بعد فراره من موقعة فخ في مكة، التي أقامها العباسيون لآل البيت في عام 169هـ (786م)، قصد الإمام إدريس بن عبد الله العلوي مع مولاه راشد مصر، ثم تمكنا معًا من الوصول إلى مدينة وليلي في المغرب الأقصى، حيث احتضنته قبيلة أوربة، ثم بايعته مختلف القبائل هناك، وهو ما كان إيذانًا بمولد دولة علوية على أرض المغرب الأقصى في عام 172هـ، وهي دولة الأدارسة.

بالرغم من اغتيال مؤسس دولة الأدارسة بأمر من الخليفة العباسي هارون الرشيد في عام 175هـ، فإن الدولة واصلت وجودها بزعامة راشد، وأصبح لها علاقات خارجية مع الدول المحيطة، اتسمت غالبًا بالعداء.

دولة الأدارسة وعداؤها مع الدول المجاورة

كانت العلاقة بين العلويين والدولة العباسية علاقة عدائية؛ إذ أشعل العلويون بعض الثورات ضد العباسيين ولكنها باءت بالفشل، وهو ما جعل العباسيين يستأصلون وجود العلويين كما أشرنا في موقعة فخ مكة، ولكن تمكن إدريس من الفرار والمكوث في المغرب.

تاريخ

منذ 5 شهور
القصة الحقيقية وراء السيرة الهلالية.. حين حاربت الدولة الفاطمية ابن باديس

قطع الأدارسة – بمجرد ثبوت أقدامهم بالمغرب – كل علاقة تربطهم بدولة الخلافة العباسية، فأعلنوا استقلالهم، واتخذوا أئمة لهم من بينهم، كما عينوا قاضيًا مالكيًّا بعد أن اعتمد العباسيون الفقه الحنفي.

أما عن علاقة الأدارسة بدولة الأغالبة، فقد كانت مشابهة لعلاقتها ببني العباس، فالأغالبة كانوا يدينون بالولاء للخلافة العباسية، وهو ما جعل العلاقة عدائية بين الجارتين، ولكنها لم تصل حد القتال الحدودي، فكانت الدولة الرستمية تفصل بينهما جغرافيًّا.

وكما اعتمدت الدولة العباسية على دولة الأغالبة التابعة لها لتنفيذ سياساتها ضد دولة الأدارسة، كانت هناك علاقة عداء بين دولة الأدارسة والدولة الرستمية على حدودها الشرقية، ودولة سجلماسة على الحدود الجنوبية.

في الضفة المقابلة من البحر المتوسط، كانت هناك الدولة الأموية في الأندلس، والتي أسسها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، في عام 138هـ (756م)، بعد فراره أيضًا من ملاحقة الدولة العباسية.

كان هناك عداء سابق بين العلويين والأمويين، بسبب ما تعرض له آل البيت في الحجاز على يد الخلافة الأموية قبل أن تأتي الخلافة العباسية لتنكل بهما معًا. وكان لهذا العداء السابق أثره في العلاقة بين الدولتين، فسيطر عليها طابع الحذر، والتربص، وكذلك مساندة الحركات الثائرة ضد حكم أي منهما.

دولة الأدارسة تأوي الثائرين ضد بني أمية

لم يتطلع الأمويون في الأندلس إلى القضاء على الأدارسة رغم العداء بينهما، لأنها شكلت دولة حاجز بينهم وبين دولة الأغالبة، التي كانت تنفذ سياسات بني العباس في المغرب الإسلامي. لكن، رغم عدم وجود مواجهات عسكرية بين الأدارسة وبني أمية في الأندلس، تخللت العلاقة بينهما الدسائس والمكائد وتشجيع الثائرين.

مصدر الصورة

كانت دولة الأدارسة قاعدة لتدبير المؤامرات ضد بني أمية في الأندلس، فكانت ملجأ كل رافض ومقاوم لحكم الأمويين؛ يحتمي بها وينظم صفوفه من أجل تحقيق أهدافه. كما رأى بعض الباحثين أن الأمويين في الأندلس سعوا إلى إفساد أي مخطط شيعي في المغرب الأقصى.

حين تولى هشام بن عبد الرحمن حكم الأندلس في عام 172هـ (788م)، ثار عليه أخواه عبد الله وسليمان للفوز بالحكم، لكنهما لم يتمكنا من ذلك، وللعفو عنهما، أمرهما هشام بن عبد الرحمن بمغادرة الدولة، فتوجها إلى دولة الأدارسة، واستقرا وأهلهما في طنجة عام 174هـ.

بعد مرور ست سنوات، تسلم الحكم بن هشام حكم الأندلس، فأعد الأخان العدة حيثما أقاما، وتمكنا من بذل الأموال وجمع الرجال دون مقاومة من الدولة؛ بسبب العداء السابق، وربما هذا ما جعلهما يختاران دولة الأدارسة دون غيرها، ثم توجها إلى الأندلس في محاولة منهما للاستيلاء على الحكم، وهو ما فشلا فيه ثانيةً، وقُتل سليمان، وعفى الحكم عن عمه عبد الله.

كان الأدارسة يقبلون اللاجئين والوافدين إليهم، فهذا يعزز من مكانة دولتهم؛ فتوافد الكثير من الأفارقة وسكان الأندلس على دولة الأدارسة، حيث الاستقرار وهدوء الأوضاع.

كما أنه في عام 202هـ (818م)، في عهد الحكم بن هشام، قامت ثورة الربض في قرطبة، وفيها ثار العلماء على الأمير وخرجوا عن طاعته، لكنه تمكن من إجهاضها والتنكيل بمن قاموا عليها. لم يكتفِ الحكم بن هشام بهذا، بل هدم الربض، وطرد أهلها منها، فتوجه الكثيرون منهم إلى دولة الأدارسة.

كذلك، كانت هناك عناصر أندلسية تعيش في كنف دولة الأدارسة، وقد وظفها الطرفان كلاهما في الدسائس والكيد بعضهما ضد بعض.

تواصل الأدارسة مع الثائرين على بني أمية

رغم أن حلم القضاء على بني أمية في الأندلس بدأ مع إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنه لم يأخذ خطوات على أرض الواقع إلا في عهد إبراهيم بن القاسم بن إدريس بن إدريس.

كانت هناك خطابات ومكاتبات بين إبراهيم وعمر بن حفصون، أحد الثوار في الأندلس في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، وتضمنت تلك المكاتبات بالإضافة إلى مخططات إسقاط الأمويين، شؤون الإنفاق وطلب المعونة من دولة الأدارسة. ووفقًا لبعض الآراء، فإن خطر ابن حفصون تفاقم بسبب تأييد الأدارسة له ماديًّا ومعنويًّا.

كذلك، كان الأدارسة على عداء مع الدولة الرستمية كما ذكرنا، وتلك الأخيرة كانت تربطها علاقة صداقة مع دولة بني أمية في الأندلس، وأغلب الظن أن الأدارسة كانوا يقفون خلف الثورات ضد الرستميين أيضًا.

تدهور دولة الأدارسة ونهايتها

تزامن ظهور الخلافة الفاطمية مع تدهور دولة الأدارسة، فشهدت منطقة المغرب الأقصى صراعًا بين الفاطميين والأمويين، وتذبذب موقف الأدارسة إزاء الجهتين، فتارة يؤيدون الفاطميين، وأخرى يناصرون بني أمية.

تاريخ

منذ أسبوع
هل ضم نجمة سداسية؟ تاريخ علم المغرب منذ الأدارسة حتى الآن

اتخذت الأطراف الثلاثة طرقًا وأساليب عدة لإثبات ذاتها في المنطقة، ومن أبرزها التجسس، فكان لكل دولة عيونها وجواسيسها في الدولة الأخرى.

ولكن، في النهاية لم تتمكن دولة الأدارسة من مجابهة قوى الدولتين الأخريين، وانهارت في عام 375هـ (985م)، بينما تمكن بعض أفراد البيت الإدريسي من الأخذ بثأر آبائهم، وأسهموا في إسقاط الخلافة الأموية في الأندلس، وأقاموا دولة بني حمود.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد