل بالأكسجين لعدة دقائق، وهو ما قد يؤدي إلى أعراض كارثية تصل إلى الوفاة، لكن وللمفاجأة في بعض الحالات يلجأ الأطباء والمختصون إلى استخدام نقص الأكسجين كوسيلة للعلاج وتسريع عمليات الشفاء، وهذا هو محور حديثنا في هذا التقرير.

ماذا تعرف عن الأكسجين؟

قبل أن نبدأ في الحديث عن فوائد نقص الأكسجين العلاجية، ربما علينا أن نتعرف أكثر على الأكسجين وأهميته لجسم الإنسان، فالأكسجين هو أهم عنصر للكائنات الحية؛ لأنه يحافظ على الحياة ذاتها على كوكب الأرض، وبالنسبة للبشر فإن حوالي 90% من أنشطتنا البيوكيميائية وعملية التمثيل الغذائي تحتاج إلى الأكسجين.

نحن نعرف أننا عندما نتنفس فإننا نسحب الأكسجين من الهواء الجوي، وندخله إلى مجرى الدم عبر عملية تبادل الغازات التي تحدث في الرئتين، لكن ما لا يعرفه البعض هو ما يحدث بعد ذلك، إذ ينتقل الأكسجين إلى كرات الدم الحمراء عبر ارتباطه بمادة الهيموجلوبين ليُنقل إلى جميع خلايا الجسم حرفيًا.

الأكسجين حيوي لعمليات أكسدة الطعام من أجل الحصول على الطاقة والحرارة اللازمتين لأداء المهام اليومية في الحياة، وهي العملية التي تعرف باسم «التنفس الخلوي»، التي تقوم فيها الخلايا بحرق السكريات عبر الأكسجين وتحويلها إلى طاقة، وتشير التقديرات إلى أن الأكسجين يشكل حوالي 65% من كتلة الجسم، وهو مسؤول عن تنظيم معظم وظائف الجسم.

بالنسبة للدماغ، فبينما يشكل مخك 2% فقط من إجمالي وزن جسمك، فإنه يحصل على 20% من إجمالي استهلاك الجسم للأكسجين؛ لأنه عضو يحتاج إلى الكثير من الطاقة، وإذا لم يكن لديك أكسجين لمدة خمس دقائق فقط، فستبدأ خلايا دماغك في الموت؛ مما يعني حدوث تلف شديد في الدماغ.

نقص الأكسجين.. ظواهر غريبة!

أحد أبرز الأمثلة التي نلاحظ فيها مشكلة نقص الأكسجين ترتبط بمتسلقي الجبال، أولئك الناس يتعرضون لعملية نقص أكسجين تدريجية كلما ارتفعوا لأعلى (الأكسجين يقل في الغلاف الجوي كلما صعدنا لأعلى)، لكن عند الوصول إلى ارتفاع 8 آلاف متر، فإن الإنسان يصل إلى ما تسمى «منطقة الموت»، حيث يؤدي نقص الأكسجين إلى إعاقة قدرة المتسلقين على الحكم وأخذ القرارات، ويزيد من خطر تعرضهم لأزمة قلبية وسكتة دماغية.

أثبت المتسلقون مع مرور الوقت أن بإمكانهم تحمل فترات طويلة من انخفاض الأكسجين، ويبدو أن الأشخاص الذين يعيشون على ارتفاع كبير يتمتعون بصحة أفضل في المتوسط​​ من أولئك الذين يعيشون بالقرب من مستوى سطح البحر، فهؤلاء الساكنون على الارتفاعات الكبيرة لديهم معدلات نسبية أقل من مرض السكري، وأمراض القلب، والأوعية الدموية، وأنواع معينة من السرطان، مثل سرطان الثدي، وسرطان الغدد الليمفاوية.

من هنا بدأت تثار التساؤلات حول إمكانية تعريض الناس لنقص الأكسجين بشكل مقصود للحصول على بعض الفوائد، وهو ما يبدو للوهلة الأولى أنه يتعارض مع النظرة الطبية التقليدية لنقص الأكسجين، وما يسببه من مشاكل لجسم الإنسان، لكن يبدو أن تعريض الجسم البشري بشكل تدريجي مدروس لنقص الأكسجين يمكنه أن يقدم فوائد كبيرة للناس.

فوائد نقص الأكسجين

في عام 2019 مُنحت جائزة نوبل في الطب لباحثين بريطانيين وأمريكيين، والذين حددوا الجزيئات الرئيسة المسماة بالعوامل المحفزة لنقص الأكسجة (HIFs)، وهي الجزيئات التي تتكاثر عندما تنخفض إمدادات الأكسجين، وهذا يعني أن أجسادنا معدة بالفعل للتكيف مع الاختلافات في نقص الأكسجين، فلماذا لا نستغل هذا الأمر؟

 علاج الربو

في ثلاثينات القرن الماضي، قام الطيارون العسكريون الروس بالتحليق باستخدام الطائرات ذات قمرة القيادة المفتوحة بعد الخضوع لتدريبات التأقلم مع الارتفاع، وخلال هذه الجلسات، لاحظ الأطباء أن نوبات نقص الأكسجين تساعد في الشفاء من حالات مرضية تتراوح من الربو إلى ارتفاع ضغط الدم.

تجديد خلايا القلب

عام 2017 أبلغ باحثون في أمريكا عن اكتشاف غريب. فعندما أبقوا الفئران في غرفة ذات مستويات أكسجين متناقصة لاحظوا أنه بعد قضاء الفئران أسبوعين في حالة تنفس هواء بنسبة 7% من الأكسجين (نسبة الأكسجين في الهواء حوالي 21%، ونسبة 7% هي نفس النسبة الموجودة في الهواء على قمة إفرست) فإن خلايا قلبهم بدأت في النمو والانقسام. كان هذا مفاجئًا لأن قلوب الثدييات البالغة لا تستطيع عادةً تكوين خلايا وأنسجة جديدة كافية لتجديد نفسها، وهذا هو السبب في أن النوبات القلبية تكون مميتة.

ربط الباحثون هذا الاكتشاف بقدرة الأجنة في بطون أمهاتهم على تجديد خلايا قلوبهم، وهي القدرة التي يفقدونها بعد الولادة، ورجح العلماء أن هذا الأمر مرتبط ببيئة نقص الأكسجين بشكل عام في الرحم، وبالتالي يمكن إكساب البشر هذه القدرة عبر حرمانهم من الأكسجين.

مرضى الحبل الشوكي

على مدى السنوات القليلة الماضية، اكتشف فريق بحثي أمريكي أن تنفس المرضى المصابين في نخاعهم الشوكي للهواء قليل الأكسجين (الهواء الرقيق) له فوائد كبيرة، ونتيجة إصابتهم في النخاع الشوكي يحتاج هؤلاء المرضى إلى أجهزة تنفس صناعي لمساعدتهم على التنفس، لكن يبدو أن استهلاك الهواء الرقيق يجعلهم أقل اعتمادًا على هذه الأجهزة، بل تتحسن أيضًا قدرتهم على المشي والإمساك بالأشياء، فقد اكتشف الفريق البحثي أن نقص الأكسجين يؤدي إلى إطلاق عوامل معينة تقوي الوصلات العصبية؛ مما يساعد على تقوية المسارات العصبية بين الدماغ والحبل الشوكي.

نمو الأوعية الدموية

هناك أيضًا بعض الأدلة التي تشير إلى أن نقص الأكسجين يمكن أن يحفز نمو الأوعية الدموية الجديدة حول القلب، وقد يساعد ذلك في تفسير السبب في أن العيش على ارتفاعات عالية يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

التنكس العصبي

قد يساعد العلاج باستخدام نقص الأكسجين في تقليل الضعف الإدراكي المرتبط بمرض «التنكس العصبي»، كما ظهرت دلائل إيجابية مشابهة في اضطرابات مرضية أخرى مثل التصلب الجانبي الضموري، والتصلب المتعدد، والسكتة الدماغية.

نقص الأكسجين وعلاج السمنة

الفوائد تذهب أبعد من ذلك؛ إذ إن أحد مجالات الاهتمام الخاص بنقص الأكسجين العلاجي هو فقدان الوزن؛ فالأبحاث تظهر أن الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الجبلية هم أقل عرضة للإصابة بالسمنة، وأن سكان الأراضي المنخفضة الذين يتسلقون الجبال في كثير من الأحيان يفقدون الوزن، وربما يقول البعض إن السبب في ذلك هو أن الأشخاص الذين يفضلون العيش في الجبال يميلون إلى أن يكونوا أكثر نشاطًا بدنيًا بحكم بيئتهم الصعبة، أو ببساطة لأن تسلق الجبل هو عمل شاق.

هذا صحيح جزئيًا، لكن الباحثين يقولون إن القصة أكبر من ذلك. في عام 1985 قام الجيش الأمريكي بمحاكاة رحلة استكشافية لتسلق الجبال لمدة 40 يومًا في غرفة نقص الأكسجين، وزود المتطوعين بوجبات غير محدودة، دون شرط ممارسة الرياضة، وفقد المشاركون 7.5 كجم خلال هذه الـ40 يومًا، والأمر نفسه تكرر عندما تطوع مصابون بالسمنة لقضاء أسبوع في أماكن مريحة على ارتفاع 2650 متر؛ إذ فقدو 1.3 كيلوجرام رغم عدم ممارسة الرياضة، وتناول طعام لا محدود.

يعتقد الباحثون أن نقص الأكسجين يؤدي إلى فقدان الوزن بطريقتين. أولًا، يبدو أنه يجعل الناس أقل جوعًا، والسبب هنا غير واضح حتى الآن، وثانيًا، يبدو أن نقص الأكسجين يؤدي أيضًا إلى تغيرات هرمونية تزيد من معدل الأيض (مجموعة من التفاعلات الكيميائية تحدث داخل خلايا الكائن بهدف الحفاظ على الحياة، لذلك نحرق المزيد من السعرات الحرارية بنسبة تصل إلى 30% أو أكثر.

نقص الأكسجين.. الفوائد مقابل العيوب

كل ما سبق يبدو أنه مشجع لنا للتوجه نحو الجبال لمعالجة أمراضنا المختلفة عبر التعرض لنقص الأكسجين، لكن هذا ليس صحيحًا؛ فالأمر ليس بهذه السهولة – على سبيل المثال – لأن الحصول على فوائد نقص الأكسجين بخصوص فقدان الوزن يرتبط بقضاء وقت طويل نسبيًا في هذه البيئة، وليس مجرد الذهاب في نزهة بنهاية الأسبوع.

أضف إلى هذا أنه ليس معنى أن الجسم قادر على التكيف، فإنه لا توجد أضرار عليه؛ فنقص الأكسجين حتى في الأفراد المعتادين على العيش في ارتفاعات عالية – بحسب دراسات – يسبب مشاكل مختلفة للأوعية الدموية، وبعض أعضاء الجسم، فما بالك بالذين يتعرضون لهذا الأمر بشكل غير معتاد.

هذا يعني أنه عند اللجوء إلى هذا الخيار، فيجب حساب الفوائد مقابل التكلفة. العلاج من بعض الأمراض مثل التنكس العصبي ربما يحتاج لهذه المغامرة، لكن فقدان الوزن يبدو رفاهية لا تستحق التضحية بشيء مقابل.

الخلاصة هنا أنه من المؤكد وجود فوائد طبية متعددة لنقص الأكسجين، لكن لابد عن الأخذ في الاعتبار نقطتين مهمتين، الأولى هي أنه ليس كل البشر قادرين على تحمل نقص الأكسجين بسهولة، والثانية هي أن هناك ضريبة قد تضطر لدفعها، لذلك يجب حساب الأضرار والفوائد، تمامًا مثل مريض السرطان الذي يلجأ لتجربة سريرية جديدة للعلاج.

صحة

منذ شهرين
هل تشعر بالفراغ رغم كل مشاغلك؟ احترس فصحتك العقلية ربما تكون في خطر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد