بسيطرة تحالف قوى المعارضة السورية، خرجت مدينة إدلب الواقعة في شمال غرب سوريا من قبضة النظام السوري، لتغدو ثاني مركز (عاصمة) محافظة يخرج عن سيطرة قوات النظام السوري بعد مدينة الرّقّة التي خرجت عن سيطرتها قبل أكثر من سنتين.

تعني السيطرة على إدلب أن المعارضة الآن على تخوم مدينة اللاذقية معقل النظام ويعني أن لديها قدرة على  عرقلة خطوط الإمداد بين حلب شمال البلاد والساحل غربًا، حيث تقع إدلب الخضراء – لكثرة أشجار الزيتون فيها – إلى الجنوب الغربي من مدينة حلب وتبعد عنها 60 كم وعن اللاذقية 132 كم وعن دمشق 330 كم وعن حمص 168 كم وعن حماة 105 كم، وهي ذات ثقل تجاري كبير نظرًا لخط الإمداد المباشر من تركيا إليها عبر معبر باب الهوى الحدودي.

كيف تمت سيطرة المعارضة السورية على مدينة إدلب؟

بدأت معركة تحرير إدلب بتمهيد مدفعي وبمئات الفوهات من الأسلحة الصاروخية والمدفعية والهاونات. استهدفت قوى المعارضة السورية فصل الخط الدفاعي الأول البعيد المحيط بإدلب عن خط الدفاع الثاني, ويتمثل الخط الدفاعي الأول الذي وضعه النظام في مدينة إدلب بمعسكرات المسطومة على الاتجاه الجنوبي وحاجز القرميد والتنمية وحاجز بنش على الاتجاه الشرقي، إضافة إلى حاجز معمل الكونسروة على الاتجاه الغربي, أما خط الدفاع الثاني والمتمثل بأكثر من (25) حاجزًا صغيرًا تتموضع على كورنيشها الذي يحيط بالمدينة من جهاتها الأربع.
هذا العزل بالنيران الذي حققته الفصائل المهاجمة لاستبعاد جهود المعسكرات البعيدة من تأمين الدعم الناري لقوات النظام في الداخل, وبعد أن قطعت الشريانين الأساسيين لإمداده سواء عبر خط أريحا- المسطومة- إدلب, أو عبر الشريان الواصل من قريتي الفوعة وكفريا (الشيعيتين) واللتين تحويان معظم الشيعة القادمة من حزب الله والحرس الثوري الإيراني والباسيج وأيضًا كافة المرتزقة الشيعة القادمين من بلدان آسيوية مختلفة.

ومكن هذا القطع قوى المعارضة السورية من التقدم والوصول إلى تخوم المدينة واقتحام الدفاعات المباشرة للنظام, هذا النجاح مهد لانطلاق المرحلة الثانية بالانتقال نحو حدود المدينة والبدء بالتعامل مع الحواجز الصغيرة المتوزعة على مداخل المدينة الأربعة.
ومع بدء الهجوم انهارت معظم الحواجز وخاصة في الجبهة الشرقية، وهذا ما سهل الاندفاع نحو الداخل والبدء بحرب عصابات وحرب شوارع, وعلى الجبهة الشمالية لإدلب والتي تضم عدة حواجز لم تكن بأفضل من مثيلاتها في الشرق, فسرعان ما انهارت تحت ضربات المعارضة ومهدت لهم الدخول نحو بقية الأحياء السكنية، وبهذا الخرق من القطاع الشمالي والشرقي ولحق به فيما بعد تقدمٌ ميداني للمعارضة من الجهة الغربية أصبحت قوى المعارضة داخل أسوار إدلب وبدأت الحرب من الداخل.

كيف سيرد النظام السوري على السيطرة على إدلب؟

تتوارد الأنباء بأن مدينة إدلب التي يقطنها قرابة (400) ألف مدني معرضة الآن لردة فعل عنيفة من قبل النظام السوري الذي يحاول استردادها من المعارضة، وفي وقت عكست ردودُ أفعال يقدمها النظام السوري على الإعلام الرسمي الغضبَ والذهول من أخبار إدلب، كحال أحد الموالين لنظام الأسد الذي قال عبر صفحته في الفيسبوك: “تذكروا كلامي جيدًا.. إن بقيت إدلب في يد الإرهابيين أكثر من 10 أيام لأحلق شواربي على الهواء مباشرة والأيام بيننا”، يبقى انتقام الأسد واردًا بقوة وعجل، فالمدينة معرضة للقصف بالطيران وغاز الكلور والبراميل المتفجرة وحدث بالفعل أن ألقى الليلة الماضية هذا النظام أربعة براميل متفجرة على المدينة، وذكر اتحاد تنسيقيات الثورة أن النظام قصف مدينة إدلب ببراميل متفجرة محملة بغاز الكلور السام، تزامنا مع بدء حركة نزوح كبيرة تحسبا لانتقام النظام بعد سقوط المدينة بيد المعارضة المسلحة وبعد أن بدأت تتعرض لقصف كثيف من قبل قوات النظام.

وتفيد مصادر في المعارضة السورية للجزيرة بأن النظام السوري يعدّ لهجوم مضاد على مدينة إدلب، لمحاولة طرد قوات المعارضة المسلحة التي سيطرت على المدينة بالكامل، وأضافت المعارضة أن العملية قد تتضمن هجوما بغاز الكلور، وقال مصدر أمني سوري لوكالة الصحافة الفرنسية إن قوات النظام أعادت “تموضع قواتها في محيط مدينة إدلب بشكل مناسب من أجل مواجهة أفواج الإرهابيين المتدفقين عبر الحدود التركية إلى المنطقة، ليكون الوضع أكثر ملاءمة لصد الهجوم”، وأشارت صحيفة الوطن السورية إلى “إرسال تعزيزات عسكرية للجيش لبدء عملية عسكرية لاستعادة السيطرة على مناطق أخلاها سابقا بعد إجلاء السكان إلى مناطق آمنة عبر طريق أريحا اللاذقية”.

ما دلالات تحرير إدلب من النظام السوري؟

أدى اتحاد مجموع من قوى المعارضة السورية دورا مهما في تحرير إدلب، حيث فشلت محاولات سابقة لتحرير المدينة لأنها كانت تفتقر للوحدة وروح الجماعة، وشهدت تلك العملية تنسيقا عاليا بين جميع الكتائب المشاركة، وجاءت بعد اندماج الكثير منها تحت راية واحدة وهي جيش الفتح، كما يقول محمد سلوم، وهو ناشط ميداني من المدينة، إلى أن عامل المباغتة كان له دور حاسم في هذا «النصر»، وذكر أن اليوم الأول شهد عدم مبالاة لدى الكثير من عناصر النظام المتواجدين داخل المدينة، إذ كانوا يعتقدون أن العملية ستمضي كسابقاتها؛ اشتباكات تدوم ليومين ثم تنطفئ لنقص العتاد والذخيرة.

وبما أن السيطرة على إدلب جاءت بعد أيام من استيلاء “الجيش الحر” على مدينة بصرى الشام جنوبًا، بين دمشق والأردن، فاحتمال التقدم نحو المزيد من السيطرة على مناطق النظام السوري وارد، وبحسب ناشطين تبقى الأيام المقبلة تبشر بمعطيات جديدة على مقربة من إدلب، فبعضهم يرجح الوجهة المقبلة هي حماة وحلب. يقول أحد قادة “لواء الحق” أن محورا جديدا سيفتتح بالانتقال إلى القتال في حماة بعد السيطرة على كامل محافظة إدلب، ما يعني أن وجود النظام في الشمال سيبقى مقتصرا على بعض مناطق سيطرته في حلب.

كما أن الخبير العسكري الأمريكي جورج تالن لا يستبعد انهيارات مماثلة لمدن إستراتيجية أخرى في المستقبل القريب، بسبب الحالة المزرية التي وصل لها مقاتلو النظام، بعد أربع سنوات من القتال المستمر، وقال: “أنه لا يجب إغفال دور الإنهاك الذي تعانيه قوات النظام السوري، إذ أن القوات المدافعة عن أية مدينة، هي من تتلقى عادة العبء الأكبر من الضغط النفسي والوهن الجسدي، حيث يمكن إشغال سرية كاملة، لليلة كاملة بمخزن واحد ومقاتل واحد في مواجهات حروب الشوارع.

هل ستصبح إدلب معقلا لجبهة النصرة كما باتت الرّقّة معقلا لتنظيم داعش؟

واحدة من أبرز قوات المعارضة السورية التي شاركت في تحرير إدلب هي “جبهة النصرة” (تنظيم القاعدة في بلاد الشام)، ورغم أنها ليست الوحيدة التي شاركت في هذا التحرير إلا أنه فور إعلان المعارضة عن تحرير إدلب تضاعفت الأسئلة في بعض الأوساط عما إذا كانت “جبهة النصرة” ستنشئ كيانا لها، لمنافسة كيان تنظيم داعش في شرق وشمال شرقي سوريا.

استنكر هادي البحرة، الرئيس السابق لـ«الائتلاف الوطني السوري» في تغريدة له تصوير الأمر على أنه انتصار لجبهة النصرة، وقال: “في معظم صفحات الإعلاميين الغربيين، يتم تصوير ما يجري من أعمال عسكرية في إدلب على أنه توسّع لتنظيم القاعدة ممثلة بجبهة النصرة. وكأنه لا وجود لأي تنظيمات أخرى مقاتلة تبذل الغالي والرخيص من أجل طرد قوات الاستبداد من إدلب”.
وينفى جورج صبرا، رئيس «المجلس الوطني السوري»، أي إمكانية لأن تعلن النصرة كيانا لها في محافظة إدلب، وذكر في حوار لـ«الشرق الأوسط»: “الجبهة تتمنى ذلك، لكنها عاجزة عن تحقيق هدف مشابه لأسباب ميدانية ولوجستية وعسكرية”. وأوضح صبرا أن معظم المقاتلين في إدلب “هم سوريون من أبناء المنطقة، فيما يقل عدد المقاتلين الأجانب في صفوفها، مما يجعل إمكانية إعلان كيان متشدد لها مستحيلة لأن الشعب السوري لا يقبل بالتشدد” مشدّدا على أنه «لا حاضنة اجتماعية لجبهة النصرة في سوريا، لا في الشمال ولا في درعا جنوب البلاد”.

على النقيض، يتوقع خبراء أن تسعى “لنصرة” بالفعل إلى إنشاء كيان خاص بها موازٍ لـ”الخلافة” التي أعلنها تنظيم داعش في مناطق أخرى في شمال وشرق سوريا وشمال وغرب العراق.

يذكر أن جبهة النصرة قامت بسلسلة من الإجراءات في ريفي إدلب وحماة الشماليين، حيث بدأت النصرة بتشكيل محاكم شرعية للتقاضي بين الناس هناك، وخصصت دارًا للقضاء لاستقبال قضاياهم، كما قامت بتعيين خطباء للمساجد من “شرعيي النصرة”. ولاحقت المطلوبين من الفصائل التي واجهتها أثناء المعارك مع جبهة ثوار سوريا.

المصادر

تحميل المزيد