بأشجار زيتون حُفّت، إدلب الخضراء، لحقت برِكاب الثورة في بداياتها منذ قيامها مارس\آذار 2011، تقع في قبضة النظام تارةً وفي يد المعارضة المسلحة تارةً أخرى، معارك ومجازر شهدتها “إدلب” على مدار أربعة أعوام من الحرب الطاحنة كان آخرها المعركة التي على إثرها سيطرت “جبهة النصرة” على معظمها، ما بين حديث عودة النظام لقصفها ببراميله المتفجرة أو الكيماوي، أو باندلاع نزاعات داخلية بعد الجبهات المسيطرة، تكمن حكاية “إدلب” منذ قيام الثورة، وفي هذا التقرير استعراض لأهم المحطات التي مرت بها إدلب منذ يونيو 2011 من السقوط المتكرر إلى الانتصار غير المكتمل.

“إدلب”، المحافظة الواقعة في شمال سوريا – تقع على البوابة الشمالية لسوريا والتي تطل منها على تركيا وأوروبا -، ويفصلها عن العاصمة “دمشق” 330 كم، تشغل المرتبة الثامنة وسط المدن السورية من حيث المساحة، والخامسة من حيث عدد السكان – وفقًا لإحصاء عام 2010 أي قبل اندلاع الثورة بعام -، وتُقسّم إدرايًا إلى خمس مناطق إدارية أساسية وهم “إدلب، أريحا، معرة النعمان، جسر الشغور، حارم”.

وتضم “إدلب” 21 مدينة وقرية منهم الذي اشتهر اسمه أثناء السنوات الأربعة الماضية، مثل: كفرنبل، معرة النعمان، وجسر الشغور.

‹معرة النعمان› مهد الثورة في ‹إدلب› .. يونيو 2011

بدأت الثورة تخطو أولى خطواتها في “إدلب” من “معرّة النعمان” و”جسر الشغور” حيث قُتل أول شاب برصاص الأمن في أواخر مايو 2011، وفي أول مظاهرة بـ”جسر الشغور” كان 1000 متظاهرًا يهتفون بإسقاط النظام في أبريل 2011.

سيطرت المعارضة المسلحة على معرة النعمان كاملة في أكتوبر 2012

في 3 يونيو شهدت معرّة النعمان اعتصامًا ضخمًا ومظاهرات حاشدة سقط على إثرها 3 قتلى وعند تشييعهم في اليوم التالي سقط 10 قتلى آخرين، وبدأت المروحيات العسكرية بقصف المدنيين فوقع 28 قتيلًا بحلول الخامس من يونيو، وفي السادس من يونيو تعرضت المراكز الأمنية لهجمات عنيفة أودت بحياة أكثر من 120 رجل أمن تابعين للنظام السوري في “جسر الشغور”، وأعلن أحد الضباط السابقين بالجيش النظامي السوري مسؤوليته هو ومنشقين آخرين عن العملية، ومن هنا تأسست حركة “الضباط الأحرار” واتخذت من إدلب مقرًا لها.

توضيح أهم مناطق تمركزات الأمن، مصدرالصورة: تنسيقية مدينة إدلب

 

ردًا على ما حدث لجنوده، قام الجيش النظامي بمحاولة استعادة السيطرة على إدلب التي أصبحت معقلًا للمنشقين فقام بتجميع حملة موسعة بدءًا من 8 يونيو، الأمر الذي جعل الأهالي والمدنيين يفرون إلى الحدود التركية فنزح ما يقرب من 600 سوري في يوم واحد خوفًا من بطش النظام بهم، ووصولًا إلى 9 يونيو بدأ من تبقى في إدلب عصيانًا مدنيًا شاملًا.

وفي 10 يونيو تجمع المتظاهرون في معرة النعمان، لكن سرعان ما باغتتهم القوات النظامية وقام الطيران بفتح نيرانه عليهم مرة أخرى، وحُوصِرت جسر الشغور بـ14 دبابة وشهدت المدينة نزوحا جماعيا للمرة الثانية، وبعد معارك استمرت عدة أيام استطاع النظام السيطرة على جسر الشغور مرة أخرى والقيام بحملة اعتقالات موسعة.

جبل الزاوية، الواقع في إدلب كان قد تم محاصرة قراه واقتحامها وجعل من إحدى قراه مستقرا له حتى يستطيع الجيش النظامي السيطرة على هذه المنطقة والوصول إلى معرة النعمان من خلالها بسهولة، وذلك في الفترة من 28 يونيو وصولًا إلى 7 يوليو، وسقط في اجتياح جبل الزاوية وقراه المئات من القتلى والجرحى والمعتقلين، لا يوجد إحصاء دقيق بخصوصهم.

وفي شهر أغسطس 2011 حدث السيناريو الذي تكرر على مدار ستة أشهر: اعتقال فتظاهرات، فقتلى جراء فتح قوات الأمن النيران على المتظاهرين، فيخرج المشيعون ليعودوا وقد زادت أعداد الشهداء بدلًا من تشييعهم، وعلى إثرها يقتحم الجيش مدنًا أخرى جديدة. وبعد انقضاء 10 أيام من أغسطس أعلنت السلطات الرسمية السورية بأنها تنسحب من إدلب بعد إنهاء مهماتها بها، إلا أنه في صباح اليوم التالي للإعلان كان تم اقتحام إحدى مدن إدلب وإيقاع قتلى من بين المدنيين الموجودين بها. وتباعًا وصولًا إلى سبتمبر، شددت قوات الجيش النظامي حصارها على “معرة النعمان”.

وفي أكتوبر تم الإعلان عن تأسيس الجيش السوري الحر، بعد انشقاق عدد من الجنود بعد رفضهم أوامر بإطلاق النيران على التظاهرات، فاندلعت اشتباكات بين الجيشين النظامي والحر.

في ديسمبر حدثت مجزرة “كنصفرة وكفر عويد”، وقامت المجزرة على مرحلتين: الأولى كانت في “كنصفرة” حيث أعدم الجيش النظامي ما يقرب من 70 جنديا منشقا، والمرحلة الأخرى كانت في “كفر عويد” حيث تم محاصرة مدنيين ومن ثَم قصفهم من قِبل الجيش فوقع ما يقرب من 200 قتيل.

الذكرى الأولى لاندلاع الانتفاضة السورية .. المعارك مستمرة

صورة من مظاهرات إدلب

 

قرابة الذكرى الأولى للثورة، وتحديدًا في مطلع مارس 2012 حاصرت قوات النظام إدلب، وبدأت بقصفها هي وجبل الزاوية بهدف السيطرة عليها بعد معارك حمص والتي انتهت بسيطرة النظام على “بابا عمرو”، وبعد أربعة أيام من المعارك المتواصلة والكر والفر بين الجيشيين النظامي والحر، استطاع الجيش النظامي السيطرة مرة أخرى على إدلب بعد أن كانت معظمها تحت سيطرة الجيش الحر، وخلال الأربعة أيام سقط حوالي 150 شخصا منهم 30 عسكريًا من الجيش الحُر.

وفي مايو من نفس العام، أصدرت منظمة “هيومان رايتس واتش” تقريرًا يفيد بقيام القوات النظامية بارتكاب جرائم حرب، في أبريل قبل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النيران بوقت بسيط.

وفي نوفمبر 2012، أعلنت بعض فصائل المعارضة في إدلب استعدادها للاتحاد من أجل إسقاط نظام بشار الأسد، ويُذكر أن غالبية هذه الفصائل ذات توجه إسلامي، ولكن الاتفاق على عدم وضع أي أجندات سياسية أوبنود مُسبقة وأن الهدف هو إسقاط النظام فقط.

العام الثاني والثالث للأزمة السورية .. وجبهات متعددة للصراع 

من مظاهرات كفرنبل فبراير 2013

 

وفور ظهور “جبهة النصرة” وتنظيم “داعش” على الساحة السورية، وظهور الخلافات بينهما التي وصلت إلى حد الاغتيالات فكانت المعارك في “إدلب” لسيطرة أي منهم على هذه المدينة.

فقام تنظيم الدولة باغتيال أمير “النصرة” في الرقة، في أبريل 2014 قام 4 من عناصر “داعش” بالتسلل إلى منزل “أبو محمد الأنصاري” وقتله هو وزوجته وطفلته وشقيقه. الأمر الذي يوضح العداء الدائر بين التنظيمين.

وبدأت الخلافات بين النصرة وداعش في مطلع 2013 عندما، أعلن “العدناني” في تسجيل صوتي عن ضم “النصرة” – التابعة بالأصل – لتنظيم القاعدة إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وهو الأمر الذي نفاه “الظواهري” أمير التنظيم، و”محمد الجولاني” المعروف إعلاميًا بـ”محمد الفاتح” أمير النصرة في سوريا، مما أدى إلى توتر العلاقة بين التنظيمين واستهداف بعضهما البعض والقيام بعمليات اغتيال ضد بعضهما.

وفي وسط المعارك الطاحنة بين التنظيمين كان النظام مستمرًا في قصف إدلب ومدنها سواء بالبراميل المتفجرة أو بالكيماوي، وفي أبريل 2014 قالت “منظمة أطباء العالم” التي تتخذ من باريس مقرًا لها أن معظم الحالات التي قاموا بعلاجها بعد قدومهم إلى تركيا، قد تكون ناتجة عن استنشاق لغاز الكلور، وأعربت المنظمة عن “قلقها العميق” جراء تزايد أعداد المصابين بمشاكل في الجهاز التنفسي والتي بدورها ناتجة عن التعرض لغاز الكلور.

وفي نوفمبر 2014، قامت جبهة النصرة بالسيطرة على “بلدة خان السبل” الواقعة على طريق رئيسي يربط بين إدلب بحلب. غير سيطرة النصرة على جبل الزاوية الذي كان يسيطر عليه “جبهة ثوار سوريا” والاستيلاء على أسلحتهم بعد معارك دامت أسبوعين.

صورة لأحد مسلحي الجيش السوري الحر أثناء تأمين مسيرة مناهضة للأسد

 

وفي تقرير للـ”مونيتور” نُشر في نوفمبر2014 قال مراسل في دمشق، أن جبهة النصرة تسعى لأن تكسب أرضًا لها لتُعلنها إمارة لخلافة إسلامية على غرار “الرقة” بالنسبة لتنظيم “داعش” – الذي أعلن الخلافة في 30 يونيو من العام المنصرم – ولكي تقوم النصرة بإعلان الإمارة كان لزامًا عليها أن تُسيطر على مدينة ذات موقع متميز ويمكنها السيطرة على المقاتلين فيها من الفصائل الأخرى مثل ما حدث مع “جبهة ثوار سوريا” و “حركة حزم”.

إدلب .. تتحرر أم المعركة تتعقد؟

وفي الذكرى الرابعة لقيام التظاهرات في المدن السورية أعلن “جيش الفتح” والذي يضم مقاتلين من خلفيات إسلامية واندمج تحت لوائه جبهة النصرة، أحرار الشام وصقور الشام وغيرها وقاموا بالاستيلاء على إدلب، بعد معارك مع النظام استمرت لأربعة أيام متواصلة.

يظل المستقبل أمام “إدلب” غامضًا هل ستتحول تدريجيًا إلى إمارة إسلامية مثل الرقة؟ وهل سيترك النظام مدينة تطل حدودها على تركيا بالخروج من تحت سيطرته ببساطة؟ وعن أي علم سيرفع فوق بنايات إدلب.. هل هو علم الثورة السورية أم علم التوحيد؟ كان هذا الأمر الأخير قد أثار جدلًا على موقع التواصل الاجتماعي تويتر حيث ظهر هاشتاج “#ارفع_علم_ثورتك” وآخر”#ارفع_علم_التوحيد_في_إدلب“، وهل سيفي القائد العام لحركة أحرار الشام الإسلامية بوعده في بيانه الصادر 29 مارس 2015 بأن لا نية لقيام إمارة إسلامية في إدلب وأن على الجميع المساهمة والمشاركة في إدارة شؤون إدلب؟

البيان الصادر عن الجبهة الإسلامية

 


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد