أثار قرار المحكمة الجنائية الدولية برفض قبول الدعوى التي قدمها محامون -تابعون لحزب الحرية والعدالة – لاتهام النظام المصري بارتكاب جرائم ضد الإنسانية جدلًا واسعا حول أسباب هذا الرفض، وهل تتعلق بعدم جاهزية الملف أم بضغوط مارسها النظام المصري وحلفاؤه على هيئة المحكمة. ووفقا لبيان المحكمة فإن رد الطلب جاء بسبب أن المحامين المقدمين له لايمثلون الدولة المصرية التي لم توقع أساسًا على ميثاق المحكمة – ميثاق روما- كما لم تتم إحالة القضية إلى المحكمة من قبل مجلس الأمن وهما الطريقان الرئيسيان لعمل المحكمة.

(1) ما حقيقة ملف القضية المشار إليه سلفاً؟

في النصف الأول من ديسمبر الماضي أعلن حزب الحرية والعدالة والتحالف الوطني لدعم الشرعية في مصر عن قبول المحكمة الجنائية الدولية – من حيث الشكل – لأول دعوى قضائية تتهم رموزًا في النظام المصري وقيادات في الجيش والشرطة وإعلاميين بالتحريض على ارتكاب جرائم ضد المدنيين. كما أعلن الفريق القانوني الدولي الموكل برفع قضايا ضد قادة الانقلاب العسكري في مصر، يوم الإثنين 6 يناير الماضي، أنه جَمَعَ أدلة وشهادات شهود عيان تدين قادة الانقلاب بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية واختطاف الرئيس المنتخب”، موضحًا أنهم قدموا الأدلة وشهادات الشهود للمحكمة الجنائية الدولية. وأضاف الفريق الذي يرأسه المدعي العام البريطاني السابق اللورد كين ماكدونالد، في مؤتمر صحفي عُقِدَ بالعاصمة البريطانية لندن، أنه تم تحديد عدد من المتهمين بالفعل أبرزهم الرئيس المؤقت عدلي منصور، ووزير الدفاع المستقيل عبد الفتاح السيسي، ووزير الداخلية محمد إبراهيم، إضافة إلى عدد من قيادات الجيش والشرطة والرموز الإعلامية والصحفية، وأن الأدلة تم تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية.

(2) هل تدخل ممارسات النظام المصري ضمن الاختصاصات المحددة للمحكمة “الشق الموضوعي”؟

أكد بيان المحكمة أن رفض الطلب المقدم لا يعنى من قريب أو بعيد أن النظام المصرى مدان من عدمه، وأن رفض الطلب يتعلق بعدم اختصاص المحكمة لكون مصر دولة غير عضو فى نظام المحكمة أولًا، ولكون مقدمي الطلب غير ممثلين للدولة المصرية ثانيًا، أي أن رفض الطلب لا يتعلق بموضوعه بحال من الأحوال وفقا لبيان المحكمة. وفقا للقانون، تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظر 3 أنواع من الجرائم، أولها جرائم الإبادة الجماعية وتشمل أعمال القتل أو أي تصرفات قد تفضي إلى قتل شخص أو أكثر بشرط أن يكونوا منتمين إلى جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية محددة، وثانيهما هي جرائم الحرب وتشمل أعمال القتل والتصرفات المفضية إلى القتل والتي تشمل الفئات التي تشملها بالحماية اتفاقية جنيف 1994 بشرط أن يصدر السلوك في إطار نزاع دولي مسلح ويكون مقترنًا به، وهاتين الحالتين قد لا تنطبقان بشكل كامل الأركان على الحالة المصرية. أما الاختصاص الثالث للمحكمة والذي قد يكون مدخلاً لقبول القضية المصرية ضمن مواضيع اختصاص المحكمة، هو عمليات القتل والتصرفات المفضية إلى القتل أثناء هجوم واسع النطاق ضد سكان مدنيين ويشمل القتل المباشر إضافة إلى عمليات الإبادة والترحيل القسري والسجن والتعذيب والاغتصاب الموجهة ضد مدنييين، إضافة إلى عمليات أخرى فى إطار استهداف واسع النطاق والمفصل بنصوص فقرات المادة 7 من قانون المحكمة .

(3) ما شروط قبول الدعوى المقدمة أمام المحكمة الجنائية الدولية؟ وهل استوفى الطلب المقدم هذه الشروط؟

تُقبَل الدعوة من حيث الشكل فى حالة استيفاء ملفها عبر إحالتها إلى الأمين العام “المفوض العام” للمحكمة الجنائية للبتّ فيها، فإذا وجد أن تلك الشكوى تتضمن شروط التقديم وشروط الإدانة يحيلها مباشرة إلى دائرة مكونة من 3 قضاة للنظر فيها وتسمى “دائرة تمهيدية”. ويشير قانون المحكمة وسوابقها القضائية – كما يؤكد خبراء القانون الدولي – إلى أن دخول الدعوى في نطاق الاختصاص الفعلي للمحكمة يتم عبر ثلاثة طرق؛ إما عبر الإحالة من دولة طرف لدى المحكمة، وهو ما لا ينطبق على مصر لأنها ليست عضوًا في نظام المحكمة، وإما عبر الإحالة عن طريق مجلس الأمن، وهو ما لم يحدث في الحالة المصرية، أما الحالة الثالثة فهي أن يباشر المدعي العام للمحكمة بنفسه التحقيقات في قضية ما مشفوعًا بضغط منظمات حقوقية دولية أو بعض الدول الأعضاء في نظام المحكمة حتى لو لم تكن الدولة المختصة عضوًا في نظام المحكمة وهي حالة مطاطة وتقديرية وغير ملزمة إلا أن التناقض الذى يظهر من قبول المحكمة لبعض الدعاوى ورفضها للبعض الاخر يجعلها دائمًا عرضة للاتهامات، حيث قبلت المحكمة طلب أوكرانيا ورفضت الطلب المصري رغم استنادهما إلى نفس المسوغ القانوني وفقا لتصريحات الطيب علي عضو الفريق القانوني المصري.

(4) هل يمكن أن تصدر المحكمة قرارات إدانة بحق مسؤولين حاليين فى السلطة؟ وهل تلزم قرارات المحكمة الدول غير الأعضاء في نظامها؟

يعرف تاريخ المحكمة ثلاث سوابق قضائية بإدانة وتوقيف – أي طلب تسليم – مسؤولين وهم في سدة الحكم فى بلادهم، أولهم سلوبدان ميلسوفيتش الرئيس اليوغسلافي في عام 1999، وتشارلس تايلور الرئيس الليبيري في عام 2003، وآخرهم الرئيس السوداني الحالي عمر البشير في عام 2009، ويُذكر أن الدول الثلاث باستثناء ليبريا لم توقع على ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

(5) هل تخضع قضايا الجنائية الدولية للاعتبارات السياسية؟

قلنا سلفًا أن أهم طرق إحالة القضايا إلى الجنائية الدولية تكون عبر مجلس الأمن، والذي تتمتع فيه الدول الخمس دائمة العضوية بحق النقض “الفيتو” وهو ما يمنع المحكمة من مباشرة قضايا هامة تقع تحت دائرة اختصاصها كجرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة مثلاً، في حين تسرع المحكمة فى إصدار قرارات بشأن قضايا يراها البعض أكثر التباسًا، كما في إدانة الرئيس السوداني عمر البشير، ورغم ذلك لايمكن اتهام المحكمة بالخضوع للقوى الدولية فيما يتعلق بالملف المصري لكونه لم تتم إحالته إليها من قبل مجلس الأمن أصلا. تبقى الدعوات التي تقدمها الدول الأعضاء بالمحكمة والتي تشفعها منظمات حقوقية دولية أو التي تحظى بتأييد ودعم إعلامي واسع ولا تمر عبر مجلس الأمن، ولكن هذه القضايا تحتاج لأكثر من استيفاء الملف القانوني؛ حيث تحتاج إلى حشد تأييد شعبى وضغط إعلامي وحقوقي واسع، إضافة إلى حشد تأييد سياسي مقبول وعدم معارضة من القوى الكبرى وهى عوامل ربما لم يتم استيفاؤها فى الحالة المصرية، بعكس دعوى أوكرانيا التي تم قبولها فى نفس اليوم ربما بسبب وجود تأييد لها من القوى الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة.

(6) هل أغلق باب الجنائية تماما أمام القضية المصرية؟

الجواب لا، فمن ناحية فإن القرار يمكن الاستئناف عليه، ومن ناحية أخرى فقانون المحكمة يبيح تقديم أكثر من طلب من أكثر من جهة فى نفس القضية، لكن يبقى السؤال في الجديد الذى قد يأتي به أي طلب قادم على مستوى الأدلة وعلى مستوى الدعم الذي يغلفه. يبقى طريق طرح الملف المصرى في مجلس الأمن أيضًا متاحا لكن يلزمه دعم دولي لتقديم الطلب أولاً ثم للتصويت عليه بالقبول ثانيًا.

(7) ما هو رد فعل مقدمى الدعوى على قرار المحكمة؟

من جانبه صرح الطيب علي المنسق العام للفريق الحقوقي المقدم للدعوى أن قرار المدعية العامة للمحكمة غير موفق، وأن الشكوى المقدمة إلى المحكمة الجنائية قد ارتكزت على المادة ١٢ (٣) من الإعلان الخاص بها، والتي تسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الأوضاع في مصر، وتضمنت الشكوى أساسًا واضحًا ومعقولاً لفتح تحقيق أولي في الأوضاع في مصر حظي بدعم آراء مستقلة لعدد من أبرز خبراء القانون الدولي. نجد في المقابل أن المحكمة الجنائية الدولية قبلت الصلاحية بالتحقيق في شأن أوكرانيا انطلاقاً من نفس الإعلان المذكور آنفاً. ولعل من عجائب الصدف أن تعلن المحكمة الجنائية الدولية موافقتها على قبول القضية الخاصة بأوكرانيا في نفس الوقت الذي أخطرت فيه برفضها للشكوى المقدمة نيابة عن الحكومة المنتخبة ديمقراطياً في مصر. وأضاف الطيب علي معقبًا أنه سيقوم بتقديم استئناف لدى قضاة المحكمة الجنائية الدولية للنظر في القرار الذي اتخذه المدعي العام لأن هدف المحكمة الجنائية الدولية بالأساس هو منع الجرائم الدولية والحيلولة دون إفلات من يرتكبها من المساءلة والمحاسبة، و ليس سليمًا في قضية بمثل هذه القوة أن يحول قرار إداري خاطئ دون محاسبة المسؤولين في مصر عن جرائم موثقة ومثبتة بحقهم -على حد وصفه-. وختم الطيب بيانه بقوله “إنه لمما يثير القلق الشديد أنه في نفس اليوم الذي قبلت فيه المحكمة الجنائية الدولية الشكوى المرفوعة إليها من قبل الحكومة الأوكرانية حول مقتل المتظاهرين، أقدم المدعي العام على إخطار الحكومة المنتخبة ديمقراطياً في مصر بأن الشكوى المقدمة نيابة عنها غير مقبولة وبأن الذين قتلهم نظام العسكر في مصر لا يمكن أن يفتح تحقيق بشأنهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية. هذا التضارب في المواقف تجاه قضيتين في غاية التشابه إنما يستنتج منه بأن الإجراء الذي استخدمته المدعي العام كان في أفضل الأحوال خاطئاً وفي أسوأ الأحوال مدفوعًا بموقف سياسي غير لائق على الإطلاق”.

(8)ما الأثر الجنائي والسياسي المتوقع في حالة إصدار توقيف دولي بشأن رموز في النظام المصري؟

بداية لا بد أن نعلم أن قانون المحكمة يقرر مبدأ الإدانة الشخصية، فلا يمكن للمحكمة إدانة دولة أو إقليم أو مؤسسة وإنما ترفع الدعوة بحق الأشخاص وتصدر قرارات الإدانة بحق الأشخاص أيضًا. كما لايوجد أثر قانوني يُلزِم الشخص المدان أو يجبر دولته على إلزامه بالتخلي عن منصبه، فالرئيس السوداني عمر البشير قد صدرت بحقه مذكرتي توقيف عامي 2009 و2010 ولا يزال رئيسًا لبلاده حتى الآن، كما لا يعيق قرار التوقيف الشخص المدان من الترشح لأي منصب داخل دولته. من جانب آخر قد يترتب على قرارات الإدانة خفض التمثيل الدبلوماسي بالنسبة للدول الأعضاء في ميثاق المحكمة مع الدولة التي تدان رموزها، وما يستتبع ذلك من إحجام هذه الدول عن توقيع أي اتفاقيات سياسية أو اقتصادية نظرًا لخشية هذه الدول من التورط فى علاقات دولية موسعة مع نظام يخضع رموزه للإدانة الدولية. إضافة إلى ذلك يترتب على قرارات الإدانة انخفاض ملحوظ في معدلات الاستثمار نظرًا لانخفاض الثقة في النظام السياسي. في ذات السياق غالبًا ما يترتب على قرارات التوقيف الدولية تقوية المعارضة السياسية داخل الدول وربما تكون لها فرص في الحصول على دعم دولي، كما تُقلص بالتأكيد من حجم التأييد الدولي للنظام القائم خاصة إذا كانت الجريمة السياسية مرتكبة ضد المعارضة، وخاصة إذا كانت الديمقراطية فى الدولة محل شك، كما حدث في حالة يوغسلافيا بعد إدانة ميلسوفيتش؛ حيث تم إجباره على عقد انتخابات نزيهة خسرها لصالح المعارضة، بعدها جرى توقيفه فعليًّا ومحاكمته. قرارات التوقيف الصادرة عن المحكمة تقيد الحركة بالنسبة للأشخاص المدانين حتى على المستوى الدبلوماسي، فالمحكمة ترسل خطابات تلزم الأعضاء وتطالبهم بتوقيف الأشخاص المدانين في حالة وجودهم على أرضها أيًّا كانت مناصبهم، وقوانين المحكمة لا تعترف بالحصانة في حالة الإدانة، كما ترسل خطابات للدول غير الأعضاء – لكنهم ليسوا ملزمين بنصوصها – مما يعيق الحركة الدبلوماسية للأشخاص المدانين، وعلى سبيل المثال فقد أصدرت الأمم المتحدة بيانًا عنفت فيه تشاد لعدم اعتقالها للبشير خلال زيارة دبلوماسية، كما طالبت المحكمة الولايات المتحدة – وهي دولة ليست عضوًا بميثاق روما – بتوقيف البشير في حال حضوره للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن في جميع الأحوال تظل المحددات الدبلوماسية قائمة وحاكمة؛ حيث لا تملك المحكمة أي سلطة للتدخل المباشر لتنفيذ أحكامها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد