كانت جموع الشعب التشادي تترقب خطابًا من الرئيس إدريس ديبي في ساحة الأمة مساء اليوم، يحتفل فيه مع جموع مؤيديه بفوزه بولاية رئاسية سادسة، تتيح له البقاء في السلطة خمسة أعوام أخرى، تضاف إلى سنوات حكمه الثلاثين، لكن خطاب الاحتفال استبدلت به عبارات التأبين، بعدما أعلن التليفزيون الرسمي أن «الزعيم» قد قتل في اشتباكات مسلحة مع «أعداء الوطن». 

إدريس ديبي يصل إلى السلطة «على ظهور الدبابات»

لأسرة كانت تعمل في رعي الأغنام، ولد إدريس ديبي في 1952 في منطقة إنيدي شمال شرق تشاد، حيث تلقى تعليمًا دينيًا في المدرسة القرآنية، قبل أن يلتحق بمدرسة الضباط في العاصمة التشادية إنجامينا، ثم سافر إلى فرنسا ليتلقى تدريبًا إضافيًا في مدرسة الطيران، وعاد بعد ذلك إلى تشاد وقد حصل على رخصة طيار.

عودة ديبي من فرنسا كانت في وقت تشتعل فيه الساحة التشادية بحرب أهلية مزقت البلاد، تحالف ديبي مع أحد أمراء الحرب البارزين هو حسين حبري، الذي كان يشغل حينئذ منصب رئيس الوزراء، وبفضل قدرات ديبي البارزة، نجح حبري في الاستيلاء على السلطة عام 1982 وأصبح رئيسًا للبلاد، وقد اعترف حبري بمجهودات ديبي العسكرية، وأسندت إليه قيادة الجيش قبل أن يتم إيفاده في برنامج تدريبي لكبار الضباط في المدرسة العليا بفرنسا.

إدريس ديبي

لعب إدريس ديبي دورًا مهمًا في الصراع التشادي الليبي، حيث المعارك ضد القوات الموالية لليبيا في شرق تشاد، كما ساهم بشكل فعال في المرحلة الأخيرة من الحرب والمعروفة بـ«حرب التويوتا» (سميت بهذا الاسم نتيجة كثافة استخدام شاحنات «تويوتا لاند كروزر»)، والتي تلقت فيها القوات الليبية ضربات موجعة راح ضحيتها آلاف القتلي.

لكن «شهر العسل» بين ديبي وحبري لم يدم؛ إذ اتهم الأخير ديبي بمحاولة تدبير انقلاب ضده، فهرب إلى السودان، ومنها إلى عدو الأمس، ليبيا، حيث حصل على دعم القذافي، وعاد إلى السودان ليؤسس ما عرف بـ«حركة الإنقاذ الوطني»، التي قاد بها الصراع المسلح ضد قوات حبري، لينجح في أواخر عام 1990 في طرد حبري من السلطة، والوصول بقواته إلى العاصمة إنجامينا، حيث عطل الدستور وقام بتشكيل حكومة جديدة كان هو على رأسها.

تم تعيين ديبي رئيسًا مؤقتًا، وفي عام 1996، وبعد الموافقة على الدستور الجديد انتُخب ديبي للمرة الأولى في انتخابات تعددية، قبل أن يعاد انتخابه في 2001 وسط اتهامات بحدوث مخالفات، ثم أجرى ديبي تعديلًا دستوريًا سمح له بالترشح لولاية جديدة عام 2006، وسط معارضة داخلية وخارجية، ثم تكرر الأمر مجددًا عام 2011، ثم عام 2016 التي شهدت قدرًا غير مسبوق من الاحتجاجات لم تمنع ديبي من الاستمرار في موقعه خمس سنوات أخرى.

الفساد يتغلغل في تشاد في عهد إدريس ديبي

وعد إدريس ديبي في بداية حكمه بإنهاء سنوات الفوضى، وإقامة حكم ديمقراطي تعددي في البلاد، لكن ذلك لم يحدث أبدًا، مكث ديبي في السلطة أكثر من 30 عامًا، كان عنوانها الأبرز هو الديكتاتورية، ودولة الفرد الواحد، والفساد المستشري في البلاد من قمة هرم السلطة إلى قاعدته، فضلًا عن الاضطرابات الأمنية الدائمة، والتي لم تتوقف أبدًا طيلة هذه السنين.

ظلت اتهامات الفساد تحوم حول إدارة ديبي للبلاد طيلة فترة حكمه، برغم انخراطه في تعاون مع «البنك الدولي» والكاميرون لإنشاء خط أنابيب لنقل النفط بين البلدين، في خطوة واعدة كان يفترض بها أن تدر الكثير من الأرباح لصالح مكافحة الفقر وتعزيز مشروعات التنمية في البلاد، إلا أن «البنك الدولي» اتهم ديبي باستغلال أرباح المشروع لتعزيز سلطة نظامه، وبأنه جمد بعض الأموال من عائدات النفط.

في عام 2006، وضعت تشاد على رأس قائمة الدول الأكثر فسادًا في العالم طبقًا لمجلة «فوربس»، كما صنفت «منظمة الشفافية الدولية» البلاد في مرتبة متأخرة على مؤشر الفساد الخاص بها، وفي عام 2017 اتهمت الولايات المتحدة الرئيس التشادي نفسه بتلقي رشى من شركة نفط صينية قدرها مليوني دولار مقابل منح الشركة حقوقًا نفطية دون تنافس دولي.

وتمتلك تشاد سجلًا سيئًا في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، وعمليات الاعتقال خارج إطار القانون، فضلًا عن القيود على حرية التعبير – في سبتمبر (أيلول) الماضي، أوقفت السلطات نشر 12 صحيفة معارضة، بدعوى عدم امتثالها لقانون الصحافة – كما حُظرت منصات التواصل الاجتماعي في يوليو (تموز) 2020، فضلًا عن الاعتقال المتكرر للصحافيين والاعتداء عليهم.

وفي أبريل (نيسان) 2020، توفي 44 معتقلًا داخل زنازينهم في السجون التشادية، ورفضت «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان» مزاعم انتحارهم، مرجعة سبب الوفاة إلى ظروف الاحتجاز حيث كان الرجال يُحتجزون في زنازين ضيقة، ويجبرون على النوم على الأرض من دون أغطية، كما يحرمون من الحصول على الماء والغذاء، كما أفادت «الرابطة التشادية لحقوق الإنسان» أن أكثر من 200 شخص، بينهم عشرات النساء، قد اعتُقلوا في الشوارع وأماكن العمل شرقي البلاد في مايو (آيار) الماضي وتعرضَ الكثير منهم للضرب بالهراوات، في أثناء احتجازهم.

«شجاعة» إدريس ديبي «تورده المهالك»

تضاعفت أهمية تشاد في السنوات الأخيرة، وتزايد حضور الرئيس ديبي على الساحة الإقليمية والدولية، مع تزايد نشاط جماعة «بوكو حرام» (ذراع تنظيم الدولة في أفريقيا، والتي تنشط بشكل أساسي في نيجيريا والنيجر، وفي منطقة بحيرة تشاد، كما شنت هجمات في العاصمة التشادية إنجامينا)، وقد أدت هجمات بوكو حرام في تشاد إلى مقتل الآلاف ونزوح عشرات الآلاف، وفي مارس (آذار) 2020 شن التنظيم هجمات قتل فيها نحو 100 جندي تشادي؛ الأمر الذي أثار الغضب والصدمة في الأوساط التشادية.

أبدى إدريس ديبي حماسة كبيرة في التصدى لأنشطة بوكو حرام، سواء من خلال العمليات العسكرية داخل الأراضي التشادية، أو من خلال التدخلات في الدول المجاورة، وقد أشرف الرئيس ديبي بنفسه من الميدان على حملة عسكرية موسعة للجيش ضد معاقل بوكو حرام في مناطق بحيرة تشاد، في أبريل 2020 في عملية أطلق عليها «غضب بوما»، جاءت انتقامًا لمقتل العسكريين التشاديين، وأعلنت المصادر الرسمية التشادية أن العملية قد أسفرت عن مقتل ألف عنصر من بوكو حرام، والقضاء نهائيًا على تواجد الجماعة على الأراضي التشادية.

لكنّ «القشة» التي قصمت ظهر إدريس ديبي لم تكن «بوكو حرام»، بل جاءت نهايته بشكل مفاجئ يوم الثلاثاء 20 أبريل 2021، متأثرًا بجراح أصيب بها أثناء تفقده للقوات التشادية التي تقاتل حركات مسلحة متمردة شمالي البلاد على الحدود الليبية، وقد اعتاد ديبي الذي يوصف بأنه «عسكري شرس» تفقد قواته بنفسه على جبهات القتال على مدار سنوات حكمه، غير أن «شجاعته» قد كلفته حياته في آخر المطاف، حيث توفي عن عمر يناهز 68 عامًا. 

وجاء مقتل ديبي المفاجئ غداة إعلان فوزه بولاية رئاسية سادسة، بعد إعلان فوزه بنحو 79% من أصوات الناخبين في الانتخابات التي أجريت في وقت مبكر هذا الشهر، وقاطعتها أحزاب المعارضة، وبعد إعلان مقتل ديبي، فرض الجيش التشادي حظرًا للتجول خلال ساعات الليل، كما أغلق المجال الجوي للبلاد حتى إشعار آخر، وتم الإعلان عن تشكيل مجلس عسكري يتولى مهمة إدارة البلاد مدة 18 شهرًا يقوده ابن ديبي، الجنرال محمد كاكا الذي يقود الحرس الرئاسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد