لا يختلف اثنان في أن إنصاف الإنسان بالوعي هو نعمة جليلة. لكن في المقابل، لا تخلو تلك النعمة من نقم. فالوعي الشديد بالظروف الصعبة، وتفاصيل الآلام والمعاناة، يُورِثُ صاحبَ الوعي الهمَّ والحزن وضيقَ الصدر، وانقباض الأفق.  ولعل هذا ما ينطبق تمامًا على موسوعة عصره، وأحد أبرز من أنجبتهم الأندلس في تاريخها، لسان الدين بن الخطيب، الشاعر والمؤرخ والسياسي والفيلسوف والطبيب، الذي كان شاهدًا على الفصل الأخير من تاريخ الأندلس الإسلامية وشهد شعلة حضارتها، وتكاثف سحب الفناء عليها. 

جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ همى يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ

لم يكُن وصلُكَ إلا حُلُما بالكرى أو خلسة المُختلِسِ

*من أبيات مُوَشَّح «جادك الغيث»

لم يكتفِ لسان الدين الخطيب برثاء ماضي الأندلس، وبكاء حاضرها المشوب بنُذُر الفناء، أو الانصراف إلى بطون الكتب، وفنون المخطوطات، وعجائب الأفكار؛ وإنما دفعه الطموح إلى خوض غمار الواقع، وامتطاء صهوة السياسة، ومجابهة دسائسها ومؤامراتها وتقلباتها.

فكانت حياته حافلة بالعلم والعمل، والنجاح والفشل، والملهاة والمأساة، والعلو إلى الذروة في سماء غرناطة، ثم السقوط على أرض زنزانةٍ رطبة في مدينة فاس المغربية، وقد لفظ آخر أنفاسه، بعد أن انتُزِعَت روحُه خنقًا في الظلام الحالك، قبل أن تلتهمَ النيران جسده الساكن، ثم يُدفن رماد تلك الشعلة الأندلسية العبقرية في باب المحروق بمدينة فاس المغربية.

ابن الخطيب.. شاهدٌ على الأندلس

اسمه الحقيقي محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني. وُلد عام 1313م = 713هـ في جنوب الأندلس، وبالتحديد في مدينة لوشة الصغيرة التابعة لغرناطة، في عهد دولة النصريين، أو بني الأحمر، الذين كانت مملكتهم الصغيرة في أقصى جنوب الأندلس، هي آخر البقاع الإسلامية في الأندلس صمودًا أمام خطر الفناء المُحدِق الذي تمثَّل في حرب الاسترداد الإسبانية المسيحية المستمرة.

مدينة لوشة الإسبانية، المصدر: بلاين هاريجنتون

يذكر لسان الدين الخطيب في سيرته أن أصول أسرته تعود إلى قرطبة، والتي غادرها أجداده إلى طليطلة بعد فشل ثورة الربض عام 202هـ، وتهجير الكثير من الثائرين منها. ثم لاحقًا استوطن جده سعيد مدينة لوشة التي وُلد بها، وكان من أعلامها، لكنه تعرض لفاجعة مؤلمة أثناء اجتياح الإسبان الواسع للأندلس في النصف الأول من القرن السابع الهجري؛ إذ استرقَّ الإسبان زوجته، ولم يفلح في استعادتها، رغم توسط بعض ملوك المسلمين له لدى ملكة قشتالة.

وقد حظي والده لدى ملوك غرناطة، فأنعموا عليه بالمناصب والأموال، فعاش في ترفٍ ونعمة، لا سيما وقد أظهر لهم الإخلاص. أتاحت تلك الحظوة لابن الخطيب أن يتقدم سريعًا في المناصب بمجرد بلوغه سن الشباب، وظهور مواهبه في الكتابة وطلب العلم. فترقى سريعًا حتى أصبح وزيرًا نافذًا، لا سيما في عصر سلطان غرناطة محمد الغني بالله. 

وقعت النكبة السياسية الأولى في حياة الرجل عام 760هـ = 1359م، عندما نفَّذ إسماعيل أخو السلطان محمد الغني بالله انقلابًا ناجحًا، انتزع به العرش، وكان نصيب الوزير ابن الخطيب من هذا الانقلاب هو مصادرة أمواله وممتلكاته، وإلقاءه في السجن. 

بعد أسابيع قليلة، نجح سلطان المغرب، أبو سالم المريني، في إقناع سلطان غرناطة الجديد بالعفو عن السلطان المخلوع، ووزيره، وإرسالهما إلى حاضرة ملكه، مدينة فاس، ليستقبلهما في العام التالي بحفاوة بالغة. وهناك في فاس، ألهب ابن الخطيب حماسة سلطان المغرب بقصيدة يستحثُّهُ فيها على نصرة السلطان محمد الغني بالله، وإعادته إلى عرشه المسلوب.

لكن ما لبث السلطان أبو سالم المريني أن قُتل في انقلاب مفاجئ، لكن لحسن حظ لسان الدين، وقعت بعد وقت قصير اضطراباتٍ كبيرة في غرناطة أسفرت عن موت ملك غرناطة إسماعيل النصري، فاستغل السلطان المنفي محمد الغني، ووزيره ابن الخطيب تلك الفرصة، وانتزعا ملك غرناطة عام 763هـ = 1361م. وعاد لسان الدين إلى وزارته قوى الجانب والنفوذ كما كان.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
ثورة الربض.. قصة انتفاضة شعبية «فاشلة» ضد الحكم الأموي في الأندلس

كان لسان الدين يتابع أحوال ممالك إسبانيا المسيحية باهتمامٍ بالغ، وقد تجلَّى ذلك أثناء الحرب الأهلية الكبرى التي دارت في قشتالة أواخر عهد بيدرو القاسي، والتي شاركت فيها بقوة قوات مسيحية كبيرة من فرنسا وإنجلترا؛ فخشي ابن الخطيب أن تسفر تلك الحرب عن حلف صليبي متحد يغزو غرناطة، فراسل ملوك المغرب، لا سيَّما ملك تلمسان، الذي تأثر بقوة بيان رسالة ابن الخطيب إليه، فأرسل إمدادات كبيرة ومتنوعة إلى غرناطة لدعم صمودها في وجه أي عدوانٍ محتمل.

وكان ابن الخطيب دائم القلق لمصير مملكة غرناطة، وكان يستشعر قرب نهايتها مع مرور الوقت، وقد صدقت الأيام مخاوفه بعد قرنٍ من وفاته. ولهذا السبب نصح أولاده في أواخر حياته بألا يقتنوا الممتلكات في غرناطة؛ خشية ضياعها. وفي فترة وزارة ابن الخطيب للسلطان الغني بالله، غزت جيوش غرناطة أطراف مملكة قشتالة القريبة منها، واستعادت بعض الحصون والثغور المهمة القريبة من غرناطة، مستغلة حالة الاضطراب التي عصفت بقشتالة نتيجة الحرب الأهلية. 

مؤرخ وطبيب.. وجوه ابن الخطيب المتعددة

«فإني لمَّا فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه فضل النشاط، مع الالتزام لمراعاة السياسة السلطانية والارتباط، والتفتُّ إليه، فراقني منه صوان درر، ومطلع غرر، قد تخلَّدت مآثرهم بعد ذهاب أعيانهم، وانتشرت مفاخرهم بعد انطواء زمانهم، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب، ولباس تلك الأثواب، وقنعت باجتماع الشَّمل بهم ولو في الكتاب. وحرصت على أن أنال منهم قربًا، وأخذت من أعقابهم أدبًا وحبًّا». *ابن الخطيب في مقدمة الفصل الأخير من كتاب «الإحاطة»

لابن الخطيب العديد من المؤلفات الثمينة في علومٍ شتي، والتي يحتاج تسليط الأضواء عليها إلى مساحاتٍ كبيرة، ولذا سنكتفي بالإشارة إلى اثنيْن من أبرزها، هما كتابيه: «الإحاطة في أخبار غرناطة» و«مُقنعةُ السائل عن المرض الهائل».

في الموسوعة التاريخية المعروفة، «الإحاطة في أخبار غرناطة»، جمع ابن الخطيب الكثير من المعلومات عن مدينة غرناطة، وأهم الأحداث في تاريخها، وسير أبرز الشخصيات الأندلسية والمغاربية التي لعبت أدوارًا بارزة في غرناطة، ثم اختتمه بفصلٍ دوَّن فيه سيرته الذاتية، ذكر في مقدمته أن ما دفعه لذلك هو الرغبة في مجاورة عظماء غرناطة السالفين ولو بين دفتيْ كتاب.  

Embed from Getty Images

أما الكتاب الثاني، فهو «مُقنعةُ السائل عن المرض الهائل»، والذي لا بد من الإشارة إليه ونحن الآن في قلب زمن وباء كورونا الذي يعصف بالعالم، ففي كتابه هذا، وصف ابن الخطيب الطاعون الأسود الخطير الذي عاصره بين عامي 1347م-1351م، وشهد كيف فتك بأرواح الملايين من البشر في معظم العالم المعروف.

في ذلك الكتاب أشار ابن الخطيب إلى دور العدوى في انتشار هذا الطاعون، وقُدرتها على الانتقال عبر الملابس، أو الاتصال المباشر بين المرضى والأصحاء، وهي أفكار سابقة في زمانها، لا سيَّما وقد وردت قبل زمن تجارب العالم الفرنسي الشهير لويس باستير عن العدوى بعدة قرون.

ابن الخطيب وابن خلدون.. كيف تقاطعت المسارات وكيف اختلفت؟

«لسان الدين بن الخطيب، هو مؤرخ الدولة النصرية، وأعظم كتاب الأندلس وشعرائها يومئذ. وكان هذا المفكر البارع، أحد رجلين عظيمين شغلا يومئذ في الغرب الإسلامى، مركز الصدارة في التفكير والكتابة، هما ابن خلدون وابن الخطيب». *د. محمد عبد الله عنان، في تاريخ دولة الإسلام في الأندلس

لم يكن ابن الخطيب هو عالم عصره الوحيد، فقد شهد ذلك الزمن نابغةً فاقت شهرته إلى يومنا هذا ابن الخطيب، وهو المؤرخ الشهير، وأحد روَّاد الاجتماع الإنساني، عبد الرحمن بن خلدون، والذي تقلبت به طموحاته السياسية والعلمية كثيرًا كابن الخطيب، بل ذهبت به شرقًا وغربًا، من الإسكندرية إلى غرناطة وما بينهما.

تشابهت الحياة السياسية للرجليْن كثيرًا، فقد انغمس كل منهما في بلاط حكومات ذلك الزمان المليء بالمؤامرات والانقلابات والسعايات، لا سيَّما بلاطا فاس وغرناطة، ونال كل منهما كافة وجوه الحظ، من الجاه والوزارة وعلو المقام، إلى السجن والنفي والجحود.

 تقاطعت مسارات الرجليْن للمرة الأولى في مدينة فاس عاصمة المرينيين، أثناء المنفى الأول لابن الخطيب، حيث كان لابن خلدون آنذاك شأنٌ كبير في بلاط بني مرين، وعلا نجمه في مجال العلم والأدب والفكر. فلم يكن مستغربًا أن تنشأ صداقة قوية بين هاتيْن القامتيْنِ آنذاك.

ثم كان اللقاء الثاني بعد سنوات قليلة في بلاط مملكة غرناطة، حيث أحسن السلطان محمد الغني بالله استقبال ابن خلدون الذي غادر المغرب حانقًا من تبدُّل حظوظه فيها، فساقه طموحُه إلى غرناطة، والتي أوفده سلطانها في سفارةٍ كبيرة إلى بيدرو ملك قشتالة في قصره بمدينة إشبيلية الأندلسية، والتي مضى على سقوطها أكثر من قرن، فأدى المؤرخ والسياسي الحاذق دوره ببراعة، وأسهمت سفارته في تعزيز علاقات السلم والموادعة آنذاك بين قشتالة وغرناطة، فارتفعت أسهم ابن خلدون كثيرًا لدى الغني بالله بعد عودته.

هنا يتحدث المؤرخون عن بداية تبدُّل العلاقة بين الرجليْن، إذ بدأ ابن الخطيب يرى في علو نجم ابن خلدون خطرًا محتملًا على مكانته ونفوذه، فأخذ يوغر صدر السلطان محمد ضد ابن خلدون، لا سيَّما وقد حاول الأخير دفع السلطان لإجراء تغييرات جذرية في هيكل الإدارة والسياسة في غرناطة، وقد نجحت مساعي ابن الخطيب، وعاد ابن خلدون إلى الجهة المقابلة من البحر المتوسط.

رغم ذلك، لم يتردد ابن خلدون في محاولة التشفُّع في خصمه ابن الخطيب، والدفاع عن أفكاره، وذلك أثناء نكبته الكبرى التي نتناولها تاليًا.

فصل النهاية.. هذا ما جنته السياسة على ابن الخطيب

اضطر ابن الخطيب عام 1371م = 773هـ، إلى الفرار من غرناطة إلى المغرب، فقد توسَّعت دائرة خصوماته رأسيًّا وأفقيًّا في غرناطة، لا سيَّما مع اشتداد قبضته في موقع الوزارة، وجنوحه في السنوات الأخيرة للاستبداد، ومحاولة الانفراد بمقاليد الحكم والتأثير، حتى وصل الأمر إلى انقلاب بعض أبرز خلصائه ضده، وفي مقدمتهم الكاتب ابن زمرك، والذي نجح مع آخرين من خصوم ابن الخطيب في إفساد علاقته بالسلطان محمد الغني بالله.

لوحة تذكارية في مدينة لوشة الإسبانية تخلد ذكرى ابن الخطيب

في المغرب، أحسن حلفاءُ ابن الخطيب استقباله، ونعم بالأمن إلى حين. لكن لم يسكنْ خصوم ابن الخطيب في الضفة الأخرى إلى منفاه الاختياري، فقد كانوا يخشون من طموحاته التي لا تنطفئ، والتي قد تحمله على صهوتها مع أي انقلاب في التوازنات الدقيقة على جانبي البحر المتوسط، فيعود إلى غرناطة لينتقم ممن أجبروه على الرحيل، كما عاد ظافرًا قبل سنوات من المغرب، وللمفارقة مع السلطان نفسه محمد الغني بالله الذي أصبح الآن يطلب رأسَه مع الطالبين.

استخدم هؤلاء الخصوم سلاحًا فتاكًا هذه المرة؛ فقد أصدروا فتوى يرمون فيها ابن الخطيب بالزندقة والكفر، ارتكزت على إسهامات لسان الدين في الفلسفة والتصوف. دافع ابن الخطيب عن نفسه مرارًا وتكرارًا في رسائل وخطب عديدة.

لكن الطامة بالنسبة لابن الخطيب وقعت عندما أطاح انقلاب مدعومٌ من غرناطة السلطان المريني الذي أحاطه بحمايته، فألقى الحكام الجدد القبض على ابن الخطيب إرضاء لحلفائهم في غرناطة، وألقوا به في السجن.

عُقِدت محاكمة استثنائية لابن الخطيب عام 776هـ = 1374م في مدينة فاس، وشهدها بعض رسل غرناطة، ومنهم صديقه السابق ابن زمرك، ويبدو أن الأحكام كانت جاهزة في ثنايا تلك المحاكمة الصورية، فلم تُفلح دفاعات ابن الخطيب المستميتة في دفع مصيره، رغم اختلاف آراء العلماء المسلمين الذين طُلب رأيهم في تلك القضية. 

وفي إحدى الليالي الحالكة، هجم القتلة على ابن الخطيب في زنزانته، وقتلوه خنقًا، ودُفن بباب المحروق بمدينة فاس، رماد جثته التي أُحرقت بعد موته تشفيًا. 

تاريخ

منذ 9 شهور
أصل الحكاية.. هكذا بدأ سقوط الأندلس منذ اليوم الأول للفتح!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد