«قد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات لثلاثة من الخلفاء، وكتبت بها القرآن الكريم دفعتين، ثم تقطع كما تقطع أيدي اللصوص؟»
*ابن مقلة متحسرًا بعد قطع يده اليمنى.

على مدار عشرات السنين قبل تلك الواقعة المفجعة، تزيَّنت مئات الرسائل والرِّقاع، والكتب، بإبداع يد أبي علي محمد بن علي بن مقلة، التي أحسنت إلى الحروف العربية، وزادتها تنميقًا وجمالًا، وسجَّلت على الأوراق خلاصة أفكار صاحبها، وتجاربه في مجال الكتابة والخط، في مؤلَّفه الموسوعي عن تلك الفنون، حتى أصبح الارتباط شرطيًا ولازمًا بين الخط العربي، واسم ابن مقلة.

لكن كان للسياسة، ومطامع السلطان التي استبدَّت بالكاتب والخطَّاط العبقري، رأيٌ آخر؛ كان هو القاطع في مصير تلك اليد الاستثنائية.

دولة العباسيين ونهر الدماء الآسن

ليس عنوان هذه الفقرة وصفًا حرفيًا لنهريْ دجلة أو الفرات، اللذيْن ارتبطا تاريخيًا، وجغرافيًا، ووجدانيًا، بدولة العباسيين، حيث احتضنا عاصمتها بغداد، أشهر عواصم الخلافة في تاريخ الإسلام. إنما هذا هو وصف ما آلت إليه أحوال الدولة العباسية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، والنصف الأول من القرن الذي يليه، وهي الفترة التي اتفق المؤرخون على تسميتها بالعصر العباسي الثاني.

تاريخ

منذ شهرين
بداية عسكرة الدولة الإسلامية.. قصة اغتيال المتوكل العباسي وتوابعها

زاد المعتصم العباسي – الخليفة العباسي الثامن، من 218 هـ إلى 227 هـ – من استجلاب الجند الأتراك، وجعلهم العمود الفقري لجيشه، وقام بتوطينهم في عاصمةٍ جديدة أنشأَها شمال بغداد، وسمَّاها «سُرَّ من رأى» التي أصبحت فيما بعد مدينة سامرَّاء العراقية.

لم يدرِ المعتصم أنه كان بهذا يغير مسار دولة العباسيين إلى الأبد، ويحكم عن غير قصدٍ بالإعدام على بعض أبنائه وأحفادِه، ومن أشهر هؤلاء ابنه جعفر المتوكل، وحفيده المهتدي بالله، وغيرهم من الخلفاء العباسيين اللاحقين، الذين سيتلاعب بمصائرهم العسكر الأتراك، الذين احتكروا النفوذ الأقوى في بغداد لعشرات السنين.

مع شيوع المظالم والفوضى والاضطراب السياسي والاقتصادي والفكري، الذي أجَّجه صراعات العسكر الأتراك وغيرهم من الأمراء على السلطة والنفوذ، وفرضهم الضرائب المجحفة على الناس لتمويل نزواتهم الجنونية؛ تفاقمت الثورات والانشقاقات، وكان من أشدها خطرًا لقربها من بغداد، ثورات الزّنج، والقرامطة، التي تسبَّبت في إزهاق عشرات الآلاف من الأرواح.

كذلك شاع استقلال أمراء النواحي بأقاليمهم، والاكتفاء بالانضواء الاسمي تحت لواء خلافة بغداد، وكان من أشهر نماذج ذلك الأمير التركي أحمد بن طولون، الذي استقلَّ بمصر وأسَّس فيها دولته الخاصة، التي توسَّعت لتضم أجزاءً من الشام.

أما بغداد، فتحوَّلت إلى ساحةٍ مفتوحة للدسائس والتآمر والاضطرابات، جرَّاء التقاتل المحموم بين الأمراء، خاصةً من الأتراك، على السيطرة على مقاليد الأمور.

لم يتورَّعْ بعضهم عن التمثيل ببعض الخلفاء قبل خلعهم، وذلك بتسميل العينيْن – حرقها بحديد ساخن – كما حدث مع القاهر العباسي عام 322 هـ، والمتقي العباسي عام 333 هـ على يد الأتراك، والمستكفي العباسي عام 334 هـ، على يد معز الدولة بن بويه الديلمي الفارسي الذي تغلَّب على بغداد آنذاك.

كان من بؤس طالع ابن مقلة وغيره، أن يكون هذا زمانهم، وأن تستدرجهم المقادير إلى السقوط في أتون دواماته العاصفة التي لم ترحمْ أحدًا.

لكن في مقابل هذا المشهد السياسي المأساوي، كانت الحركة الأدبية والعلمية، خاصة في بغداد، تشهد زخمًا كبيرًا في كافة المجالات، فراجت سوق الكتابة والتأليف والتدريس كما راجت سوق السيوف والمؤامرات، وفي هذا، وذاك، رُسِم لابن مقلة مصيره، وذكره في صفحة التاريخ.

ابن مقلة.. من نشأةٍ متواضعة إلى إمامة الخط العربي

في إحدى ضواحي بغداد المتواضعة، وُلِد محمد بن علي بن حسن، عام 272 هـ = 885 م، الذي حمل على غير العادة لقب أمه (مقلة)، الذي أطلقه عليها جده، تعبيرًا عن حبه لابنته الجميلة. كان القدر يرسم له مسار حياته العملية، إذ كان جده وأبيه وإخوته، جميعًا من الخطَّاطين.

لكن بالطبع لم يتصوَّر أحد أن محمدًا هذا، لن يكون صاحب خطٍّ رفيع الجمال فحسب، يضمن له وظيفة جيدة كاتبًا في الدواوين الرسمية – وكان هذا أقصى أحلام من في وضعه – إنما سيرفعه خطّه هذا فوق السحاب، قبل أن يسقط بعدها من حالق.

«ثم انتهت جودة الخط وتحريره على رأس الثلاث مائة إلى الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة، وهو الذي هندس الحروف، وأجاد تحريرها، وعنه انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها».
*أبو العباس القلقشندي، من كتاب «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

عمل محمد بن مقلة في ريعان شبابه مع ابن الفرات، الذي كان مسؤولًا عن الدوواين في عهد الخليفة العباسي المكتفي بالله، وخلفه المقتدر بالله.

وفي عام 296 هـ، قُتل وزير الخلافة في إحدى الصراعات على السلطة، فصعد ابن الفرات إلى منصب الوزارة، حاملًا معه تلميذه النجيب محمد بن مقلة إلى عالم المناصب العليا، فأسند له بعض الأعمال في وزارته، وأظهر كفاءة بارزة في تحصيل الضرائب، وحقَّق ثرواتٍ شخصية كبيرة، وذاع صيته في أروقة بغداد السياسية والثقافية، وكان يُسنَد إليه كتابة الرسائل الهامة للخلافة بخطه البديع.

في إبداعاته في عالم الخط العربي، كان الأساس الذي بنى عليه ابن مقلة هو الخط الكوفي، الذي كان ذائعًا في العراق آنذاك، لكن على مدار شهورٍ وسنين أضاف عليه الكثير من اللمسات.

كان ابن مقلة أشبه بمهندسٍ معماري بارع في التصميم، فأعاد تشكيل الخط العربي على أسس وقواعد دقيقة، ائتلفَ فيها الجمال البديع بالهندسة.

ضبط ابن مقلة أحجام الحروف العربية، وطريقة رسمها، على قالب واحد، هو دائرة قُطرها هو حرف الألف، على أن يكون طول هذه الألف، هو الحد الأقصى لطول الحروف الأخرى، وبالتالي تكون تلك الدائرة هي الإطار المحدِّد لحجم الحروف، والضامن لتناسق أشكالها. وقد عرفت تلك الطريقة بالخط المنسوب.

خط الثلث المنسوب
المنسوب الدائري الذي كان يختطّ ابن مقلة على أساسه. المصدر: كتاب «ابن مقلة.. نبي الخط العربي».

كذلك أبدع ابن مقلة أنواعًا جديدة من الخطوط، اشتهر من بينها ما أسماه الأقلام الستة، وهي (الثُّلُث، المحقَّق، النسخ، الريحاني، الرِّقاع، التوقيع)، التي ما زال أكثرها شائعًا حتى يومنا هذا، خاصة النسخ والثًّلث، رغم مرور أكثر من 11 قرنًا على ابتكارها.

ضمَّن ابن مقلة خلاصة جهوده في عالم الخط والكتابة، في مؤلَّفٍ ضخم عرف برسالة ابن مقلة في علم الخط والقلم، التي لم يكتفِ فيها بنصائح في طريقة الكتابة، وبالوصف التفصيلي لرسم الحروف وفق طريقته، إنما عرَّج فيها على أنواع الأحبار، وكيفية الإعداد الجيد للقلم، وبريِه بشكل صحيح حتى يسهل الكتابة به وفقًا للطريقة الصحيحة.

الخطوط الستة التي تُنسَب لابن مقلة (الثُّلُث، المحقَّق، النسخ، الريحاني، الرِّقاع، التوقيع) .. المصدر: كتاب «ابن مقلة.. نبي الخط العربي».

وزارات ابن مقلة

غام 316 هـ، في عهد الخليفة المقتدر العباسي، الذي كانت فترة حكمه تتسم بضعف الخلافة، وطمع الأمراء من حوله في السلطة والنفوذ، أصبح ابن مقلة وزيرًا، ولم يعترض كبار الأمراء على هذا الاختيار، وذلك لعدم خوفهم من أن ينازعهم ابن مقلة على نفوذهم، وذلك لضعف شوكته، وحداثة تجربته السياسة في المناصب الحساسة. وكان مما مهَّد له الطريق للوصول إلى الوزارة، الهدايا الباذخة التي أغدقها على المحيطين بالخليفة، خاصة الحاجب نصر.

«ما رأيتُ وزيرًا أحسن حركة، ولا أظرف إشارة، ولا أملح خطًّا، ولا أكثر حفظا، ولا أسلطَ قلما، ولا أقصد بلاغة، ولا آخَذ بقلوب الخلفاء من ابن مقلة، وله علمٌ بالإعراب، وحفظ للغة، وتوقيعات حسان».
*الحافظ الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، نقلًا عن الصًّولي.

استمرَّت وزارة ابن مقلة لعاميْن، غلب عليهما الاضطراب والفوضى، إذ أصبحت العاصمة بغداد ساحة لتقاتل أمراء الجند الأتراك وغيرهم لأوهى الأسباب، ووقعت الوحشة بين الخليفة المقتدر، وكبير الأمراء مؤنس الخادم، لدرجة أنه قام بعزل المقتدر يوميْن، واعتقله في منزله، قبل أن يعيده للمنصب مرة أخرى.

كذلك شاعت الفتن والاضطرابات في خراسان، وطبرستان، وغيرها، وانحسر نفوذ الخليفة كثيرًا. واستغلَّ الروم تلك الفوضى للهجوم على أطراف الدولة والثغور، دون أن تواجههم مقاومة فعَّالة.

وشهدت فترة وزارة ابن مقلة، واحدة من أفجع الحوادث في تاريخ الدولة العباسية، عندما اقتحم جيشُ القرامطة مكةَ المكرمة، في يوم التروية، 8 ذي الحجة عام 317 هـ، فقتلوا آلاف الحجاج داخل الحرم، واستولوْا على الحجر الأسود، وعادوا به إلى معاقلهم في شرق الجزيرة العربية، وظلَّ بحوزتهم أكثر من 20 عامًا.

وفي منتصف عام 318 هـ، عزل المقتدر ابنَ مقلة من الوزارة، وصادر من أمواله أكثر من 200 ألف دينار، وتمَّ إحراق قصره، وذلك لأن المقتدر كان يراه مائلًا إلى مؤنس الذي كان ينافسه في سلطانه، ويضيق عليه. بعد تلك النكبة، خرج ابن مقلة من بغداد، وأقام ببلاد فارس.

عام 320 هـ، قام جنود مؤنس بقتل الخليفة المقتدر، وحل القاهر العباسي مكانه، الذي أعاد ابن مقلة إلى الوزارة، ورد إليه اعتباره. لكن كانت فترة حكم القاهر القصيرة – عاميْن – مليئة بالاضطرابات، نتيجة سياساته المتهورة، التي لم تُرضِ الخاصة ولا العامة، كذلك بدأ ابن مقلة يقتص من بعض خصومه، مما أشعل نفوس الحاقدين عليه.

مجتمع

منذ سنتين
دفع ثمن كلمته.. ثورة «النفس الزكية» التي تسببت في جلد العباسيين للإمام مالك

بعد شهور، انقلب ابن مقلة ضد القاهر، لتقديم الأخير أحد خصومه وهو ابن ياقوت، فأخذ ابن مقلة يؤلب كبار الأمراء، خاصة مؤنس، ضد الخليفة، وينذرهم بأنه يفكر في الإطاحة بهم جميعًا، فضيَّقوا على الخليفة القاهر، وتوترت الأمور بين الطرفين، حتى وصلت إلى اعتقال القاهر لمؤنس وغيره من كبار الأمراء، ثم قتلهم.

وعزل ابن مقلة من الوزارة، بعد أن قضى أقل من عامِ فيها. وعلى عادة هذا العصر، صودرت أموال ابن مقلة، وأُحرق بيته، بعد أن نجح في الفرار.

لكن لم يمر عام، إلا وقد نجح ابن مقلة بالمكر والتدبير في استعادة منصبه، فكان يتنكر في هيئة فقير أو شحاذ أو امرأة، ويدور على قادة الجند يحرضهم على القاهر، مستغلًا جموح الخليفة، وبطشه.

نجح في استمالة أحد كبار أمراء الجيش ليتواطأ معه على خلع القاهر، وذلك بالحيلة، إذ كان مولعًا بالتنجيم، فدسَّ عليه ابن مقلة كاهنًا يخبره كذبًا أن طالعه يقول إن القاهر يجهز للتآمر عليه وقتله، فثار بجنده، واحتلوا القصر، وعزلوا القاهر، وولوا مكانه الراضي بالله، الذي اختار ابن مقلة وزيرًا.

ورغم أن ابن مقلة أعلن أنه في تلك الوزارة سينتهج سياسة أكثر رشدًا، ويحسن إلى من سبقوا إليه بالخصومة، إلا أن العهد الجديد بدأ بتصرفٍ بالغ القسوة، إذ سملت – أُحرقت – عين القاهر، بعد مصادرة عرشه وأمواله، فعاش سنواتٍ طوالٍ فقيرًا كفيفًا.

استمرت الاضطرابات والصراعات المسلَّحة على السلطة والنفوذ في كافة أرجاء الدولة، خاصة العراق وخراسان. وفي تلك الأثناء، زاد نفوذ الأمير ابن رائق، وطمع في الاستيلاء على بغداد، وسلطتها، فحرَّض الراضي ومن معه ضد ابن مقلة، فعُزل من الوزارة، ثم تقلَّد ابن رائق قيادة الجيش، ومنصب أمير الأمراء، واستبدَّ بكل صغيرةٍ وكبيرة من الشؤون دون الخليفة.

بعد عامين، في عام 326 هـ، وبعد أن اختفى ابن مقلة بعد العزل الثالث، أصدر الراضي منشورًا بإعادته إلى الوزارة، لكنها كانت منصبًا اسميًا، لأن كل الخيوط كانت في يد ابن رائق، الذي رفض أمر الخليفة بإعادة أموال ابن مقلة التي صودرت.

نهاية صاحب الثلاثيات

حاول ابن مقلة التآمر ضد ابن رائق انتقامًا على إذلاله إياه، فأخذ يؤلب الخليفة الراضي عليه ويطلب منه أن يستدعي الأمير بجكم التركي ليحل محل ابن رائق، لكن الخليفة وشى بوزيره لابن رائق، فأمر بالقبض عليه وحكم عليه بعقوبة قطع اليد اليمنى بالغة القسوة، وألقي في السجن فترة ثم أمروا بإخراجه، فكان يحاول العودة للكتابة مستخدمًا يده اليسرى، أو يشد القلم على يده المقطوعة.

تاريخ

منذ 5 شهور
المأمون الثاني.. الحاكم المسلم الذي أحب العلم وأغدق على العلماء

للمفارقة، بدأ بجكم يزحف على بغداد، ولما بلغ الخبر ابن مقلة، أظهر سروره وأخذ يدعو على ابن رائق والخليفة لما أحدثوه به من عاهة، ويتوعَّد بالانتقام منهما، فأمر ابن رائق بإكمال جرعة التنكيل بابن مقلة، وقطع لسانه، وإلقائه شهورًا في سجن قصر الخليفة.

شهد عام 328هـ، مشهد النهاية القاسية لابن مقلة في منتصف عقده السادس، حين أصيب بمرض شديد في السجن، تُوفي من أثره، فدفن في قصر الخليفة، ثم طلبت أسرته استخراج جثمانه ليدفن في داره، ثم استخرج جثمانه مرةً ثالثة بناء على طلب زوجته التي دفنته في دارها.

وهكذا رسمت السياسة في ذلك العصر الذي شكَّلتهُ الفوضى، والمؤامرات والاضطرابات، المصير البائس لأعظم عبقرية فنية في تاريخ الخط العربي، الذي لاحقته تقلبات الزمن حتى وهو في جوف الأرض، فيدفَن ثلاثًا كما استُوزِرَ ثلاثًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد