ما الذي يحدد الدولة؟ هل هم الناس؟ لن يكون هذا دقيقًا، والدليل على ذلك وجود جماعات كثيرة في مختلف أرجاء العالم ليس معترفًا بهم أو بمحاولاتهم لإقامة دولة خاصة بهم.

هل هي المساحة الجغرافية؟ ربما يفسر ذلك سبب الصراعات المحتدمة بين الدول على الشجيرة الصغيرة الواقعة على الحدود بينهم، لكنه ليس كافيًا لإقامة دولة.

في الواقع، كان هذا السؤال – وما زال حتى الآن – موضع جدل بين كثير من المفكرين والفلاسفة، لكن حديثنا هنا عن رؤية فيلسوفٍ بعينه، هو مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون.

عرض ابن خلدون نظريته عن دورة حياة الدولة، في صفحات «المقدمة» الأشهر لمؤلَّفه التاريخي الاجتماعي الضخم، والذي يعد من أبرز المنتجات العلمية التي قدمتها الحضارة العربية. وبعده بقرون، قدم توماس كول – الرسام الأمريكي الشهير برسمه للمناظر الطبيعية والمساحات – وجهة نظره عن دورة حياة الدولة، فيما يعده البعض تمثيلًا لنظرية ابن خلدون في لوحات فنية بديعة.

مفهوم الدولة

تعرض مفهوم الدولة للتغير على مدار الوقت، كذلك فقد اختلف – وبشكل كبير – عند العرب عما هو عند الغرب. فإذا نظرنا لأصل كلمة «state» سنجدها تعود لكلمة «status»، والتي كانت تعني باللاتينية الحالة أو طريقة العيش، وهي تدل على الثبات والاستقرار بشكل كبير.

لكن في الحضارة العربية، إذا رجعنا لابن منظور صاحب كتاب «لسان العرب»، سنجد كلمة «دولة» تعني الانتقال من حال إلى أخرى.

حول هذا التضاد، يقول إدمون رباط، المفكر السوري صاحب الفكر القومي العربي، أنه يعكس اختلاف الفكر العربي والغربي، فبالنسبة للعرب فالدولة خير تعبير عن الحكم، الذي كانوا يرون أنه لا يدوم ودائم التبدل، عكس الغربيين الذين رأوا أن الحكم لا بد وأن يظل ثابتًا وقائمًا.

وربما يعود دعم الغرب لفكرة الثبات والديمومة إلى أن أغلب الممالك في القرون الوسطى حكمت باسم الدين، واستمد الحاكم فيها سلطته من السماء، فكان لا بد لها من البقاء والدوام، وهذا المنطلق لا يوجد في الحضارة العربية.

فلسفة

منذ سنة واحدة
«فورين أفيرز»: كيف وصف ماكس فيبر مشكلات الساسة الحالية منذ 100 عام؟

بل إن العرب كانوا يستخدمون لفظ دولة للتعبير عن التغير والتبدل، فكان يقال تداول الغلبة والسيطرة بين قوم وقوم آخرين ينازعونهم في الحرب أو المال. فالدولة في الحرب أن تدل إحدى الفئتين على الأخرى، وهنا يظهر الفكر العربي فيما يخص الحكم، فهو يتداول بين قوم وقوم، وليس مرتبطًا بالدعم من السماء، فقبل أن يكتسب المصطلح مفهومه السياسي المتعارف كان يعني في الأساس الدور. على سبيل المثال، يأتي لفلان دوره في المال والسلطان ثم ينتهي دوره.

الجدير بالذكر أن لفظ «دولة» لم يرد في القرآن الكريم إلا مرتين، {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} و{تلك الأيّام نداولها بين الناس}، وهذا يدل على أن العرب لم يكن لديهم مصطلح الدولة بشكلها السياسي المؤسسي قبل الإسلام، باعتبار أن نظام الحكم المنتشر وقتها كان النظام القبلي، وأقرب شكل من أشكال الدولة كان نظام المدينة القريب من المدن الإغريقية.

استطرد ابن خلدون في شرحه للدولة وعدَّها: «ظاهرة في كل مرة تنتهي فيها الدورة السياسية»، ليتماشى مع الفكر العربي بشكل عام أنها ليست بالدائمة ولا بالمستقرة، ولينطلق من فكرة أوسع وأشمل؛ هي عدم ثبات الظواهر الاجتماعية في العموم.

يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: «إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فإن ذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول».

الدولة عند ابن خلدون

يحسب لابن خلدون أنه أول من استخدم لفظ الدولة بصفته تعبيرًا سياسيًّا في الوقت الذي لم يكن له أي مدلول سياسي في الغرب، وعلى الرغم من استخدامها رمزًا سياسيًّا فإنه كان يعامل الدولة معاملة الكائن الحي، وهو ما يظهر في العديد من الأمثلة في مقدمته الشهيرة.

«لأن الرعايا تبع للدولة فيرجعون إلى خلق الدولة، إما طوعًا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم، أو كرهًا لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف».

*ابن خلدون

يقول ابن خلدون: «العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس»، فالدولة عنده بوصفها ظاهرة اجتماعية تمر بمراحل عديدة ولها عمر مثل عمر الإنسان. وبناء على تشبيهه الدولة بالإنسان، توسع ابن خلدون وحلَّق في سماء الفكر ليصل لعديد من الاستنتاجات، فالدولة لها عمر وتتعرض لعوامل قد تساعد في نموها، أو قد تؤدي إلى هلاكها.

بل إن ابن خلدون يرى أن الدولة – مثلها مثل الإنسان – لها مزاج خاص، فهي تقسو وترفق، فيقول صاحب المقدمة: «الدولة في أول أمرها لا بد لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في أيالتها»، وبناء على ذلك فإن المواطنين في هذه الدولة يتأثرون بهذا المزاج «لأن الرعايا تبع للدولة فيرجعون إلى خلق الدولة، إما طوعًا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم، أو كرهًا لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف».

ويتطرق ابن خلدون في مقدمته، وقد خصص ما يقرب من ثلث المقدمة للحديث عنها، لعناصر الدولة كالشعب والأرض والسلطة. كما يطرح أنظمة الحكم التي عاصرها وشهدها، بصفته قد وُلد في تونس وأقام في المغرب ومصر، وعرف أخبار البلاد والأمصار من حوله. إلا أن ما يهمنا من طرح عبد الرحمن بن خلدون هو تطرقه لعمر الدولة ومراحل حياتها.

أطوار الدولة الخمسة عند ابن خلدون

قال ابن خلدون إن للدولة خمسة أطوار:

الطور الأول:

هو طور النشأة والتأسيس، وتكون الدولة حديثة العهد، ويكون الحاكم فيها قريبًا من عشيرته يحاول تثبيت أركان الدولة. يتميز هذا الطور بالبداوة، وانخفاض مستوى المعيشة، فالدولة الجديدة لم تعرف الترف بعد، ولم تذق الرفاهية.

الطور الثاني:

يعد طور الانفراد بالحكم، فابن خلدون يرى أنَّ الانفراد بالسلطة ميل طبيعي وفطري لدى البشر؛ ولذا فإن الحاكم عندما يرى ملكه قد استقر يعمل على الانفراد بالحكم، ويبدأ بقمع عشيرته والانعزال عنهم. مع العلم أن الدولة لا تدخل في هذا الطور الثاني إلا مع ثاني أو ثالث حاكم، حيث تكون الأمور أكثر استقرارًا.

الطور الثالث:

يعد طور الدعة والفراغ، هذا الطور الذي يجري فيه جني الثمار التي زرعها الحكام السابقون، فالدولة في هذه المرحلة تكون في قمة مجدها وقوتها. يبدأ الحاكم ببناء الصرح العظيم، وجمع الثروات وتخليد الأمجاد. ويعد هذا الطور أقصى ما ستصل له الدولة في دورة حياتها.

الطور الرابع:

طور المسالمة والقنوع، ويعد مرحلة الجمود  والثبات، فالحاكم يقنع بأمجاد أسلافه ولا يحاول التفوق عليها أو حتى مجاراتها. فتكون الدولة في حالة من الثبات وكأنها تنتظر نهايتها.

الطور الخامس:

هو طور الإسراف والتبذير، وهنا يحدث انهيار الدولة بعد أن ضعف الحكام وانغمسوا في الملذات وخضعوا للشهوات، وتبدأ الدولة بالتحلل والوقوع في الفوضى مع الوقت لتنهار تمامًا ويحل محلها دولة جديدة بحكام جدد يبدؤون من الطور الأول.

في الواقع فإن الأمثلة التاريخية التي تدعم نظرية ابن خلدون كثيرة، تقريبًا كل الممالك والإمبراطوريات القديمة تعرضت لهذه الدورة، فتواجه في بدايتها الصعوبات لكن يكون حكامها على قدر المسؤولية، لتصل بعد ذلك لقمة المجد والقوة، ثم يأتي الحكام الضعاف الذين لم يواجهوا الصعوبات التي واجهها الأسلاف، بل ورثوا دولة قوية وغنية، فينعمون ويترفون حتى يفسدوا فتنهار بهم الدولة.

أثرت أفكار ابن خلدون في الفكر الغربي تأثيرًا كبيرًا، ولجأ الكثير من المفكرين والفلاسفة في الغرب إلى «المقدمة» الشهيرة، وهذا أمر معروف، لكن هل من الممكن أن يكون هذا التأثير قد امتد للفنانين؟ حينما نستعرض سلسلة اللوحات التي رسمها الفنان الأمريكي توماس كول في ثلاثينيات القرن التاسع عشر سنجد تشابهًا كبيرًا بين ما قدمه الفنان الرومانتيكي في لوحاته وبين ما قدمه ابن خلدون عام 1377.

«مسار الإمبراطورية».. حين رسم توماس كول دورة حياة الدولة

الفنان إنجليزي الأصل توماس كول، المعروف عنه أنه من أبناء المدرسة الرومانسية وتحديدًا مدرسة نهر هادسون التي اهتم فنانوها بلوحات المناظر الطبيعية، قدم مجموعة من اللوحات باسم «مسار الإمبراطورية»، هذه السلسلة المكونة من خمس لوحات تحكي قصة إمبراطورية منذ نشأتها وحتى فنائها، ونستعرضها معكم فيما يلي.


صورة متحركة تعرض اللوحات الخمسة التي رسمها كول.

اللوحة الأولى: الدولة المتوحشة

وهي المرحلة الأولى، التي تتسيد فيها الطبيعة وتسيطر على المشهد.

يتوسط اللوحة الصرح الطبيعي الممثل في الجبل، ليرمز لهيمنة الطبيعة وفرضها قوتها على الإنسان، وهو ما نشاهده في اللوحة مهمشًا صغيرًا، لا يقارن بالعالم من حوله.

تمثل الدولة المتوحشة مجتمعات الصيد والفترة التي سبقت الزراعة. في هذه الفترة كانت سيطرة الإنسان على الطبيعة في أدنى مستوياتها، لكن في المقابل تمتع بأكبر قدر من الحرية. يمكن ملاحظة كيف أن الألوان قاتمة وداكنة، تعطي ذلك الإحساس بالوحشة وتنقل الحالة التي كان يمر بها الإنسان.

اللوحة الثانية: الدولة الرعوية

تظهر المرحلة الثانية بداية ترويض الإنسان للطبيعة، وبدأت تظهر قوة الإنسان وسيطرته على الطبيعة، وبعد أن كان في اللوحة الأولى ذاهبًا للصيد، يظهر في هذه اللوحة يرعى الأغنام، ويزرع الحدائق، ويبني الجسور والطرق لتسهيل معيشته.

يمكن رؤية المعبد ودخان القرابين تنطلق إلى السماء من بعيد، لكن في النهاية لا شيء يعلو فوق الجبل الممثل لقوة الطبيعة. الإضاءة في هذه اللوحة أفضل بكثير وتوحي بزوال الوحدة وانقضاء الوحشة، وربما بداية الأمل للبشر.

اللوحة الثالثة: اكتمال الإمبراطورية

تمثل اللوحة الثالثة قمة الازدهار الإنساني؛ احتلت الصروح العملاقة ما كان في السابق غابة شاسعة، والجبل الذي كان يمثل قوة الطبيعة وسيطرتها على الإنسان؛ لا يكاد يرى من زحام المباني.

وعكس اللوحتين السابقتين، رسم كول مجتمعًا متكاملًا – ومزدحمًا – يظهر سيطرة الإنسان وهيمنته، فالتماثيل التي تحتفي بانتصارات الإمبراطورية تملأ المدينة، والاحتفالات تملأ الشوارع، والألوان زاهية ومبهجة تليق بالحالة العامة للوحة.

اللوحة الرابعة: الدمار

بالنسبة للكثيرين، الحتمية المطلقة في هذا الكون هي حتمية الموت، وهي الحتمية التي لم تستطع الإمبراطورية الكبيرة في لوحة الدمار النجاة منها، مهما بلغت من ازدهار، ومهما علا شأنها لم تستطع الهروب من حتمية الموت.

تظهر في اللوحة المدينة، التي كانت في وقت من الأوقات تمثل أعلى لحظات الترقي الإنساني، تتعرض للهجوم؛ المباني العملاقة محترقة، التماثيل مهدمة، البشر يقتلون، إنها النهاية.

يوحي مزيج النيران والسحب في اللوحة بخطورة الموقف، والجبل الذي كان يتوارى خلف المباني في اللوحة السابقة يظهر في الخلفية صامدًا لا يأبه بما يجري.

اللوحة الخامسة: الخراب

تظهر في اللوحة الأخيرة آخر مرحلة في الدورة، اكتمل خراب الإمبراطورية السابقة، والآن، تعود الطبيعة لتفرض هيمنتها على ما كان في السابق رمزًا لقوة الإنسان وسيطرته.

الجبل صامد في الخلفية لا يطرأ عليه تغيير، والنباتات تتسلق فوق المباني المهدمة لتعلن عودة العصر الذي كان الإنسان فيه خاضعًا للطبيعة، وكأنها بانتشارها تذكره بعهده القديم حينما كان ضئيلًا وسط الأحراش. نلاحظ في السماء أن السحب قد هدأت بعد أن اكتملت الدورة، والألوان عادت لهيئتها الأولى وأصبحت داكنة مرة أخرى.

العالم والاقتصاد

منذ 3 سنوات
مترجم: هذا العالِم المسلم سبق أشهر اقتصادي في العالم بـ5 قرون

قدم توماس في سلسلة لوحاته رؤيته عن دورة حياة الدول، تكون الدولة خلال المرحلة الأولى في مرحلة الإنشاء، حين يكون المجتمع صغيرًا وبدائيًّا.

في المرحلة الثانية، تبدأ الخطوات الفعلية للدولة، ينمو المجتمع والمباني تشيد، وتبدأ المعالم بالظهور.

في المرحلة الثالثة، تبلغ الدولة أقصى مراحل النمو، يتحول المجتمع للشكل الهرمي، وتتوسع الدولة وتنتصر على أعدائها. لقد وصلت للقمة والآن لا بد من الانحدار.

في المرحلة الرابعة، مرحلة الانهيار، تحترق المباني العالية وينهار المجتمع الكبير، إنها النهاية.

وأخيرًا المرحلة الخامسة وهي كالعودة للمرحلة الأولى، عاد الإنسان لضآلته أمام الطبيعة، والدولة التي كانت يومًا ما على مد البصر أصبحت الأن مجرد ذكريات.

من الواضح وجود تشابه بين نظرية ابن خلدون وبين رؤية توماس الفنية، بل ربما يكون توماس قد قرأ المقدمة وتأثر بها، المهم أننا وبسبب سلسلة مسار الإمبراطورية لتوماس كول استطعنا أن نرى تمثيلًا فنيًّا قريبًا جدًا من نظرية ابن خلدون فيما يخص دورة حياة الدول.

المصادر

تحميل المزيد