كيف نجحت تجربة آيسلندا الاقتصادية في ضرب النظام العالمي الاقتصادي.

في عام 2009 قامت ثورة «القرع على الأواني» في آيسلندا، احتشد الناس في الشوارع وأمام البرلمان يصدرون أصواتًا صاخبة عبر الأواني التي يحملونها، صوت القرع كان يحمل المطالب الثورية للشعب بعد الأزمة المالية العالمية؛ مطالب واضحة بتنحية السياسيين الذين أوهموا الشعب على مدى عقدين بالحديث حول روعة (النيوليبرالية) واقتصاد السوق الحر، وأن ذلك سيعني رفع يد الدولة عن الاقتصاد، مما يوفر حرية الثراء للمواطنين.

تمخضت الثورة عن مجيء «التحالف الاجتماعي الديمقراطي» اليساري للسلطة، والذي اتبع بدوره خطوات رآها العديد من الخبراء الاقتصاديين شديدة الجرأة لحل الأزمة؛ اتخذت آيسلندا مسارًا آخر للحل غير المسار (النيوليبرالي) الذي اتبعته بقية أوروبا، وعاقبت الأغنياء المتسببين في الأزمة، بعكس بقية دول الاتحاد الأوروبي التي قدمت الفقراء ككبش فداء للخروج من الأزمة. صارت آيسلندا هي الدولة الأولى والوحيدة في العالم التي تستقيل فيها الحكومة نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، واختار الشعب الآيسلندي بوضوح أن يحمل الكبار المسئولية وألا يُحملها للضعفاء والفقراء.

جانب من الاحتجاجات

الغريب أن المسار الجريء لآيسلندا ظهر أنه حقق لها التعافي قبل أي دولة أخرى، وبات المحللون الاقتصاديون متنبئين لآيسلندا بمزيد من الخطوات المذهلة في التنمية الاقتصادية.

الأغرب أنه بعد كل هذا النجاح عادت أحزاب اليمين مرة أخرى لتفوز بالانتخابات البرلمانية في عام 2013، وتقطف ما يسمى بثمار نجاح اليسار في حل الأزمة. الشعب الذي ثار على (النيوليبرالية) وأرغم العالم على رؤية تجربة جريئة مزعجة في نجاحها؛ لأنها لا تتبع الخط المرسوم من قبل أغنياء العالم، هو نفس الشعب الذي سيأتي باليمينيين الذين ثار عليهم واتهمهم بإفقاره وإفلاسه مرة أخرى.

كل هذا يجعل من التجربة الآيسلندية، تجربة شديدة الأهمية، رغم قلة الكتابات عنها، فهي تجربة مليئة باللحظات الاستثنائية ومليئة بالدروس لجميع الأطراف، وهذا ما سيحاول هذا التقرير توضيحه، في الوقت الذي تندر فيه الكتابات باللغة العربية للجمهور العربي عن تلك التجربة الهامة، والتي قد يراها البعض واحدة من أهم الدروس السياسية والاقتصادية في القرن الذي نعيشه.

1- فلاش باك: الأزمة التي سبقت ربيع الغضب

آيسلندا هي أفضل مكان من الممكن أن يعيش فيه الإنسان. * تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية لعام 2007؛ قبل وقوع الأزمة العالمية بسنة واحدة فقط.

خلال السنوات التي اكتمل فيها ما سُمي بتحرير الاقتصاد الآيسلندي من ربقة الدولة، استطاعت آيسلندا أن تظهر على الورق بصفتها صاحبة معجزة اقتصادية أعقبت انتصار (النيوليبرالية)، فخلال السنوات من 2003 إلى 2007 بلغ متوسط النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي نسبة قدرها 5.5 في المئة، وانخفضت البطالة من 3.4 % في المئة إلى 1.7%، وقدر صندوق النقد الدولي أن نصيب الفرد الآيسلندي من الناتج المحلي هو الثالث على مستوى العالم.

لكن هذا كان السطح المرئي الذي يخفي أسفله بذور التراجع والانهيار أمام الأزمات، ويخفي أسفله أيضًا قصة صراع خفي امتد لأكثر من قرن بين المهيمنين في السر “الذين يملكون”، والذين لا يملكون ويرى البعض أنهم لا يدركون الهيمنة التي تُمارس عليهم.

  • قصة صعود الليبرالية الجديدة

من ثمانينيات القرن الماضي بدا أنّ الانقلاب النظري الذي قامت به مدرسة شيكاجو الاقتصادية (مدرسة النيوليبرالية) -عبر نظريات روادها هايك وفريدمان-، على نظرية «جون ماينرد كينز» التي تُعطي الدولة مسئولية التدخُّل في الاقتصاد لحمايته من خطر الركود، قد اقترب بشدة من أن يجد حيِّزًا للتطبيق العملي في عديد من البلدان، وأهمها الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا، ومن ثم جرت عولمة النظرية الجديدة، التي وصفها اليساريون بأنها “لو خرجت من رجل أعمال لقال الناس عليه إنه بارون لص، لكن لأنها خرجت من علماء اقتصاد عباقرة في مجالهم، كان تصديرها للجمهور أيسر كثيرًا”.

ميلتون فريدمان

وكانت نتيجة التوجُّه الجديد المُعولم هو تعاقب حكومات يمينية ويسارية حتى على بلدان العالم، طبَّقت سياسات التكيُّف الهيكلي، وتحرير السوق، والخصخصة، وتقليل الإنفاق الاجتماعي، وهو ما أثر بشكل حاد على مستويات معيشة المواطنين، وزاد من ثراء الأغنياء وبؤس الفقراء.

في ثمانينيات القرن الماضي، كان البطء يدب في النمو الاقتصادي الآيسلندي، وعلى الجانب الآخر ظهرت مجموعة من المنادين بتحرير الاقتصاد وإزاحة يد الدولة عنه، سُميت تلك المجموعة بالقاطرات «لوكوموتيفات»، وكان المسيطرون على اللوكوموتيفات مجموعة من الطلاب السابقين بكليات إدارة الأعمال والقانون بجامعة آيسلندا.

تولى هؤلاء (النيوليبراليون) مقاليد السلطة، واستطاعوا منذ عام 1994 أن يُحوِّلوا الاقتصاد الآيسلندي إلى “جنة للأغنياء”، وأداروا برنامجهم الذي يظهر في سطحه المرئي أنه تحرير للأسواق من الدولة وكسر لاحتكارها بنجاح، وبدأت خصخصة البنوك منذ أواخر التسعينيات، عبر عمليات موجهة ومسيسة، كما سيتبين لنا عندما نتحدث عن العائلات المهيمنة على الاقتصاد الآيسلندي.

  • الثلاثة بنوك الكبرى، وقصة الأخطبوط والحبار

الأخطبوط هو مفهوم شاع استخدامه في أوائل القرن العشرين لوصف الرأسمالية الاحتكارية. * البروفيسور هانز جسواررسون

بقت آيسلندا مستعمرة دنماركية، ولم تحصل على استقلالها التام سوى في عام 1944 بعد الحرب العالمية الثانية، ونتيجة هذا الإرث الاستعماري، وما يستتبعه من علاقات اجتماعية، كان المهيمن على الاقتصاد الآيسلندي منذ الاستقلال هو كتلة من 14 عائلة عرفوا فيما بعد باسم «الأخطبوط».

كما يظهر من الاسم فإن عائلات الأخطبوط كانت تسيطر على مفاتيح الاقتصاد في البلاد، وتمتلك مفاتيح السياسة أيضًا، عن طريق سيطرتها على حزب الاستقلال، وهو الحزب الأكبر في البلاد، وظل يُنظر إلى أسر الأخطبوط في آيسلندا عمومًا بوصفهم المنبع الأساسي الذي يفرخ النخبة السياسية والاقتصادية في آيسلندا على مدار القرن العشرين.

يلي عائلات الأخطبوط في النفوذ والسيطرة على المفاتيح الاقتصادية في البلاد، عائلات الحبار، التي تسيطر على الحزب اليميني الآخر، وهو حزب التقدم الشريك الدائم في التحالف مع حزب الاستقلال في حكم البلاد، ووفق التقارير كان الاقتصاد الآيسلندي قبل تحرير الأسواق يعاني من المحسوبية ونقص النزاهة، فقد كانت البنوك تحت إدارة أعضاء الأحزاب السياسية الكبرى في البلاد، ومن ثم كان أعضاء حزب الاستقلال الذين يديرون بنك «لاندسبانكي»، يوجهون القروض للشركات التي يمتلكها رجال أعمال تابعون لعائلات الأخطبوط.

لكن الليبراليين يرفضون الاستخدام اليساري لكلمة الأخطبوط، ويرون أنها كلمة مستدخلة على آيسلندا من قبل اليسار، لأنها تصور الدولة وكأنها ذات اقتصاد إقطاعي، يحارب فيه قلَّةٌ من المالكين جموع العمال المحرومين، وهو ما ينفيه الليبراليون دائمًا؛ مؤكدين أن مفهوم الأخطبوط أو الـ14 عائلة، هو مفهوم تمّ نقله من التجربة السلفادورية بالتحديد، حيث انقسمت السلفادور جغرافيًّا إلى 14 مقاطعة، وسط تباين شديد بين طبقة صغيرة من المُلاك في الـ 14 مقاطعة، وطبقة هائلة من الفقراء المحرومين، في حين أن آيسلندا لم تشهد مثل هذا التباين الشديد في مستويات الدخل بين المواطنين.

يوهانا سيغورذاردوتير

لا ينكر المحللون الاقتصاديون ذوو الميول الليبرالية أن بعض العائلات التجارية في آيسلندا، كانت ذات تأثير ونفوذ أساسي في البلاد طوال القرن العشرين، لكنهم يعتبرون حصر هذا النفوذ الكبير على الـ 14 عائلة هو محض وهم، فقد كان هناك أفراد يستطيعون الوصول إلى السلطة والنفوذ رغم أنهم يرتبطون بعائلات يسارية، ويستشهدون على ذلك بتولي «يوهانا سيغورذاردوتير» منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية والأمن الاجتماعي في فترتي (1987 – 1994) و(2007 – 2009)، قبل أن تأتي الأزمة المالية العالمية، وتصبح يوهانا اليسارية أول امرأة تتقلد رئاسة الوزراء في آيسلندا.

يرى الليبراليون أن تلك العائلات قد اكتسبت شهرتها وقوتها؛ لأن أفرادها تولوا مناصب مرموقة وحققوا نجاحات كبيرة، ويرفضون الرؤية اليسارية التي تقول إن هؤلاء الأفراد قد حصلوا على تلك المناصب بسبب انتمائهم لعائلات الأخطبوط والحبار وليس العكس.

منذ أن أذاع التليفزيون الآيسلندي عام 1986 عملًا دراميًّا؛ عن المافيا الإيطالية بعنوان الأخطبوط، صارت الكلمة شائعة الاستعمال بين العامة ككلمة دارجة، ومنذ ذلك الحين بدأت الصحافة تستعين بالكلمة لوصف المجموعة الكبيرة من رجال الأعمال، المرتبطة ببعضها البعض، والذين يقودهم في النهاية رجل الأعمال الكبير «هالدور جونسون». ورغم تأكيد الاقتصاديين اليمينيين على أن تلك المجموعة، لم تكن تمتلك سوى مجموعة ضئيلة من الشركات الكبرى في آيسلندا، وأن الجزء الأكبر من هذه الشركات الكبرى كان تعاونيات ومؤسسات حكومية، لكن كلمة الأخطبوط صارت شائعة بعد ذلك، ودارجة عند المحللين الاقتصاديين الذين يتناولون الحالة الآيسلندية، ويرون في مفهوم الأخطبوط مفهومًا قادرًا على تحديد ظاهرة معينة في البلاد؛ متمثلة في الكتلة المتشكلة من الـ14 عائلة الذين يفرضون سيطرتهم على حزب الاستقلال.

ديفيد أودسون

  • هل حققت (النيوليبرالية) وعودها وحررت الاقتصاد من الدولة؟

في عام 1982، أصبح واحدًا من مؤسسي «اللوكوموتيفات» ديفيد أودسون، عمدة العاصمة ريكيافيك، عُرف أودسون بعد ذلك بأنه مهندس التحوُّل لليبرالية الاقتصادية في البلاد، وكانت أفكاره وسياساته المرتبطة بالخصخصة؛ قد جعلته جذَّابًا للغاية بالنسبة لحزب الاستقلال، وسرعان ما أصبح أودسون زعيمًا للحزب ورئيسًا للوزراء، ليقود ما أطلق عليه تحرير الأسواق والانفتاح على العالم، وسرعان ما حاز على إعجاب وثقة العائلات الغنية بالبلاد؛ حيث رأت تلك العائلات أن خطة أودسون بخصخصة المؤسسات الاقتصادية التي تسيطر عليها الدولة فضلًا عن ملكيتها للمصارف، سيرفع الحدود عن إمكانيات جديدة للثراء الإضافي.

منذ عام 1998، بدأ أودسون في عملية خصخصة البنوك، التي انتهت بانتقال ملكية أهم ثلاثة بنوك في آيسلندا «بنك كوبثينغ وبنك لاندسبانكي وبنك غليتنير»، إلى أيدي الداعمين لحزب الاستقلال بالمرتبة الأولى، وداعمي حزب التقدم في المرتبة الثانية، وهو ما يعني في نظر اليسار «عائلات الأخطبوط، والحبار»، حيث تم استبعاد المتقدمين للمزاد من غير نبلاء الحزبين.

وبدورهم قام الملَّاك الجدد بإنشاء الشركات القابضة، التي موَّلتها بنوكهم لإنشاء مشروعات جديدة.

ونتيجة لذلك استدعت عملية الخصخصة والتحول (النيوليبرالي) أسئلة كثيرة بعد الأزمة، حول ما إذا كان ما حدث تحريرًا للأسواق من تدخل الدولة، أم أنه تسخير الدولة من أجل خدمة الأغنياء ومضاعفة أرباحهم؟

  • شعبٌ آخر جديد

تجربة أودسون مع السياسات الليبرالية هي أعظم قصة نجاح في العالم. *وول ستريت جورنال قبل الأزمة

كان معدَّل نموّ القطاع المصرفي في آيسلندا من 2003 إلى 2007 غير مسبوق، ارتفع مجموع أصول البنوك الثلاثة الكبرى من ضعفي الناتج القومي الإجمالي في عام 2003، إلى أكثر من ثمانية أضعاف في 2007، وكان ذلك يحدث وسط تلاعبات مالية هائلة تمّ إثباتها فيما بعد على مُلَّاك البنوك الثلاثة. وقد اعتمدت البنوك بشكل كبير على الأموال الأجنبية لتوسعها، وجاء التمويل منذ وقت مبكر عبر بيع السندات في السوق الأجنبية.

في عام 2006، صارت البنوك الثلاثة الآيسلندية من أكبر 300 بنك في العالم، ومع الوفرة الفائقة التي منحتها تلك البنوك من القروض؛ سمحت للناس بالاستهلاك المسرف للغاية. تغير الشعب الآيسلندي تمامًا وصار كل مواطن يحلم بالثراء السريع، في ظل ازدهار لقيمة الاستهلاك في حد ذاته.

خلال تِلكَ الفترة تم تخفيف قيود الرهن العقاري، وتم السماح بأن تصل القروض إلى 90%، وخفضت معدلات ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة، ورغم أن عدد سكان مدينة ريكيافيك آنذاك لم يتعد 110 آلاف نسمة، بدأ مخطِّطُو المدينة في تنفيذ خطتهم لتحويل المدينة إلى «دبي ثانية»؛ مدينة عالمية ذات مظاهر فارهة، وبدأوا فعلًا في تنفيذ عديد المباني الخاصة والعامة.

باتت التقارير الصحفية تتحدث عن أن أي مواطن من سكان آيسلندا، يستطيع تسديد ثمن أيّ شيء -حتى فنجان القهوة- ببطاقة الائتمان، بفضل ما سُمِّيَ آنذاك بتطور النظام المصرفي في البلاد. وصار الليبراليون الجدد يرون في الشعب الآيسلندي «شعبًا مستهلكًا مثاليًّا»، فقد كان الشعب الآيسلندي الذي لا يتجاوز تعداده 270 ألف نسمة آنذاك، يمتلك حوالي 150 ألف سيارة –جميعها مستورد بطبيعة الحال-، وكانت الأرقام الرسميَّة تشير إلى أن كل آيسلندي يسافر في إجازة خارج البلاد مرة واحدة على الأقل سنويًّا، وذلك على الرغم من ارتفاع تكلفة السفر؛ نتيجة احتكار شركة الخطوط الجوية الوطنية «آيسلندر» لسوق السفر الجوي.

ارتفع الدخل والثروة وارتفع معهما أيضًا انعدام المساواة؛ عن طريق السياسات الحكومية التي حولت العبء الضريبي من على كاهل الأغنياء إلى كاهل السكان الأقل دخلًا، وفي ذلك الوقت كان المصرفيون يقدمون معونات كبيرة للأحزاب السياسية، وقروض ضخمة للسياسيين الأهم في البلاد.

قدمت البنوك الثلاثة الرئيسية في آيسلندا 1/3 قروضها إلى عملاء غير قادرين على سداد ديونهم، بالإضافة إلى أن هؤلاء العملاء كانوا هم أنفسهم المساهمين الرئيسيين في البنوك الثلاثة، وكمجموعة مالية كبرى آيسلندية، استطاع المساهمون الحصول على حيازات بنكية من جهة، ومن جهة أخرى كانوا هم أنفسهم أكبر المقترضين من البنك.

وشهدت البلاد ظاهرة غريبة أخرى هي مضاربة المساهمين في الأسهم بقروض بنكية، بالإضافة إلى استعمال كبار المساهمين لأموال القروض في المضاربة بالأسهم المصرفية الخاصة.

في نشوة الاستهلاك، تم التغاضي عن مخاطر إستراتيجية “النمو الاقتصادي القائم على الاقتراض الهائل من الخارج”، إلى أن جاءت الكارثة. ففي أوائل عام 2006، كان هناك مجموعة متنوعة من الدلائل عن مواجهة آيسلندا لأزمة مالية، لكن الحكومة لم تبال بذلك، وبحلول عام 2008 جاءت الكارثة.

2 مظاهرات 2009

  • الأزمة

إن الناس لم تكن تريد الاستماع إلى الحقيقة، لأن الأموال التي هبطت عليهم من البنوك كانت مصدر بهجة للكثيرين، كانت البنوك تمنحهم القروض بطريقة متهورة، وكان البعض يستخدم القروض البنكية في المضاربة في سوق الأسهم. * تصريح ديفيد أودسون بعد الأزمة

كما أوضحنا سابقًا فإن القطاع المصرفي في البلاد؛ بعد الخصخصة ودخول عصر (النيوليبرالية)، كان قد جلب الأموال الضخمة للبلاد بلا حساب، حتى بلغت قيمة أصول البنوك الآيسلندية 209 مليارات دولار، أي ما يعادل 11 ضعف الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

ومع هذا التحول بدأ رجال الأعمال المحليين في خوض غمار العولمة، وقاموا بشراء العديد من محال السوبر ماركت في الولايات المتحدة وإسكندنافيا وشركات الأزياء والبيع بالتجزئة في بريطانيا؛ بل ودخلوا أيضًا في المغامرات الاقتصادية الرياضية عبر شراء أحد أندية كرة القدم في إنجلترا.

قام رجال الأعمال الآيسلنديون بشراء بعض هذه الأصول بقروض غير مضمونة، وهو الأمر الذي جعلته (النيوليبرالية) أمرًا ممكنًا، ونظرًا لأن آيسلندا ليس فيها إلا 200 ألف نسمة فقط ممن هم في سن العمل، فلم تحقق البنوك ما يكفيها من الأرباح بإقراض السكان المحليين, وبالتالي توسعت بلا هوادة في الأسواق الدولية.

ولاجتذاب الأموال من الأسواق الدولية، رفعت آيسلندا أسعار الفائدة إلى 15 في المائة، وهو ما جعل عملتها مقصدًا للمضاربة؛ حيث يقترض المضاربون من اليابان مثلًا بسعر فائدة 3%، ويودعون أموالهم في البنوك الآيسلندية بسعر فائدة 15%. وظلت البنوك الآيسلندية قوية ما دامت الأموال تأتيها من كل حدب وصوب. حتى المواطنين الآيسلنديين جذبتهم أنشطة مثل المضاربة بالعملات، كما توجهوا إلى الاقتراض لشراء السيارات والمنازل, وهو ما جعل تأثير الأزمة المالية العالمة عاصفًا في آيسلندا.

نبعت المشكلة التي تواجه آيسلندا من الديون الضخمة التي كبلت مصارفها الرئيسية أنفسها بها، فحسب إحصاءات مؤسسة تومسون رويترز، كانت البنوك الآيسلندية الكبرى الثلاثة (كوبثينج ولاندسبانكي وغليتنير) مدينة بما مجموعه 62 مليار دولار لدائنين في داخل البلاد وخارجها، وخاصة في بريطانيا وهولندا وألمانيا، علمًا بأن مجموع حجم الدعاوى ضد البنوك الثلاثة آنذاك بلغ 107 مليارات دولار أمريكي.

وبات الاقتصاديون يرون أن البلاد على حافة الإفلاس مع عام 2008، نتيجة منح قروض بالمليارات لمُلاك العقارات والأراضي دون أي ضمانات.

انهار النظام الائتماني الآيسلندي وتعرضت البلاد لخطر الانهيار الاقتصادي الحتمي، بعد أن قامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتشديد على إعطاء القروض، وطالبا آيسلندا بسداد قروضها على الفور، وهو ما وضع البلاد في موقف التخلف عن سداد القروض.

تعرضت الثلاثة بنوك إلى أزمة مالية خانقة، ولم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها القصيرة الأمد تجاه عملائها، واضطرت إلى تجميد نشاطاتها، وهو ما يعني أن الدولة ستجد نفسها عاجزة عن دفع أثمان وارداتها بسبب افتقارها إلى العملة الصعبة.

إن مفهوم الاقتراض الحر دون رقابة مالية خطف اقتصاد آيسلندا. وفشل النظام المصرفي وفشل نظام الرقابة هو فشل مفهوم السوق الحرة. * شتاينجريمور سيجفوسون، زعيم حزب الخضر اليساري

 2. عودة إلى الغضب الفريد!

كان شيئًا أشبه بالمعجزة، فقد أجبر الثوّار الآيسلنديون الحكومة (النيوليبرالية) على الاستقالة، واعتبروا أن الكارثة الاقتصادية كانت نتيجة محتومة للخدعة اليمينية التي أغرقتهم في الديون، ومن ثَمّ اختار الشعب الآيسلندي المسار اليساري لعلاج الأزمة، فقد انتخب الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وإلى جانبه بنسبة أقل الحزب الأكثر راديكالية حزب الخُضر.

كانت آيسلندا البلد الأوروبي الوحيد، الذي رفض في استفتاء شعبي عقب أزمة الرَّهن العقاري، إنقاذ المصارف الخاصة وتركت بعضها ينهار، بل وحاكمت عديدًا من المصرفيين على جنحهم المالية، وبعد إعلان تأميم البنوك الخاصة الكبرى، كانت آيسلندا أمام خيارين إما أن تعلن مسؤوليتها عن رد الأموال للدائنين في داخل البلاد وخارجها، وخاصة في بريطانيا وهولندا وألمانيا، وتدخل في دوامة التقشف والتكيف وما يصاحبه من مخاطر اجتماعية، وإما أن تتخذ الاتجاه الآخر، وتفقد مصداقيتها في سوق المال العالمي، فاختارت ببساطة فقدان المصداقية، وتوديع مسار القاطرات واللوكوموتيفات الذي رأى الشعب آنذاك أنه السبب في الانهيار.

خريطة آيسلندا

  • اليسار ينجح بالفعل

    كنا حكماء بما فيه الكفاية في عدم اتباع المعتقدات السائدة التقليدية في العالم المالي الغربي في السنوات الـ30 الماضية. تحكمنا في العملة، ولم ننقذ البنوك الفاشلة وتركنا المصارف تعلن إفلاسها، وقدمنا الدعم للفقراء، ولم تتخذ تدابير التقشف التي تراها في بقية أوروبا. *أولافور راغنار غريمسون رئيس آيسلندا ردًّا على سؤال: كيف نجحت آيسلندا؟

اتخذت الحكومة اليسارية التي رأستها السيدة «يوهانا سيغورذاردوتير»، إجراءات صارمة بخصوص تدخل الدولة في الاقتصاد لحل الأزمة، مختلفة تمام الاختلاف عن الخطوات (النيوليبرالية) التي اتخذتها كل الدول الأوروبية الأخرى، التي عانت في أعقاب الأزمة المالية العالمية. تدخلت الدولة بقوة في أسواق المال والعملة والعقارات، وتعهدت بحماية ودائع المواطنين، وهذا ما حال دون تعرض الودائع إلى أي خسائر، وشرعت في تنفيذ برامج اجتماعية موجهة لحماية مصالح الأغلبية، حتى لا يتحمل الأقل دخلًا عبء الأزمة والتقشف الناتج عن حذف بنود كثيرة من ميزانية الدولة من أجل مواجهتها، وحدهم.

اتخذت الحكومة أثناء تدخلها في مسار الاقتصاد، خطوات من شأنها حماية الطبقة العاملة، وحققت لها منجزات عدة في ذروة الأزمة، فقد رفعت الحكومة اليسارية إعانات البطالة للمتضررين بفقدان أعمالهم نتيجة دخول البلاد على حافة الإفلاس، وكذلك رفعت مدة فترة تلقي الإعانة من ثلاث سنوات في السابق إلى أربع سنوات، وكان الإنجاز الأهم في حقوق العمال هو الزيادة الكبيرة في الحد الأدنى للأجور، وهذا ما سمح بانتعاش السوق الآيسلندي بعد ذلك.

كانت للحكومة اليسارية مصداقية كبيرة عند الشعب خصوصًا لوضوح توجهاتها المختلفة، والمعبرة عن الغضب الشعبي برفض تحميل المسئولية للفقراء، أو التستر على المتسببين في الأزمة المالية بوعودهم وأحلامهم التي صدروها للشعب، وبدأت الحكومة تقول للناس إن الحل ليس في العودة إلى آيسلندا السبعينيات من حيث الاعتماد على الصيد كمصدر دخل أساسي وترك القطاع المصرفي، وإنما يكمن في وضع أسس جديدة لعمل البنوك وتسوية الحسابات مع الدائنين الغاضبين بالخارج، وبالفعل وقعت آيسلندا اتفاقيات مع الحكومتين البريطانية والهولندية؛ تقضي بدفع الأموال المستحقة لهما على مدة طويلة تبلغ 35 عامًا بمعدل فائدة يبلغ 3%.

وتمكنت الحكومة بالفعل بفضل حماية ودائع المواطنين، من الحفاظ على الثقة في القطاع المصرفي، على الرغم من التراجع الملحوظ في أعداد المستثمرين الأجانب في المصارف بدرجة كبيرة، واستجاب الآيسلنديون بالفعل للتوجه الحكومي الجديد في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وبدأوا في وضع أموالهم من جديد في البنوك، رغم علمهم بأنها ليست محل ثقة بعد كل ما حدث. الآيسلندي الذي لهث وراء حلم الثراء السريع وقيمة الاستهلاك، صار يعمل في ثلاث وظائف بدل وظيفة واحدة لمواجهة صعوبات الحياة الجديدة، ويبتعد عن سلوكيات البذخ والإسراف التي غرق فيها قبل الأزمة العالمية، وفي وقت الفراغ إن وجد، كان يمارس الهواية الأثيرة للشعب الآيسلندي “القراءة”، وهو ما شجع على نمو الحركة الثقافية الآيسلندية بقوة.

راغنار غريمسون

 

عادت الثقة في آيسلندا، وعرضت المصارف الأوروبية من جديد إقراضها الأموال، وقررت الحكومة اليسارية أن تترك الاستثمارات ذات المخاطر العالية، وتركز على القطاعات التي تمتلك الدولة فيها خبرة واسعة، مثل الصيد والطاقة الحرارية الأرضية.

بعد ثلاث سنوات من صعود اليسار، بدأت الكتابات الاقتصادية تتحدث عن معجزة تحدث في آيسلندا؛ نتيجة اتخاذ مسار مختلف عن ذلك الذي اتخذته بقية أوروبا تحت إملاءات السياسات (النيوليبرالية)، فوفقًا لدراسات المفوضية الأوروبية لعام 2012، بلغت توقعات النمو الاقتصادي في آيسلندا ثلاثة أضعاف باقي دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن أنهت عام 2011 بنسبة نمو بلغت 2.1%. وفي عام 2013، قفز معدل النمو إلى 3.5%، لتمسح البلاد آثار الأزمة المالية، بحسب بيانات البنك الدولي.

استطاعت آيسلندا أن تقلص ديونها من 1000% إلى 98.2%، واعتمدت على زيادة صادراتها من خلال التحكم في سعر عملتها، ويظهر نجاح آيسلندا جليًّا في مجال مكافحة البطالة، التي بلغت في عام 2009 نحو 7.9%، حيث تمكنت من خفضها في العام اللاحق إلى 7.6 %، وذلك في ذروة الأزمة المالية العالمية، وواصلت نجاحها في الخفض السريع لمعدل البطالة، ليصل بعد ذلك إلى 4.5%.

بالإضافة إلى ارتفاع عدد الزوار الأجانب في 2012 بنسبة 15.9% بحيث نما قطاع السياحة وصار يمثل 5.9% من إجمالي الناتج المحلي.

  • مقارنة هامَّة مع اليونان

لمعرفة مدى النجاح الذي حققته آيسلندا يمكن مقارنتها مع دولة أخرى تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، وتعرضت لنفس الأزمة، ولم تكن بنفس قسوة الأزمة الآيسلندية وهي اليونان، التي اختارت التقشف، وبالنظر إلى النتائج التي واجهت اليونان نتيجة خيارها الذي اتخذته في عام 2010، نجد أنها بدأت في تنفيذ خطتها بنسبة ديون تقارب 130%، وفي الوقت الذي خفضت فيه آيسلندا ديونها كما أوضحنا، كانت اليونان عند مستوى دين 174%، برغم سياساتها التقشفية التي أنهكت مواطنيها، ونسبة البطالة ارتفعت من 12.5% سنة 2010 إلى 27.5% في آخر 2013، بالإضافة إلى الارتفاع الملحوظ في أعداد المشردين ومعدلات الانتحار غير المسبوقة، هذا إلى جانب التدهور الملحوظ في قطاع الصحة، والذي أدى إلى انخفاض متوسط عمر الفرد اليوناني، منذ بدأ الخطة في عام 2010 إلى عام 2013.

 

لم يحتذ اليسار في اليونان حذو اليسار في آيسلندا

3. ما الذي حدث بعد هذا النجاح؟

حَدَثت المفاجأة غير المتوقعة، ففي أول انتخابات بعد ذلك (أبريل 2013) حلّ حزبيّ الاستقلال والتقدُّم من جديد في السلطة، فحصل حزب الاستقلال في التصويت على 26,7% من الأصوات، ولحقه حزب التقدم بـ24,4% من الأصوات، في حين لم يتمكن الحزب الاجتماعي الديمقراطي سوى من جمع 10.5% من الأصوات، ولم يحصد حزب الخضر سوى على 5,5% فقط.

ببساطة أعاد الشعب الآيسلندي من اتهمهم سابقًا بالتسبب في إفلاس البلاد.

  • ماذا حدث؟

     

    1- من وجهة نظر اليمين

بالنسبة لليبراليين الجدد، لم يكن ما حدث من اتهام الليبرالية بالتسبب في الأزمة، والقول بنجاح اليسار في حلِّها أمرًا جديدًا يحدث لأول مرة، فهذا أمر معتاد جدًّا عند الاقتصاديين الليبراليين، والأمثلة على ذلك في القرن العشرين كثيرة، ففي الخمسينيات والستينيات من هذا القرن، نجح أتباع الاقتصاد الكينزي واليساريين في البلدان النامية، من تحقيق قصص نجاح شهدت لها الأرقام والإحصاءات والمشاهدات، مثال على ذلك المخروط الجنوبي من أمريكا الجنوبية؛ حيث تدخلت الدولة في تلك المناطق بإنفاق المال العام على مشاريع البنية التحتية والتصنيع، وقلصت الاستيراد من الخارج عن طريق فرض تعريفات جمركية كبيرة، وظهر هذا المخروط مع نهاية الستينيات وكأنه جزء من أوروبا؛ من حيث التنمية وليس جزءًا من أمريكا الجنوبية، فضلًا عن ردم الفجوات الساحقة بين الطبقات داخله بتوليد طبقة وسطى ضخمة تكون هي الأكبر داخل المجتمع، وظهر كيف تراجعت بشدة تلك النجاحات عندما حل بعد ذلك حكم (النيوليبراليين) المتأثرين بفريدمان وهايك.

لكن عقيدة الليبرالية الجديدة قد لخصها «دانييل بيل» عالم الاجتماع من جامعة هارفارد، الذي قال إن الرأسمالية هي إنجاز سماوي زمني، تحفة فنية تفرض نفسها بقوة أشبه بلوحة آبيليس الشهيرة التي رسم فيها عنقود عنب بدا شديد الواقعية؛ إلى درجة أن العصافير توافدت كي تلتقط حباته، ووفقًا للمعلم الأكبر في (النيوليبرالية) “فريدريك هايك”: “لو تكثف تدخل الحكومة في الاقتصاد سنجد أنفسنا نرتد إلى عصر الإقطاع وسنرتد عن كل مكتسبات الرأسمالية وبالتالي الحداثة والعقلانية”.

بالتالي كان انتخاب اليمين من جديد في آيسلندا أمرًا حتميًّا بالنسبة لليبراليين الجدد، فالناس في الأخير، سيختارون الحرية الاقتصادية التي لا تشوبها أية تشوهات جراء تدخل الدولة، والرأسمالية بوصفها الطور الأخير من أطوار التقدم الإنساني، ستظل تنتصر وتعود رغم أية معوقات، فالرأسمالية النقية توفر للناس حرية المغامرة من أجل الثراء الفريد.

وبالنسبة لبعض الليبراليين فما يسمى باليسار، حين يتولى مقاليد السلطة والاقتصاد في فترات الحرب والأزمات الكبرى، قد يستطيع النجاح الذي يمهد لعودة الرأسمالية الصافية من جديد، فاليسار من وجهة نظرهم لا يمثل إلا حلًّا مؤقتًا يحتاجه الاقتصاد من وقت إلى آخر.

بينما بالنسبة لليبراليين المساواتيين كان الأمر مختلفًا، فهؤلاء أعداء دائمون لـ(النيوليبرالية) ومهاجمون شرسون لها، وبالتالي فقد وجدوا في التجربة الآيسلندية بديلًا ناجحًا عن إملاءات السياسات (النيوليبرالية)، ويرى البعض أن احتفاء الليبراليين المساواتيين بالتجربة الآيسلندية، يرجع إلى أنهم لا يمتلكون تصورهم الاقتصادي البديل لـ(النيوليرالية)، فهم غارقون في الحديث والبحث حول فلسفة الأخلاق دون العمل بشكل كثيف على برامج اقتصادية واضحة، وبالتالي فقد وجدوا في التجربة الآيسلندية ما يسد الفجوات النظرية في طرحهم.

2. من وجهة نظر اليسار:

منذ تحدث الاقتصاديون في العالم عن معجزة اقتصادية تحدث في آيسلندا، كان النشطاء اليساريون الأوروبيون يتوافدون على آيسلندا بغية الاستفادة من خبرتها، لكنهم كانوا يفاجؤون من عدم تحمس النشطاء الآيسلنديين نفسهم لما يحدث، وابتعادهم عن وصف الأحداث بالثورة.

بالنسبة للراديكاليين الآيسلنديين، فإن نجاح التحالف اليساري كان تجربة يحدها مصالح الطبقة الرأسمالية، التي لم تُفك بعد شبكة مصالحها تمامًا، فضلًا عن إعراب التحالف منذ البداية عن أن هذا التدخل القوي من الدولة في الاقتصاد سينتهي قريبًا، بالإضافة إلى الرغبة الملحة للتحالف اليساري منذ أن تولى السلطة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فمنذ يوليو 2009 كان التحالف يتفاوض بإصرار حول انضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما لا يحدث أبدًا سوى بالتخلي عن الضوابط الموضوعة على حركة رأس المال، والعملة التي ستصبح “اليورو” بمجرد الانضمام، وقد حققت آيسلندا بالفعل في فترة حكم اليسار 10 بنود من قوانين الاتحاد الأوروبي التي يجب على الدول الراغبة في الانضمام أن تفعلها، وقد وُصفت التجربة الآيسلندية في تحقيق هذه البنود بأنها الأسرع بالمقارنة بأي بلد أخرى راغبة في نفس الأمر منذ اعتماد القواعد الجديدة للاتحاد في عام 2006.

كما أن الدولة بعد تأميم البنوك في البداية، قامت بعد ذلك بخصخصة بنكين كبيرين منهما من جديد، وهو ما رآه اليسار الراديكالي آنذاك مؤشرًا جديدًا على تراجع الحكومة عن التدخل في القطاع المصرفي وحركة رأس المال.

وبالنسبة للأكثر راديكالية في اليسار فإن التحالف اليساري لم يقدم من الأصل أي بديل جذري للتقشف عن بقية أوروبا، فقد ارتفعت الإيجارات في العاصمة ريكيافيك، والضواحي المحيطة بها بنسبة تزيد على 50%، كما ارتفعت أيضًا المواد الغذائية الأساسية مثل اللبن، والخبز، والدقيق، والخضروات، والفواكه بنسبة بين 61% و233%، وتذكرة السينما التي كانت بـ800 كرونة في 2008 بلغت مع انتهاء حكم اليسار 1350 كرونة.

على الجانب الآخر فإن الاتجاه الأكثر راديكالية في التحالف وهو حزب الخضر لم يؤخذ باقتراحاته الجذرية فيما يخص طرد القاعدة الجوية الأمريكية من البلاد، وتفعيل قوانين لحماية البيئة بشكل صارم، ووضع دستور جديد يكون من تأليف الناس العاديين الذين يتم انتخابهم عبر القرعة واليانصيب.

بذلك فقد لعب اليسار في آيسلندا بالنسبة للراديكاليين عبر سياساته غير الراديكالية دور الممهد لعودة اليمين من جديد، الذي جمع شتاته بعد فضيحة الأزمة.

السبب الخطير الآخر بالنسبة لليسار؛ يتمثل في عدم تفتيت شبكة العلاقات والمصالح الرأسمالية، فقد ظل ديفيد أودسون ذا نفوذ واسع في مجال الإعلام، وقد استطاع اليمين أن يقنع الشعب عبر وسائل الإعلام الخاضعة له، بأن الأزمة التي ضربت آيسلندا هي عاصفة جاءت من الخارج، ولم يكن للحكومة ورجال المال وقتها سببًا فيها، وتظهر استطلاعات الرأي أن وسائل الإعلام هذه قد نجحت في إقناع الشعب الآيسلندي، بأن التحالف اليساري كان هو المسئول بشكل أو بآخر عن كل ما عانوه من مشاكل.

في النهاية لا يعد هذا التقرير سوى مقدمة بسيطة عن تجربة آيسلندا التي تطرح العديد من الأسئلة حول ظاهرة صعود اليمين بقوة في أوروبا، وحول التجارب التي لا تستجيب إلى حد كبير لإملاءات السياسات (النيوليبرالية)، وتحقق نجاحات موثقة لكنها تفشل في النهاية، وعن سبل التقدم المتاحة والمُجهضة أمام الجنس البشري، ومع ذلك لا تجد التجربة الآيسلندية صدى كبيرًا في الكتابات العربية؛ حتى الاقتصادية منها إلى هذه اللحظة، رغم أن البعض قد ينظر إليها باعتبارها درسًا من أهم دروس القرن الواحد والعشرين في السياسة والاقتصاد، والتي ينبغي دراستها والاستفادة منها، بالأخص لدى الشعوب الثائرة في العالم العربي منذ عام 2011.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد