في قلب القاهرة التاريخية، في شارع الصليبة المؤدي إلى ميدان صلاح الدين وقلعة الجبل، وعلى مرمى حجرٍ من جامع أحمد بن طولون الشهير، يقع أثر إسلامي يفوح برونق الحضارة والتاريخ، وإن أصابه بعض الإهمال والنسيان، يعود إلى العصر المملوكي، ويحمل بعض بصماتٍ من العصر العثماني. هذا الأثر هو مسجد ومدرسة بُنيت قبل ستة قرون لتخليد اسم مؤسِّسِهما، على عادة ذلك العصر.

لكن لم يكن لهذا الأثر الدور الأكبر في حفظ اسم صاحبه، إذ تكفَّل بهذه المهمة ما تركه الرجل من اسمٍ علمي له مكانته ووجاهته في علم التاريخ وتدوين السِّيَر والتراجم.

إننا نتحدث هنا عن المؤرخ المصري المملوكي ابن تغري بردي، والذي وصفه ابن العماد الحنبلي في ترجمته له في موسوعته التاريخية «شذرات الذهب» بـ«صاحب التصانيف»، وأغدق عليه تلميذه أحمد بن حسين التركماني في الثناء، فاعتبره نادرة الزمان وعمدة المؤرخين، ورأس الرؤساء المُعتبَرين.

مسجد ومدرسة ابن تغري بردي. شارع الصليبة، القاهرة. مصدر الصورة: ويكيبيديا

نشأة ابن الناس

ما يزال وصف ابن الناس وأولاد الناس دارجًا في لغة المصريين وصفًا إيجابيًّا لأبناء الأصل الطيب، ومدحًا في العموم، ما لا يعرفُه الكثيرون أن ذلك المصطلح قد ظهر قبل قرونٍ في العصر المملوكي، ولم يكن له في الأصل هذا الإيحاء الإيجابي؛ إذ كان يُستخدم لوصفِ أبناء المماليك، نظرًا إلى أنسابهم وأنساب آبائهم المجهولة، فهم «أولاد ناس». ولكن مع الوقت، ومع تصدر المماليك في المجتمع المصري لقرون، وما عوَّضتهم به السلطة والقوة والثروة والجاه من نسبٍ مستمر، ومع تتابع أجيالهم المتعاقبة في مصر، تطوَّر هذا الوصف وتجمَّل.

وجمال الدين يوسف بن تغري بردي، المُكنَّى بأبي المحاسن، هو واحدٌ من مشاهير أولاد الناس في العصر المملوكي، فهو ابن الأمير المملوكي سيف الدين تغري بردي الظاهري، نسبةً إلى السلطان المملوكي الظاهر برقوق، مؤسس دولة المماليك البُرجية – الشراكسة – والذي جلبه من بلاد الروم، وصار من خاصة مماليكه، وترقَّى في دولته، ودولة ابنه الملك الناصر فرج بن برقوق، والذي اشتهر الأمير تغري بردي بقدرته الكبيرة على كبح جماح نزوات بطشه بخصومه وتهوره.

أصبح الأب، تغري بردي، في عهد الناصر فرج عام 1410م (813هـ) نائب الشام، فأجاد في تأدية تلك المهمة على قِصَر المدة التي تولَّى فيها، وحفظ الأمن والاستقرار في الشام، رغم تصاعد الاضطرابات السياسية نتيجة الخلافات الكبرى والصدامات المتتالية التي نشبت بين الناصر فرج من جهة، وبعض كبار أمراء دولته مثل المؤيد شيخ المحمودي، ونوروز، وسودون وغيرهم، وكان يوصَف الأبُ بالحِلم والحكمة والعقل.

وُلدَ الابن، جمال الدين في شهر شوال عام 813هـ في القاهرة، و«تغري بردي» كلمةٌ تترية، «تكري ويردي»، وتعني عطاء الله، ولم يكد يُكمل الابن عاميْن من عمره حتى توفي أبوه الأمير تغري بردي عام 1412م (815هـ) بعد صراعٍ قصير مع المرض.

وبالرغم من قسوةِ اليُتم على أي أحد، فإن الأقدار قد لعبت لعبتَها هنا، وجعلت من هذا الفقد المُبكر لأبيه نقلةً كبرى، صنعت مجده العلمي، إذ انتقل للعيش في كنف أخته، زوجة قاضي القضاة ابن العديم الحنفي، والذي تُوفي عام 1416م (819هـ)، لتتزوج بعده شيخ الإسلام والفقيه الشافعي الكبير جلال الدين البلقيني، فيُتاح للطفل الصغير النابه أن يحاطَ مبكرًا بهذيْن العالميْن الكبيريْن، فيتشرَّب طلب العلم في سنواته الأولى، ويُتِمَّ حفظ القرآن الكريم، ثم يختار التفقه على المذهب الحنفي.

طرفُهُ الأحورُ زاهٍ شاقَني … وبه قد ضاع علمي بالوسنْ

جوْرُهُ عدلٌ علينا في الهوى … كلُّ فعلٍ منهُ لي فَهو حسنْ

* بيتان من شعر الغزل لابن تغري بردي

ولم ينشغل جمال الدين بالسعي في سبيل الرزق؛ إذ فرَّغته أخته للعلم، وصار تلميذًا لكبار أساتذة عصره في علوم مختلفة، فدرس النحو والتاريخ والفقه، وحتى الشعر والموسيقى، مع مهارات القتال والفروسية الأساسية التي برع فيها، وكانت مهارات ضرورية في عصره وبيئته.

رحلة نبوغه

هيأت الظروف لابن تغري بردي، وكذلك نشأتُه بالقاهرة موئل العلم والعلماء في ذلك العصر، أن يحظى بفرصةٍ التعلم على يد كوكبةٍ من كبار الفقهاء والعلماء والكتاب والمؤرخين، منهم على سبيل المثال لا الحصر، ابن حجر العسقلاني، أحد أكبر الأسماء في علم الحديث في التاريخ الإسلامي، ومن أبرز كتب الحديث التي تدارسها على يد مشايخه جامع الترمذي، وسنن أبي داوود.

ومن الفقهاء تعلم على علاء الدين الرومي، وشمس الدين محمد الرومي الحنفي، وابن الضياء المكي، وعلي بن الطحان، ومن الأدباء الشهاب بن عربشاه الحنفي، ومن الشعراء أبو السعادات بن ظهيرة، والبدر بن العليف، وأبو الخير بن عبد القوي، ودرس النحو على يد تقي الدين الشمنيّ الحنفي، وكان له اطلاع أيضًا على علمي الطب والفلك.

وقد شهد له معظم أساتذته بالنبوغ وحضور الذهن، وحصل منهم بلغة العلم في عصره على الإجازة فيما درس على أيديهم، وهذا أشبه بالحصول على الدرجات العلمية الجامعية في وقتنا الحالي.

«وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ حسن الْعشْرَة تَامَّ الْعقل.. لطيف المذاكرة، حَافِظًا لِأَشْيَاء من النّظم وَنَحْوه، بارعًا فِي أَحْوَال التّرْك ومناصبهم وغالب أَحْوَالهم»

* شهاب الدين السخاوي، في ترجمته لابن تغري بردي من كتابه «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»

بمرور الوقت، اتجه أكثر نحو دراسة التاريخ والتأليف فيه، وكان من أشهر من تتلمذ ابن تغري بردي على أيديهم من مؤرخي عصره، العلَّامة بدر الدين العيني الحنفي، صاحب كتاب «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان»، والذي عايشه ابن تغري بردي لسنواتٍ طويلة، ولمَّا توفي العيني عام 1451م (855هـ)، اعتبره أهل عصره الإمام في علم التاريخ من بعده، وصحب ابن تغري بردي أيضًا المؤرخ ذائع الصيت، تقي الدين المقريزي، صاحب كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»، و«السلوك لمعرفة دول الملوك» وغيرها من المؤلفات.

ورغم علو مكانته الاجتماعية والعلمية، يُنقلُ عن ابن تغري بردي أنه كان حسن المعاملة، ولا يسبُّ أو يوبخ تلاميذه وخدمه، وأخذ عليه آخرون اعتدادَه الزائد بنفسه، وبمكانته العلمية.

«أما بعد، فلما كان لمصر ميزة على كل بلد بخدمة الحرمين الشريفين، أحببتُ أن أجعلَ تاريخًا لملوكِها؛ فحملني ذلك على تأليف هذا الكتاب وإنشائه، وقمتُ بتصنيفِه وأعبائه؛ واستفتحتُهُ بفتحِ مصر، ومن حضرها من الصحابة، ومن كان المتولَّى لذلك. وأطلق عنان القلم فيما جاء في فضلها وذكرها من الكتاب العزيز، وما ورد في حقها من الأحاديث وما اختُصَّتْ بهِ من المحاسن، فصار لها على غيرها بذلك التمييز»

* ابن تغري بردي في مقدمة كتابه «النجوم الزاهرة»

وموسوعته الأهم، «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»، من أشمل المؤلفات التاريخية زمنيًّا في تغطية تاريخ مصر الإسلامية، سجَّل فيها أحداث أكثر من ثمانية قرونٍ بعد فتح مصر في حدود 620م (20هـ) حتى قبل وفاة المؤرخ بقليل عام 1470م (874هـ)، واتصفت كتابته التاريخية بالموضوعية، وكذلك في تقييمه للأشخاص، مع لمحةٍ من الجرأة في النقد. وعلى سبيل المثال، وصفَ السلطانَ المملوكيَّ الظاهرَ جقمق -والذي عاصرَه ابن تغري بردي- وصفًا صريحًا قائلًا: «كان يخلطُ الصالحَ بالطالح، ومحاسنُه أكثر من مساوئه».

لكن رغم تخصصه في علم التاريخ وقضائه أكثر فترات عمره في التأليف التاريخي، انتقده بعض من عاصروه مثل شهاب الدين السخاوي، صاحب كتاب «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»، وفيه جمع لابن تغري العديد من أخطائه في تواريخ الأحداث، وأسماء بعض الشخصيات، كما زعم أن ابن تغري بردي لم يكن شديد الإنصاف في تناوله لسيرة بعض الشخصيات المعاصرة له ممن جمعتهم به المصالح والعلاقات الشخصية.

ميراثه العلمي

«ثم حُبِّب إليه علم التاريخ فلازم مؤرِّخي عصره مثل قاضي القضاة بدر الدين العينى، والشيخ تقي الدين المقريزي، واجتهد في ذلك إلى الغاية، وساعده جودة ذهنه، وحسن تصوُّره، وصحيح فهمه، حتى برع ومهر وكتب وحصَّل وصنَّف وألَّف، وانتهت إليه رياسة هذا الشأن في عصره»

* أحمد بن حسين التركماني، تلميذ ابن تغري بردي، في ترجمته له

أتاح النبوغ المبكر والجدية البارزة التي اتصفَ بها جمال الدين يوسف بن تغري بردي، والتفرغ شبه الكامل للعلم والمعرفة، والذي مكَّنته منه سعة العيش التي نشأ فيها وأغنته عن العمل لطلب الرزق، أتاح كل ذلك له أن يترك مكتبةً علمية من الكُتب والمؤلَّفات.

بالطبع يأتي في صدارة ما تركه ابن تغري بردي، موسوعته التأريخية ذائعة الصيت:«النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»، والتي لا يمكن لأي باحثٍ أو قارئ أن يتعرَّف إلى تاريخ مصر الأيوبية والمملوكية على وجه الخصوص، ومصر الإسلامية في قرونها الثمانية الأولى على العموم، دون أن يعود إليها.

/
غلاف الموسوعة التاريخية لابن تغري بردي، «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة». مصدر الصورة: تويتر

 

ومن أشهر ما أبدعه ابن تغري بردي، كتاب «المنهل الصافي والمُستوفى بعد الوافي» والذي يُعدُّ موسوعة شاملة لتاريخ أكثر من ثلاثة آلاف شخصية مهمة في العصر المملوكي من السلاطين والأمراء والعلماء والشيوخ وأهل الفن والأدب.

وكتاب «موردُ اللطافة.. فيمن وليَ السلطنة والخلافة»، وهو موجزٌ تعريفيُّ سريع بكل الخلفاء في تاريخ الأمة الإسلامية، من عهد النبي عليه الصلاة والسلام، مرورًا بالراشدين فالأمويين، ثم العباسيين والفاطميين، وكذلك سلاطين مصر الأيوبيين والمماليك.

وله أيضًا كتاب «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور»، والذي كان ذيلًا على كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك» لأستاذه المقريزي، وفيه سرد ابن تغري بردي العديد من الأحداث اليومية التي عاصرها.

وقد تُوفِيَّ جمال الدين يوسف بن تغري بردي في شهر ذي الحجة من عام 1470م (874هـ)، في السنوات الأولى من حكم أشهر سلاطين المماليك البرجية الأشرف قايتباي صاحب القلعة الشهيرة بالإسكندرية، بعد أن قاسى المرض لأكثر من عامٍ قبل وفاته، ودُفن في القبة الضريحية بمدرسته التي أشرنا إليها في مقدمة هذا المقال.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

المصادر

تحميل المزيد