في عام 2017 كان ماركوس المتقاعد عن العمل في الجيش الأمريكي يعاني من اضطرابات القلق والاكتئاب التي دفعته نحو إدمان الكحول، والذي حوله إلى شخص مؤذٍ لكل من حوله، بما فيهم أفراد عائلته المقربين. لكن في العام نفسه نصحته زوجته بتناول الإيبوجين، وهو مخدر مستخلص من لحاء شجيرات تنمو بشكل طبيعي في وسط أفريقيا، ويعرف عنه أنه يسبب الهلوسة وذو درجة عالية من السمية.

ولأن الإيبوجين كان ولم يزل ممنوعًا في الولايات المتحدة، سافر ماركوس إلى المكسيك مثل أي شخص يلجأ للأيبوجين، وبعد تناول الجرعة الأولى خلد ماركوس إلى النوم لمدة 12 ساعة كاملة، شاهد فيها حالمًا كافة الصدمات والمصاعب، ثم استفاق وهو يشعر بأنه شخص مختلف، ومن حينها لم يتناول الكحوليات مرة أخرى!

الإيبوجين عبر التاريخ.. من وسيلة لرؤية الآلهة إلى علاج للإدمان

يستخرج مخدر الإيبوجين من شجيرات الـ«تابيرنانث إيبوجا (Tabernanthe iboga)» وهي شجيرات تنمو بشكل طبيعي في مناطق وسط أفريقيا. وحتى بداية القرن التاسع عشر، كان معتنقو بعض الديانات الأفريقية مثل ديانة «بويتي (Bwiti)» يتناولون لحاء نبات الأيبوجا في الأعياد والمناسبات الدينية، والذي كان يصيبهم بأعراض الهلوسة، وبعد أن يستفيقوا كان يدعي بعضهم أنه كان على تواصل مع الآلهة، أو أسلافه الميتين.

Embed from Getty Images

شجيرات الأيبوجا

قبل منعه في مطلع ستينات القرن الماضي كان الإيبوجين مصرح به في قارة أوروبا، وبالأخص فرنسا، وكان يدخل في تركيب المادة الفعالة لبعض أدوية علاج متلازمة مرض الاكتئاب. ذلك في الوقت نفسه تقريبًا الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تصنفه على أنه من المخدرات الممنوعة.

في عام 1962 كان أحد الفتيان ويدعى هاورد لوتسف – وكان يبلغ من العمر 19 عامًا آنذاك – يعاني من إدمان مخدر الهيروين، وحاول تجربة مخدر الإيبوجين مقتنعًا أنه سوف يجلب له المزيد من النشوة، لكن المفاجأة أنه توقف تمامًا عن تناول الهيروين. ثم ذهب لوتسف إلى سبعة من أصدقائه الذين أيضًا كانوا يعانون من إدمان الهيروين، واقترح عليهم الإيبوجين؛ وكانت النتيجة أيضًا فعالة وتوقف جميعهم عن التعاطي. 

وثّق هاورد لوتسف تجربته وتجربة أصدقائه مع الإيبوجين، وحاول التواصل مع العديد من شركات صناعة الأدوية في الولايات المتحدة؛ لكن حملته لم تكلل بالنجاح؛ لأن الشركات كانت ترى أن نبات الأيبوجا الذي يُستخلص منه الإيبوجين ينمو بصورة طبيعية دون تدخل الإنسان، ولم تساعد التقنيات والأدوات الزراعية وقتها على زراعته، وهذا بالإضافة إلى أن الشركات لم تر وقتها أن علاج الإدمان مُربح!

اختفى الإيبوجين من الصورة بوصفه علاجًا محتملًا للقضاء على الإدمان في القرن الماضي حتى مطلع التسعينات، تحديدًا عام 1991 عندما قرر المركز الوطني الأمريكي لأبحاث إدمان المخدرات إجراء تجربة علمية رسمية على الحيوانات التي تسهل لها عملية إدمان الكحول، والكوكايين، والهيروين، وكانت النتيجة فعالة جدًا، لكن الأبحاث لم تكتمل، وعلى الرغم من النتائج الإيجابية لهذه الأبحاث التي أجريت بشكل مستقل، فإن الحكومة الأمريكية لم تمنحهم التمويل اللازم لاستكمال المشروع البحثي.

لماذا يمنع ويحذر تناول الإيبوجين؟

كما ذكرنا في البداية أن ماركوس احتاج للسفر إلى المكسيك كي يحصل على الإيبوجين، وفي الحقيقة ماركوس ليس وحيدًا، بل يكفي أن تعلم أن نيوزيلندا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح تصريحًا رسميًا لهيئتها الصحية باستخدام الإيبوجين في علاج الإدمان، بينما الجميع يذهب إلى المكسيك؛ وذلك لأن الحكومة الميكسيكية لا تفرض قيودًا تحد من انتشار المخدرات، سواء كانت نافعة أو ضارة.

تجريم الإيبوجين بدأ من ستينات القرن الماضي على الرغم من استخدامه مكونًا في بعض العقارات المضادة للاكتئاب، لكن أعراضه الجانبية، والتي تعد الهلوسة أشهرها كانت السبب الأساسي الذي جعل من النيوبوجين مخدرًا محرمًا دوليًا.

الإيبوجين

طبقًا لدراسة بحثية نشرتها جامعة نيويورك الأمريكية؛ في الفترة بين عامي 1990-2008 توفي 19 شخصًا في غضون 72 ساعة بعد أن حصلوا على الإيبوجين في رحلة علاجهم من الإدمان، لكن الدراسة أشارت أيضًا إلى أن الفحوص التي أجريت على المتوفين أشارت إلى أنهم كانوا يعانون من مشاكل وأمراض مزمنة في القلب والكبد، وبعضهم كان دماؤهم تحتوي على نسب عالية من مخدر الأفيون.

وفي عام 2015 أثبتت دراسة أخرى أن ثلاثة أشخاص في العام نفسه قد توفوا بعد الحصول على الإيبوجين، لكن هؤلاء الأشخاص كانوا يعانون بالفعل من أمراض قلبية، وعدم انتظام في معدل ضخ الدم.

لكن الإيبوجين لم يزل فعالًا

هناك العديد من الدراسات والأبحاث والتجارب الأخرى التي أجريت على بعض المدمين وأثبتت نتائج فعالة:

  • وصلت نسبة نجاح الإيبوجين إلى 80% مع مجموعة من المرضى الذين يعانون من إدمان مخدر «الميث (Meth)»، على الرغم من أن القائمين على الأبحاث أشاروا إلى أهمية وضع المرضى تحت الملاحظة لفترة ليست قصيرة مع استخدام تطبيق بروتوكولات علاج الإدمان المعروفة عالميًا.
  • في عام 2012 أجريت تجربة على مجموعة من المرضى الذين يعانون إدمان مخدر الأفيون، واستمرت التجربة والملاحظة لمدة عام كامل، وكانت النتائج أن 80% من المرضى توقفوا عن تعاطي المخدر، ولم يشعروا بأي عرض من أعراض الانسحاب، أو الإحساس بالاحتياج للمخدر خلال الشهور الستة الأولى، بينما لم يشعر البقية بأي أعراض انسحابية قبل عام كامل.
  • وفي البرازيل جرى استخدام الإيبوجين بنسبة قليلة مع مجموعة أخرى من أدوية علاج الإدمان، وجرى تطبيق التجربة على مجموعة من المرضى الذين يعانون من إدمان الكحوليات، والكوكايين، والحشيش، والهروين، وكانت النتيجة إيجابية كما هو متوقع، ولم يشعر أي من المرضى بأعراض انسحاب لمدة طويلة وصلت إلى ثمانية أشهر.

صحة

منذ 10 شهور
«نيويورك تايمز»: وسيلة فعّالة لعلاج الإدمان ولكن.. لماذا لا تُستخدم بشكل كافٍ؟

إذًا – وعلى ما يبدو – فإن الإيبوجين علاج فعال تجاه الإدمان، لكنه في نفس الوقت قد يؤدي إلى الوفاة في بعض الحالات التي تعاني من أمراض صحية مزمنة كأمراض القلب. إذًا لماذا لا يستخدم الإيبوجين، ويحظر على أصحاب الأمراض المزمنة استخدامه كما هو الحال في الكثير من الأدوية والعقاقير الطبية؟ ولماذا لا يجري تمويل أبحاث علمية للكشف عن إمكانية إحداث تعديلات معملية على الإيبوجين كي يصبح أقل سمية، وملائمًا للجميع؟

في الواقع هذه أسئلة لم نجد لها إجابات كاملة، ولكن إن كنت تملك إجابة منطقية يمكنك مشاركتنا إياها في التعليقات.

المصادر

تحميل المزيد