كانت تسمى «إدلب الخضراء»، لكثرة المزارع والشجر واللون الأخضر الذي يغطي سهولها والهضاب كالسجاد المنساب بين المدن والقرى، ولكن ربما يكون من الأدق الآن وصفها بـ«الحمراء» لكثرة الدماء التي روت أرضها، هذه المحافظة التي أجابت نداء الثورة السورية منذ الصرخة الأولى التي سمعتها من سهول درعا، وخرجت في مظاهرات كبيرة نادت بـ«الحرية والكرامة وإسقاط النظام».

شهدت محافظة إدلب عشرات المعارك بين فصائل المعارضة وقوات النظام السوري، ومنذ بداية عام 2012 يكاد لا يمر يوم واحد بدون وقوع اشتباكات أو غارات أو قصف، وكان أول ما تحرر من قبضة نظام الأسد من المحافظة هو جبل الزاوية الذي يضم عشرات البلدات والقرى ولم يستطع الأسد منذ أول طلقة خرجت من الجبل استعادة السيطرة عليه حتى اليوم.

«غزوة إدلب».. نحو التحرر من قبضة الأسد

في 24 من شهر مارس (آذار) 2015 أعلن عدد من الفصائل ذات التوجه الإسلامي وفصائل من «الجيش الحر» اتحادها ضمن غرفة عمليات أطلق عليها اسم «جيش الفتح»، وكان أحد أهداف هذه الغرفة المعلنة هو السيطرة على محافظة إدلب بشكل كامل، لتبدأ فورًا معركة أطلق عليها اسم «غزوة إدلب» تمكنت فيها الغرفة خلال أربعة أيام فقط من السيطرة على مدينة إدلب بتاريخ، وكانت هذه المعركة تعد أكبر الانتصارات في تاريخ الثورة السورية منذ اندلاعها عام 2011. 

 

وواصل «جيش الفتح» عمليات التحرير ففي 22 أبريل (نيسان) تمت السيطرة على مدينة جسر الشغور الاستراتيجية، والتي تعد حلقة الوصل بين إدلب واللاذقية، وفي 27 من الشهر ذاته تمت السيطرة أيضًا على معسكر معمل القرميد الاستراتيجي الذي يعد أقدم قواعد قوات النظام ويقع على طريق حلب-دمشق الدولي.

وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) تمكنت «جبهة النصرة» من تحرير مطار أبو الظهور العسكري والاستراتيجي بعد حصاره لأشهر عدة، تمكنت خلالها من إحكام سيطرتها على القرى والتلال المحيطة بالمطار، لتغدو كامل المحافظة تحت سيطرة فصائل المعارضة عدا قريتي كفريا والفوعة الشيعيتين.

اتفاقية خفض التصعيد.. هل كان الأمر مجرد «خدعة»؟

دخلت محافظة إدلب ضمن ما بات يعرف بمناطق خفض التصعيد، حيث وقعت كل من الدول الثلاث الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) في تاريخ في 4 مايو (آيار) 2017، اتفاقًا يعمل على وقف إطلاق النار وعودة الهدوء إلى المحافظة، ومضمونه يأتي بمواصلة القتال على التنظيمات التي تصنف على إنها «إرهابية» مثل «هيئة تحرير الشام»، مما جعل تأويل هذه النقطة بالذات مطاطيًا، حيث تذرع النظام وروسيا في كل قصفهم وقتلهم للمدنيين بأنهم يستهدفون «الهيئة والدواعش»، ولم تلتزم روسيا أو النظام بهذه الاتفاقية لا في إدلب ولا في المناطق الأخرى كريف حمص ودرعا والغوطة الشرقية والغربية والقلمون، والتي تم تهجير العديد من المدنيين والمقاتلين بعد السيطرة عليها إلى إدلب.   

بعد توقيع اتفاقيات خفض التصعيد كان الاعتقاد السائد في هذه الفترة أن الأمور ستتجه إلى التهدئة من جميع الأطراف والقبول بما آلت إليه الأمور، والبدء بعملية سياسية بين ضامني الأستانة (تركيا وروسيا وإيران)، وإيجاد حل لقريتي الفوعة وكفريا، ولكن الأمور كانت تتجه للتصعيد، ومع مطلع 2018 شنت قوات الأسد والمليشيات الإيرانية الحليفة هجومًا واسعًا على المناطق المحررة بريفي إدلب الشرقي والجنوبي وريفي حماة الشمالي والغربي.

 وبالتزامن مع هذه المعركة استغل «تنظيم الدولة» الموجود بريف حماة الشرقي في ذلك الوقت وشارك في القتال إلى جانب قوات الأسد بطريقة غير مباشرة. ودخل عناصر التنظيم إلى ريف حماة الشرقي بالتنسيق مع قوات الأسد وروسيا، والتي مكنتهم من عبور مناطق سيطرتها في منطقة السعن قادمين من عقيربات، كما سهلت عبور العناصر الهاربة من دير الزور والبادية ومنطقة السخنة وصولًا لريف حماة الشرقي.

وفي تفسير ذلك، أكد الناطق باسم «الجبهة الوطنية للتحرير» أن «النظام قدم تسهيلات كبيرة لداعش وفتح لها الطريق من منطقة عقيربات بريف حماة الشرقي إلى مناطق سيطرة الثوار بريف إدلب حتى تصل إلى مناطق الثوار، كما أن النظام استفاد من وجودها للسيطرة على المنطقة فيما بعد». كما يؤكد الناشط والإعلامي السوري أحمد نور الرسلان أن «النظام استخدم داعش لمرات عديدة في معركته ضد المناطق المحررة، ولنا أمثلة كثيرة في حوض اليرموك بدرعا والسويداء وريف إدلب الشرقي».

وخلال فترة قصيرة تمكنت قوات الأسد والمليشيات الإيرانية بدعم قوي من الطائرات الروسية من السيطرة على عشرات القرى والبلدات بريف إدلب الشرقي والجنوبي، وسط انسحاب سريع لفصيل «هيئة تحرير الشام» الذي كانت هذه المناطق تخضع لسيطرته المباشرة، ووصلت قوات الأسد إلى أسوار مطار أبو الظهور الاستراتيجي لتدور بداخله اشتباكات عنيفة انتهت بسيطرته عليه بشكل كامل في 22 يناير (كانون الثاني) 2018.

كما شارك «تنظيم الدولة» في المعارك بتسهيل من قوات الأسد وسيطر أيضًا على أكثر من 70 قرية والذي قام بتسليمها فيها بعد بدون قتال، وهكذا أصبح كامل خط السكة والقرى الواقعة شرقه تحت سيطرة قوات الأسد والمليشيات الإيرانية، ولم تتوقف هذه القوات لهذا الحد بل واصلت تقدمها غربي السكة وأصبحت على بعد أقل من 40 كم عن مدينة إدلب، وتزامن ذلك مع معركة «غصن الزيتون» التي أطلقتها القوات التركية بمشاركة مع فصائل من «الجيش الحر» للسيطرة على منطقة عفرين الخاضعة لسيطرة الوحدات الكردية.

رجحت عدة تقارير أن يكون هناك صفقة بين ضامني اتفاق أستانة «تركيا وروسيا وإيران» تتمثل في السماح للقوات الإيرانية وقوات الأسد بالسيطرة على ريف إدلب الشرقي مقابل السماح للقوات التركية بالسيطرة على عفرين الواقعة شمال حلب، على غرار اتفاق سابق سمح لروسيا ببسط سيطرتها على مدينة حلب مقابل السماح لتركيا بالسيطرة على جرابلس وإعزاز بمعركة «درع الفرات»، وتزامن تقدم قوات الأسد شرقي إدلب بتقدم القوات التركية بعفرين. 

روسيا تقصف إدلب وتركيا تحارب الأكراد.. كيف نفهم التطورات العسكرية الأخيرة؟

في هذا الأمر يقول أحمد الرسلان «لا أعتقد أن هناك رابطًا كون منطقة شرقي سكة الحديد دخلت ضمن اتفاق أستانة ومعركة تحرير عفرين تحكمها ظروف سياسية أخرى خارج هذا الإطار، ولكن سقوط شرق إدلب كان ضمن تفاهمات دولية، و«هيئة تحرير الشام» التي كانت تسيطر على المنطقة قد أدركت أن هذه ستكون حرب استنزاف لها وأن البقاء في هذه المنطقة المكشوفة صعب جدًا لذلك فضلت الانسحاب منها».

اتفقت الدول الضامنة لمسار أستانة (تركيا وروسيا وإيران) على وضع محافظة إدلب ضمن مناطق خفض التصعيد، حيث تضمن الاتفاق قيام تركيا إنشاء 12 نقطة مراقبة، تتمحور مهمتها في رصد الخروقات وإرسال التقارير، بينما عبر الرئيس أردوغان أن مهمة هذه النقاط هي «حماية المنطقة».

وعلى الرغم من وجود 12 نقطة مراقبة تركية في المناطق المحررة إلا أنها لم تقم بحماية المدنيين ولم تعمل على وقف القصف الروسي والأسدي، بل إن هذه النقاط تعرضت لقصف مباشر أكثر من مرة مما تسبب بمقتل وإصابة عدد من الجنود الأتراك، وهو ما يضع عدة تساؤلات فعلية عن جدوى وجودها.

لكن على الجانب الآخر، يرى النقيب مصطفى ناجي أن «للنقاط التركية دور كبير في الحفاظ على المناطق المحررة في الشمال السوري، ولها دور في توثيق الخروقات وإعطاء الجانب الروسي صورة عنها، ما يعطي للفصائل الحق بالرد عليها، ويضيف أن «النقاط التركية استهدفت مواقع تابعة لقوات الأسد كما منعتها أيضا من التقدم على الجبهات».

ويضيف أحمد الرسلان أن «النقاط التركية هي تطبيق لاتفاقيات دولية لا سيما أستانة، ووجود النقاط التركية رغم أنها لا توقف القصف إلا أنها تشكل حدًا واضحًا لمناطق فصل المعارضة عن النظام وبالتالي لا يمكن للنظام تجاوز هذه النقاط برًا والتقدم»، ويضيف الرسلان «أن القصف سيستمر لحين التوصل بين الضامنين لاتفاق نهائي كون روسيا تستخدم عدة أوراق للضغط على تركيا ومواصلة المجازر، ولكن بقاء النقاط التركية باعتقادي هو الدرع الذي يمنع تقدم النظام برًا».

اتفاق كفريا والفوعة

كانت قريتا كفريا والفوعة الشيعيتان الواقعتان شرقي مدينة إدلب، تشكلان حجر عثرة أمام محاولات الفصائل بسط سيطرتهم عليها، إذ كانتا محصنتين بشكل كبير جدًا، وشنت الفصائل خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2018 أكثر من ست معارك فشلت جميعها في تحقيق أي تقدم يذكر، وخضعت القريتان لحصار شبه كامل من قبل فصائل المعارضة، إلا أن طائرات «اليوشن» الروسية كانت ترمي باستمرار مظلات المساعدات الغذائية والسلاح، حيث أصبح الحصار المفروض عليها شكليًا فقط، وهو الأمر الذي لم يدم طويلًا.

فبعد سيطرة قوات الأسد والمليشيات الإيرانية على شرقي إدلب والتقدم الكبير الذي أحرزته، برزت معضلة كفريا والفوعة مرة أخرى، حيث طالبت روسيا بإجلائهم ولكن أهالي القريتين رفضوا ذلك بشكل قاطع، ومع التعنت الذي أبدوه فقد قلصت روسيا المساعدات التي كانت ترميها من الجو، ومع استحالة وصول القوات الإيرانية إلى القريتين فقد مورست ضغوطات كبيرة عليهم للقبول بالإجلاء.

وقد تجهزت فصائل المعارضة لشن هجوم واسع وقوي بالمفخخات وعشرات الآليات ومئات العناصر للسيطرة على القريتين، مما أجبر إيران على طلب التفاوض مع الفصائل، وتمت عدة لقاءات بين الطرفين وضعت فيها الفصائل شروطها من بينها الإفراج عن 1500 من المعتقلين في سجون النظام، وتمت الموافقة على ذلك ودخلت الباصات للبدء بعملية الإجلاء، وخرج آخر مقاتل من كفريا والفوعة في تاريخ 19 يوليو (تموز) 2018.

يقول الإعلامي أحمد الرسلان أن «كفريا والفوعة كانت ورقة إيرانية قوية استغلتها لتجييش الشيعة ونقلهم لسوريا تحت بند المظلوميات، ولكن ليس لإيران أي مصلحة بالبقاء في إدلب بعد تمكين نفوذها في ريف دمشق ودير الزور وحلب، وبالتالي تخلت عن تلك الميليشيات التي لطالما دعمتها جوًا للصمود، وبات بقاؤها أمرًا صعبًا ولكن أعتقد أن وراء خروجهم السريع كان هناك صفقة ما لم يعلن عنها وهي تندرج ضمن بنود تطبيق أستانة».  

اتفاق سوتشي.. مناطق المعارضة على مائدة بوتين وأردوغان

مع تصاعد التهديدات الروسية بالبدء بعملية عسكرية كبرى للسيطرة على إدلب، ووصول حشود عسكرية كبيرة إلى تخوم المناطق المحررة، شعر الأتراك بخطورة هذه المعركة على أمنهم القومي، خاصة من التخوف من تدفق اللاجئين إلى حدودها، وقد صرح أردوغان أن بلاده «لن تتحمل موجة لجوء أخرى لوحدها»، ما يعني أن أوروبا ستكون على أعتاب موجة نزوح غير مسبوقة، كما رفضت غالبية الدولة الأوربية أي عمل عسكري على إدلب لذات الأسباب التي تخوفت منها تركيا.

ومع الضغوط الأوربية والتركية فقد عقد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان اجتماع قمة ثنائي في مدينة سوتشي الروسية بتاريخ في 17 سبتمبر (أيلول) 2018 لمناقشة وضع إدلب خاصة، وتوصل الطرفان إلى اتفاق من عدة بنود أهمها إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في محافظة إدلب، وأجزاء من ريفي اللاذقية وحماة بعرض يتراوح بين 15- 20 كم على طول خط التماس، حيث سيتوجب على فصائل المعارضة وخاصة «هيئة تحرير الشام» وأيضًا قوات النظام الانسحاب من هذه المنطقة وسحب السلاح الثقيل منها كما ستقوم دوريات مشتركة من القوات الروسية والتركية بمراقبة الخط الفاصل، وأيضًا فتح طريقي حلب-اللاذقية وحلب-حماة، وقد صرح وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو وقتها بقوله «لن تكون هناك عملية عسكرية في إدلب».

وبالفعل فقد انسحبت فصائل المعارضة من منطقة منزوعة السلاح وسحبت كامل سلاحها الثقيل من هذه المناطق، بينما في الطرف الآخر لم تلتزم روسيا ولا النظام بسحب أي من قواتها من هذه المناطق بل على العكس فقد أُرسلت الحشود بشكل مستمر إلى المنطقة.

على الرغم من اتفاق سوتشي فقد واصلت روسيا بشكل يومي قصف المدن والبلدات مخلفة المجازر بحق المدنيين العزل، وهو ما استدعى الرد السريع من الفصائل على ذلك حيث قامت باستهداف حواجز وآليات تابعة لقوات الأسد، ومن رد لرد وتبادل الاتهامات عمن بدأ الهجوم، عادت الأمور مرة أخرى إلى ما كانت عليه وأصبحت نية النظام واضحة وصريحة، تهدف للسيطرة بشكل مباشر على إدلب.

السيطرة على إدلب عنوان المرحلة

تسيطر فصائل المعارضة السورية على معظم مساحة محافظة إدلب وأيضًا تسيطر على ريف حلب الغربي وجزء من ريفي حلب الجنوبي والشمالي، كما تسيطر أيضًا على مساحة من ريفي حماة الشمالي والغربي، بالإضافة لجزء بسيط من جبلي الأكراد والتركمان بريف اللاذقية، وهذه المناطق تشكل «آخر قلاع الثورة السورية».

يقول النقيب مصطفى الناطق باسم «الجبهة الوطنية» عن استعداداتهم، أنه «بعد سقوط درعا توقعنا أن يأتي الدور على إدلب وعلى الفور تجهزنا لهذه المرحلة وقمنا برفع الجاهزية القتالية للعناصر، وأيضًا بتحصين الجبهات الدفاعية، وأعددنا معسكرات تدريبة لتجهيزهم لمعارك عنيفة وشرسة متوقعة»، ويضيف العقيد مصطفى بكور القيادي في فصيل «جيش العزة»: «أنهم أعدو العدة بما يستطيعون من سلاح وذخيرة وإيمان بعدالة قضيتهم».

وبات من الواضح أن إدلب أصبحت على شفا معركة حاسمة ستقرر مصيرها، حيث حشدت قوات الأسد آلاف العناصر ومئات الآليات والمدرعات والدبابات على تخوم ريف حماة الشمالي، وكانت الطائرات الروسية والنظامية قد كثفت من قصفها العنيف على كافة مدن والبلدات الخارجة عن سيطرتها. 

ووضعت روسيا الخطط العسكرية للسيطرة والتقدم، أولها استخدام أسلوب «الأرض المحروقة» المفضلة للروس، مما سمح لقوات الأسد بالتقدم والسيطرة في بداية الأمر على قرى الجابرية والهواش والتوبة والحويز والكركات وباب الطاقة والجنابرة وتل عثمان والقصابية والحميرات وحردانة وقيراطة، وسط مقاومة شرسة من فصائل المعارضة التي كبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وبالرغم من هذه الخسائر فقد واصلت قوات الأسد تقدمها بالتزامن مع الغارات التي لم تتوقف أبدًا على بلدة كفرنبودة وانتهى الأمر بسقوطها وانسحاب الفصائل منها. وبعد 12 يومًا من المحاولات العنيفة لمواصلة التقدم فشلت قوات الأسد في إحراز أي تقدم آخر وخسرت العشرات من القتلى والجرحى، ليأتي دور الفصائل هذه المرة للهجوم بعد الدفاع.

وفي 22 مايو (أيار) شنت فصائل المعارضة هجومًا عنيفًا وقويًا جدًا تمكنت فيه بعد ساعات قليلة من فرض سيطرتها الكاملة على بلدة كفرنبودة، تلقُ وجُرح خلالها العشرات من العناصر وتم الاستيلاء على عدد من الدبابات والآليات والذخائر، مما أدى لجنون الروس الذين صبوا كامل غضبهم على البلدة لمدة أربعة أيام متواصلة حتى السيطرة عليها مجددًا.

وانقلب السحر على الساحر وانتقلت قوات الأسد من مرحلة الهجوم إلى الدفاع، حيث تمكنت الفصائل من بسط سيطرتها الكاملة على منطقتي تل ملح والجبين المهمتان، وشنت الفصائل هجمات عدة في تكتيك جديد، تمثل في نصب الكمائن ومن ثم الإغارة والانسحاب، وقد سببت هذه الضربات المركزة والمتباعدة جغرافيًا (بحماة وإدلب واللاذقية) حالة إرباك كبيرة وتشتيت لقوة النظام وروسيا. 

إدلب تحت القصف.. مجازر نظام الأسد ضد المدنيين «تُذهب العقول»

 

بعد سنوات من الاقتتال.. هجمات الأسد توحد الفصائل

أظهرت صورة تجمع عددًا من قادة الفصائل المسلحة المعارضة التابعة للجيش الحر وصاحبة التوجه الإسلامي أبرزهم قائد «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني وأيضًا أبو عيسى الشيخ قائد «صقور الشام»، وحسن صوفان قائد «أحرار الشام» السابق، وجابر علي باشا قائد حركة «أحرار الشام» الحالي، والرائد جميل الصالح قائد «جيش العزة»، وغيرهم من القيادات الأخرى.

هذا الاجتماع الذي تم بتاريخ 26 مايو (أيار) الماضي أتى بعد سنوات من الاقتتال بين فصائل المعارضة فيما بينها والذي انتهى ببسط هيئة «تحرير الشام» سيطرتها على معظم المناطق المحررة، ويبدو أن مصيرهم الواحد قد أجبرهم على ترك كل مشاكلهم السابقة والدماء التي سالت خلالها، وتم الاتفاق على تشكيل غرفة عمليات موحدة تحت مسمى «الفتح المبين».

وبعد الاجتماع  توجهت أرتال الفصائل القادمة من مناطق «درع الفرات» و«غصن الزيتون» باتجاه جبهات ريفي حماة الشمالي الغربي لصد محاولات قوات الأسد التقدم، فيما يبدو أنها بموافقة ودعم تركي.

اجتماع الفصائل للتنسيق ضد حملة الأسد

في بداية المعارك كان واضحًا اقتصار فصائل المعارضة على الصواريخ المضادة للدروع الروسية الصنع والتي تفتقر لدقة الإصابة للهدف، ولكن سرعان ما ظهر بشكل مفاجئ وبكثافة فيديوهات تظهر استخدام الفصائل لصواريخ «التاو» الأمريكية ذات الإصابة الدقيقة، مما اعتبر رغبة تركية وأمريكية لوقف تقدم الروس والأسد في إدلب.

يقول النقيب مصطفى ناجي إن «الفصائل تمتلك الكثير من الأسلحة مثل «الكورنيت» و«الكونكورس» و«الفاغوت» والتي تم اغتنامها خلال المعارك مع قوات الأسد»، ويؤكد «أن الفصائل تلقت في وقت سابق الدعم العسكري من غرفة الموك من ضمنها صواريخ «التاو»»، والموك هي غرفة عمليات عسكرية تديرها مخابرات عدد من الدول مثل تركيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا والأردن وعدد من الدول الخليجية.

قلب الدعم العسكري الذي تلقته الفصائل موازين القوى بشكل كبير، حيث لا يمر يوم بدون أن يتم تدمير دبابات وحواجز ودشم وآليات تابعة للنظام، والتي أدت لمقتل العشرات من العناصر، مما صعب عمليات التقدم بشكل كبير جدًا وأصبحت شبه مستحيلة، حتى مع مواصلة الروس حرق الأرض بصواريخ الطائرات.

‏كانت أحد حجج موسكو لمعركة السيطرة على إدلب هو تعرض قاعدتها العسكرية في ريف اللاذقية والمعروفة باسم قاعدة «حميميم» الجوية، لقصف بصواريخ «الغراد» من قبل فصائل المعارضة، ويعتبر البعض أن هذه حجة واهية بسبب أن الصواريخ لم تنطلق يومًا من ريف حماة الشمالي باتجاه القاعدة الروسية، وإنما يتم إطلاقها من مناطق سيطرة المعارضة في جبلي الأكراد والتركمان بريف اللاذقية الشمالي والتي دارت فيها معارك عنيفة جدًا لم تتمكن خلالها القوات المهاجمة من تحقيق أي تقدم على الإطلاق.

وفي محاولة من الروس لوقف استهداف قاعدتها العسكرية فقد حاولت أكثر من مرة السيطرة على منطقة تلال كبينة بريف اللاذقية الشمالي ذات التحصين العالي، ولكنها فشلت بذلك وخسرت جراءها عشرات القتلى والجرحى.

وكان التطور الأبرز في استهداف قاعدة حميميم هو دخول فصائل محسوبة على تركيا «تجمع أحرار الشرقية التابع للجيش الوطني» تبنت استهدافها للقاعدة الروسية بصواريخ الغراد ونشرت صورًا لعناصرها يقومون بهذه المهمة، وهو ما يشير إلى تصعيد الأتراك تجاه الأطماع الروسية في المنطقة.

عقدت مجموعة العمل المشتركة الروسية التركية حول سوريا اجتماعها الأول في تاريخ 17 مايو (أيار) 2019، ولم ينجح هذا الاجتماع في التوصل لاتفاق نهائي لوقف النار في إدلب، وإنما تم الاتفاق على هدنة لمدة 72 ساعة، والتي تم خرقها فورًا من قبل الروس بمواصلتهم قصف المدن والقرى الآمنة.

وفي تاريخ 12 يونيو (حزيران) 2019 أعلنت روسيا عن هدنة أخرى لمدة ثلاثة أيام من طرف واحد، في وقت أشارت فصائل المعارضة العاملة في المنطقة أنها غير معنية بهذه الهدنة ولم يتم إبلاغها بها من أي طرف، وقد خرق الروس هدنتهم مجددًا، وشنت قوات الأسد هجومًا للسيطرة على منطقتي تل ملح والجبين بريف حماة.

ورفضت الفصائل هذه الهدن ووضعت عدة شروط للقبول بها، أهمها انسحاب قوات الأسد من المناطق التي احتلتها مؤخرًا.

 بعد كل ما قامت به روسيا والأسد ما زالت فصائل المعارضة تفجر المفاجئات حيث اتبعت الفصائل خطة جديدة في معاركها وهي تغيير مناطق المواجهة في كل مرة واختيار مناطق تكون بعيدة عن حسابات النظام، وذلك لتشتيت قواته وإرباكها، ففي العاشر من الشهر الماضي شنت الفصائل هجومًا سريعًا على بلدة وتلة الحماميات ذات الأهمية الكبيرة والتي تعتبر عقدة الريف الحموي، وشكل تحريرها صفعة قوية في وجه النظام وحليفه الروسي، حيث ستفتح السيطرة عليها الطريق إلى تحرير مناطق أخرى مثل كرناز ومحاصرة كفرنبودة وبريديج وتل هواش، وتؤمن قريتي الجبين وتل ملح التي تمت السيطرة عليهما في وقت سابق.

وشكلت هذه المعركة التي أثبتت الفصائل قوتها الحقيقية فيها، صفعة قوية للروس والنظام، الذين شنوا أكثر من تسع محاولات فاشلة لاستعادة السيطرة على البلدة ولمعركة استمرت لأكثر من 30 ساعة وأكثر من 400 غارة جوية مترافقة مع قصف مدفعي وصاروخي عنيف جدًا، مما اضطر الفصائل بعدها للتراجع بعد مسح معالم البلدة بشكل شبه كامل وحُولت المنازل والتلال إلى ركام.

يؤكد العقيد مصطفى بكور أن «المعارك الأخيرة أثبتت قوة الثوار على الأرض وكذلك قدرتهم على استخدام تكتيكات جديدة للمعركة»، كما يشير النقيب مصطفى ناجي أن «تحرير الحماميات تم بسرعة كبيرة، وقامت على إثرها قوات الأسد وروسيا بصب جام غضبها وكافة أسلحتها مما اضطرهم للانسحاب منها».

ويعتقد العقيد بكور أن «الروس سيسعون بكل السبل إلى تصعيد الوضع ولن يكفوا عن محاولاتهم احتلال أراض من إدلب وتهجير الناس لتحقيق مكاسب سياسة».

«المونيتور»: غارات الأسد تحرق إدلب.. لماذا لا تتحرك تركيا؟

المصادر

s