default-avatar
زهراء مجدى

11

default-avatarزهراء مجدى

11

1,446

«في الحياة هنا مستني، مستني تموت، مستني الامتحان، مستني نتيجة الامتحان، مستني في طابور الحكومة، وفي الآخر تستنى الموت يجيلك، طب أنا مستنيه ليه» شريف قمر.

انتحر شريف قمر الأسبوع الماضي، شاب مصري قتل نفسه بمسدس والده، وسبب انتشار الخبر كان فيديو له وهو يحاور صديقه ويحكي عن رغبته في الانتحار. لم ينتبه المعظم للبطل الحقيقي للقصة، ولكن انتبهوا لشريف قمر – رغم أنه ليس الأول ولا الوحيد – فالبطل الحقيقي الذي يخشاه الجميع ومنهم أصدقاء شريف الحقيقيون أو على فيسبوك، هو الانتحار، بطل فترة يعيشها بالتحديد في مصر جيل من المفترض أن تغمره الأحلام بدلًا من التفكير في الموت.

«طاخ طاخ»، صوب شريف سبابته إلى رأسه أمام كاميرا صديقه الذي سأله: هل تراودك أفكار انتحارية؟ فرد قائلًا «ياه كتير». ربما كانت أداة شريف لقتل نفسه هي نفس الأداة التي ظهرت في الفيديو الذي سجله قبل وفاته، الفيديو الذي قذف بالاتهامات فوق رأس صديقه الذي سجل معه، ومعرفته برغبته في الانتحار، وأسئلة حول كيف لشخص أن يضحك في صورة على فيسبوك، ويشارك في النقاشات السياسية وحتى المرحة والساخرة ولا يظهر على صفحته أنه يمر بأزمة، ثم نجده فجأة انتحر؟ هل كان التدخل سيجدي نفعًا ويثنيه عن قراره؟ لا؟

هناك الكثير حول الانتحار، ومرض من نحبهم بمرض نعرفه اسمه الاكتئاب، وخواطر واعتقادات قد تمنع معظمنا من اتخاذ قرار سليم في وقت حرج، كل هذا سيحاول هذا التقرير مقاربته.

الانتحار.. تعرف على الخطر

تقدر منظمة الصحة العالمية أن ما يقرب من مليون شخص يموت منتحرًا كل عام، رغم أن 25 شخصًا فقط منهم طلبوا مساعدة من مستشفيات لحمايتهم من أنفسهم خلال خمس سنوات ماضية. ويعتبر الانتحار السبب الرئيس الثاني للوفاة بين الأشخاص في سن 25- 34، والسبب الرئيس الثالث بين الأشخاص في عمر 15- 24، في حين سجلت الفئة العمرية بين 45- 54 أعلى معدل انتحار للإناث، فيما سجل الذكور أعلى معدل انتحار بين سن 75 لأكثر. ولم يمنع السن أحدًا عن الانتحار، فسجل أطفال تحت سن ست سنوات حالات انتحار ناجحة. وبينما تحاول الإناث الانتحار مرتين وثلاث مرات أكثر من الذكور، فإن الذكور عرضة للموت من الانتحار أكثر من الإناث، فقد أكدت الأبحاث أن الذكور يمثلون ما يقرب من 80% من حالات الانتحار، وقد يعود ذلك جزئيًا إلى أداة الانتحار، فيلجأ الذكور عادة إلى الأسلحة النارية، بينما تلجأ الإناث في الغالب إلى مواد سمية، أو جرعات كبيرة من المهدئات.

هل الانتحار فعل أخلاقي؟

«أنا واحد من 7 مليار واحد، لما هموت فيه 7 مليار إلا واحد غيري هيكملوا حياتهم، أنا مش مركز الكون، اعتبرني حمل كاذب» شريف قمر.

معظم الديانات تقدس الحياة، وهو ما تعتمد عليه القوانين في تجريمها الانتحار، ففشلك في محاولة الانتحار يعرضك للسجن في معظم دول العالم، إلا في الهند التي لغت العقوبة 2013، وبريطانيا التي لغتها 1961، ومنحت مواطنيها الحق في الانتحار، وهو الوضع الذي ربما لن يتغير إلا إذا توفرت أغلبيات تعتبر حياة الشخص ملكًا حصريًا له، بل ينبغي احترام قراره بالانتحار، خاصة إذا اعتبرت الأغلبية الانتحار حلًا عقلانيًا لمشاكل حقيقية مزمنة يمكن للبعض اتخاذه.

بعض الحجج المؤيدة لحرية الانتحار تتحدث عن محاولتها حفظ كرامة الإنسان، ووضع حد لمعاناته، ولكن في الجانب الآخر من الحجة، فالشخص المصاب باضطراب نفسي وعصبي لا يملك القدرة العقلية الكاملة لاتخاذ قرار سليم بشأن إنهاء حياته، وقد يكون واقعًا تحت ضغط نفسي قوي، أو نوبة اكتئاب، وبطبيعة الأمر لن يمكنه تغيير رأيه بعد وفاته.

Embed from Getty Images

خلافًا لمعظمنا لا يفكر الفلاسفة في الانتحار من وجهة نظر أخلاقية، فالفلاسفة الوجوديون مقتنعون بأن الحياة ليس لها معنى، وبالتالي لا مانع من الانتحار، وبدلًا من تقديس الحياة، عليك أن تبرر بقاءك حيًا بمنح حياتك معنى وإنجازًا يبرر عدم انتحارك حتى الآن، وقد اختلف الفلاسفة الوجوديون فيما بينهم على المبرر الذي يمنح حياة الإنسان معنى وقيمة، والبعض قال أن لا شيء في الحياة يحمل أدنى قيمة، ولا حتى الانتحار ذاته، واعتبروا بعدها الانتحار أمرًا غير ذي أهمية، لأنه ليس هناك ما يعتبر «انتحارًا عقلانيًا»، فالشخص المنتحر تسيطر عليه مشاعره ويغيب عقله.

عانى الفيلسوف ديفيد هيوم من حزن شديد وكتب عن الانتحار والخلود بعد الموت، وقال: خطوة واحدة فقط قد تضع حدًا لبؤس الإنسان، لكنني أخشاها لسلبيتها، وجنبًا إلى هذا تحدث هيوم عن الخوف الطبيعي من الموت، فوفقًا لهيوم فقد أسس الله قوانين الطبيعة، ومكن جميع الحيوانات، والإنسان أيضًا، ومنحهم القوة الجسدية والعقلية، وبتفاعل قوى الطبيعة لا تصبح هناك حاجة لقوة الله في الأرض، وبالنظر لهذا الوضع فالإنسان يستخدم صلاحياته لتوفير حياة سهلة وسعيدة ومستقرة، حتى ولو كانت هذه السعادة في الانتحار، وبهذا يكون انتحار شخص جائزًا حتى لو كان متدينًا، لأنه وقتها لن يتعارض مع هدف الله، بحسب هيوم.

Embed from Getty Images

دار هناك حديث حول أنانية المنتحر وإضراره بمشاعر من حوله، فيقول هيوم إن المنتحر لا يؤذي أحدًا بوفاته، بل هو توقف فقط عن عمل الخير، فالإنسان في نظره ملزم بتقديم الخير للآخرين، وفي حالة كون وجوده عبئًا على المجتمع، يكون الخير في انتحاره، وهنا يعتبر هيوم الانتحار فعلًا أخلاقيًا، وبصرف النظر عن أخلاقية الانتحار من عدمه، فالانتحار يتبعه موت، وبالتالي كان سؤال: هل على الانسان أن يخاف الموت؟

هنا يجيب الفيلسوف توماس ناجيل في كتابه «قسوة الموت»، عن إذا كان الموت شرًا؛ فيقول إن الموت شر، لأنه يحرمنا متعة الحياة، فالموت حرمان لا يحمل في جوهره أية قيمة إيجابية، لكنه يستمد قيمته السلبية بحكم ما يحرمنا من حياة، ما يعني بالنسبة لناجيل أن تجربة الحياة الفارغة قيمة في وجودها، بغض النظر عن نجاحنا فيها أو فشلنا، ولكن واجهت فلسفة ناجيل استفهامات مثل: إذا انتحر شخص وتوفي فمتى سيشعر بقسوة الموت؟ فليس هناك وجود له ليقيم تجربة الموت بعد وفاته، وسؤال ثان عن أننا لا نعتبر الفترة الطويلة قبل ميلادنا شرًا، فلماذا سنعتبر فترة ما بعد الموت شرًا؟ ففي الحالتين نحن لا نتمتع بالحياة؟

رد ناجيل جاء مقنعًا بدرجة ما بالنسبة للبعض، فقال إن الخير أو الشر الذي يصيبنا يؤثر على ذكرانا وإن لم يؤثر علينا في اللحظة الحالية، فيمكن أن يصيبنا شرٌ دون أن ندركه، وتطرق لمثال عن شخص سليم العقل وذكي، أصابه نزيف في المخ، فقلت قدرته العقلية لتساوي قدرة طفل رضيع، فإن ما تعرض له هذا الرجل شر، حتى وإن لم يستطع إدراكه بعقله الحالي.

لماذا ينتحر من نحبهم؟

الانتحار يمكنه إنهاء حياة أي شخص بغض النظر عن عمره أو جنسيته أو خلفيته الثقافية أو وضعه الاجتماعي والاقتصادي وانتمائه الديني، فمن يحاول الانتحار تسيطر عليه مشاعر عجز ويأس ووحدة، ولا يعتقد في وجود بديل لقراره، وقد يكون من المخيف اكتشاف رغبة شخص تحبه في الانتحار، ولتخفيف مشاعرك تحاول الاستخفاف بجديته، ليظل هو في مواجهة الموت وخطره وحده.

Embed from Getty Images

هناك دراستان مفيدتان قد تساعداننا لحل هذه المشكلة، الأولى، عندما حلل باحثون الرسالة الأخيرة لـ20 منتحرًا متوفيًا، ووجدوا أن ما يدور حوله حديثهم كان شعورهم القوي بمدى ضغطهم على من يحبونهم، وأنهم عبء يجب التخلص منه، وحضورهم الثقيل على حياة من حولهم، بالإضافة إلى اليأس العارم، وقدر غير معتاد من الألم، والاعتقاد بأن أي حل غير الموت مستحيل.

هناك تساؤل حول قدرة شخص إيذاء نفسه حتى قتلها، وهذا موضوع الدراسة الثانية، فقدرة منتحر على بلع 50 قرصًا مهدئًا، أو شرب مبيد حشري، أو الضغط على زناد المسدس صوب رأسه، أو ركل كرسي يقف عليه ليتدلى جسده من حبل مربوط بالسقف، كلها تصرفات مثيرة للجدل نحو شخص لم يتحمل أزمة مالية أو مشكلة عاطفية، وهو ما دفع الباحثين للإقرار بوجود مشاعر يائسة دافعة للانتحار، ولكن هذه المشاعر ليست كافية للتنفيذ، فيحتاج المنتحر إلى رغبة كثيرة في إيذاء نفسه، وهو ما يظهر بقوة في أشخاص يلعبون رياضات عنيفة، ويصطادون بالبنادق، أو كثيري العراك، أو من يركبون بوجههم عدة ثقوب حديثة لتركيب الإكسسوارات وتعدد الوشوم بجسدهم، ها هنا الحكم النفسي الذي يعد خطرًا قاتلًا لصاحبه ومثيرًا لإعجاب من حوله في نظر البعض.

كيف أتعامل مع صديق أخبرني برغبته في الانتحار؟

«الفضول المقنّع بالاهتمام»، كان هذا وصف شريف لما لاقاه من أصدقائه، والأكيد الآن أنه لم يكن اهتمامًا كافيًا ليمنعه. في نفس المنطقة ربما عشنا في عام 2017 أغرب حادثتي انتحار، شهدتهم بريطانيا، واحدة حاول فيها شخص إنهاء حياته بأن وقف على جسر وقرر رمي نفسه في النهر، واتخذ المارة موقفًا ضده، أو لصالحه هكذا ينظر المؤيدون لحرية الانتحار ومعارضوهم، بأن ثبتوه في الجسر بحبل وتمسكوا به بأيديهم ومنعوه من تنفيذ خطته. الغريب في هذه القصة ما شهدناه الشهر الماضي من حيرة في أمر قضائي، بسبب مساعدة فتاة لحبيبها على الانتحار وتشجيعه، بل ودفعه بكل طاقتها، واتهامه بالجبن عندما تردد، لتحصل النيابة على رسائلها له لحظة انتحاره وهي تتابع معه الخطوات ليقتل نفسه داخل سيارته دون أن يسمعه أحد حتى تستحيل محاولة إنقاذه.

Embed from Getty Images

موقع Healthyplace.com أكبر موقع للصحة العقلية والنفسية على الإنترنت، ويقدم معلومات موثقة ودعمًا لمن يعانون من مشاكل نفسية ويساعد أفراد أسرتهم في مهمتهم لإنقاذهم. يؤكد الموقع على خطأ معتقد ينتشر كلما وقع حادث انتحار، فما قد يغيب عن البعض بحسب الموقع، أن من يحاول الانتحار لا يسعى لأي مكسب من انتحاره؛ من يحاول الانتحار يحاول فقط الهروب من حياة يملؤها ألم لا يطاق، الانتحار ليس سعيًا أو بحثًا عن الموت، الانتحار لا يترادف مع الموت، الانتحار يترادف مع الألم، وهنا أيًا كانت صلتك بالشخص الذي يواجه أزمة، سواء صديق تهتم لأمره، أو شخص عبر عن رغبته على فيسبوك، وتشتت الجميع معتقدين أن أحدًا آخر بالتأكيد سوف يساعده.

1- خذه على محمل الجد: هناك أسطورة متداولة تقول إن من يتحدث عن رغبته في الانتحار لا ينتحر، ولكن أثبتت الدراسات أن أكثر من 75% من المنتحرين المتوفين عبروا عن رغبتهم في الانتحار ومعاناتهم من اليأس والضيق لمن حولهم قبل أسابيع أو أشهر قليلة قبل قتلهم لأنفسهم، لذا من يعبر عن رغبته في الانتحار فهو شخص يحتاج منك اهتمامًا فوريًا.

2- كل من يحاول الانتحار سيظهر عليه: نسبة مرضى الذهان والهلاوس في من حاولوا الانتحار فعليًا لا تتعدى 10%، فمعظم المنتحرين يعانون من مرض عصبي مُعترف به، وهو الاكتئاب، والكثير من مرضى الاكتئاب يقضون يومهم بشكل طبيعي، ويدبرون شؤونهم اليومية، يعملون، ويستحمون، ويهتمون بمظهرهم، فإذا لم تجد السوء يكسو حالة صديقك فلا يعني هذا أنه غير جاد في رغبته بالانتحار.

3- التقليل من شأن مشاكله: «أنت لم تمر بصعاب بعد، ومشاكلك غير كافية لإنهاء حياتك». كم مرة قلل الآخر من مشاكلك وضيقك وبكائك، تخيل، هؤلاء الناس يشككون في جدية دوافع المنتحر للانتحار. اعلم أنه لا يمكنك افتراض قوة أو ضعف أسباب انتحار شخص أنت لم تعش مشاعره، وتقييم دوافعه بأنها لا تستحق، فالأزمة ليست في حجم مشاكله، ولكن في تأثيرها النفسي السلبي على هذا الشخص. دعه يشعر بخوفك من أي ضرر قد يمسه، دعه يشعر بالاهتمام في نبرة صوتك، وأنه لا يواجه هذا العالم وحده، فأنت معه، صبور ومتعاطف، متقبل للجانب المظلم في روحه، ولن تقف عند التقليل من أزمته ونصحه بألا ينتحر خوفًا من عقاب الله.

4- أنت أناني: لا يجب اتهام شخص يريد أن ينتحر بالأنانية، وإيذاء مشاعر من حوله، فهو يعلم. هذا الشخص قد لام وعاتب وعذب نفسه واتهمها، وآخر ما قد يحتاجه هو لوم الآخرين له، فإذا وقف العالم ضده زاد شعوره بالوحدة وضرورة تخليص العالم من أذاه، ومحاولة الانتحار مرة أخرى والحصول على نتيجة أفضل هذه المرة، فماذا يمكن أن يكون سببًا أقوى للانتحار من كونك سببًا في أذى من تحبهم، وكراهية الجميع لك؟

5- أنت ضعيف الإرادة: محاولة انتحاره لا تعبر عن شخصيته، ولكنها أحد أعراض مرضه، هو ليس منتحرًا ضعيفًا لا يملك إرادة وأنانيًا، ولكنه فرد منا، عضو في جماعتنا، محب لمن حوله، يسعى لإثبات نفسه، والآن هو الوقت الأنسب لتذكيره بماهيته التي نسيها، فلا تتركه وحده، وتخلص من كل الأدوات التي قد يستخدمها في إيذاء نفسه، مثل السموم والأسلحة النارية، والحادة.

6- اهتم لأمره: الناس من حولنا في حاجة للشعور بأنهم محبوبون، وتشملهم رعاية من يحبونهم، فانتماؤهم لأسرة حقيقية أو لأصدقاء من حولهم يمنعهم من التفكير في إيذاء أنفسهم، هم في حاجة لسماع كلمات تقدير، والشعور بالاهتمام، وأن الأزمات يمكن حلها، وأننا معًا لهذا.

7- أظهر تعاطفًا معه ولا تنصحه: أنت لست وحدك، أنا هنا من أجلك. هذه الكلمات أقوى بكثير من تقديم المشورة لإصلاح المشكلة الحالية التي دفعته للتفكير في الانتحار. على سبيل المثال، إذا شعر الشخص بالضيق إزاء زوجته التي تركته، لا تقُل: هناك أسماك أخرى في البحر، أو كانت إنسانة سيئة، أو تحكي له قصة ابن عمك الذي تركته زوجته فسافر وتزوج من أجنبية شقراء. ليس هذا هو الوقت ولا المكان المناسب لذلك. هذا الشخص يحتاج فقط إلى صديق لمساعدته في الانتقال من هذه المرحلة الصعبة، ثم التفكير في الحل لاحقًا، ويمكنك أن تكون هذا الشخص إذا أمكنك تقديم التعاطف والدعم.

8- التصريح برغبته في الانتحار صرخة من أجل المساعدة: هناك أسطورة تقول: إذا قرر شخص قتل نفسه فلا قوة يمكنها منعه؛ ولكن الحقيقة هي أن بقاء هذا الشخص على قيد الحياة حتى الآن دليلٌ على رغبة ولو ضعيفة داخله في البقاء حيًا، فالشخص الراغب في الانتحار تتناقض بداخله الرغبات، جزء منه يريد العيش، وجزء يريد الموت فورًا للتخلص من الألم النفسي، فإذا أخبرك صديقك أنه يرغب في الانتحار، فالجزء الذي يخاطبك هو الراغب في الحياة، والذي يتوسم فيك أن تساعده، وأن تحسن التعامل معه، وألا تسخر منه بكل تأكيد، فمهما تأثرت سلبيًا بحديثه وخططه، فتأكد أنه يحاول، وأنه يتمنى لو ساعدته.

9- اسأله: هل لديك رغبة في الانتحار؟ فالبعض مؤمن بأسطورة: إذا ما تحدثت معه عن الانتحار منحته دافعًا للتنفيذ. الانتحار كلمة نسمعها كل يوم، نقرؤها على فيسبوك وتويتر، فإذا سألت شخصًا عن رغبته هذه فأنت بالفعل تساعده، وتهتم به، وتأخذ حديثه على محمل الجد، وأنك على استعداد لمواجهة آلامه معه، وتمنحه فرصة لتفريغ مشاعره السيئة تجاه نفسه وحياته، فلسوء الحظ، يخشى المنتحرون طلب مساعدة من الآخرين لأنها قد تجلب لهم المزيد من الألم، ووصفهم بالأغبياء وغير المؤمنين، ورفض الآخر لهم، والتأثير على سير دراستهم أو تهديد عملهم، أو الشعور بالشفقة بدلًا من الحب.

وماذا عني؟ أنا أيضًا أتألم بينما أمنعه من الانتحار

الآن فكر في قدرتك على منع شخص من قتل نفسه، وعدم قدرتك على رؤيته ثانية، لا يمكن إنكار حزنك وضيقك وغضبك وتوترك، ولكن هناك شخصًا ما سيختفي من حياتك إذا لم تساعده، ولا يمكنك البوح بمشاعرك أمامه، تحدث مع صديق لك وفرغ طاقتك في البكاء والصريخ، واطلب منه أن يدعمك، لكن تأكد من استحالة إجراء مناقشة منطقية عميقة مع شخص يواجه الموت الآن، أو حتى مناقشة أساسها مشاعرك أنت، انتظر حتى تستطيع التعبير عن مشاعرك بدون إلقاء تهم عليه، وبدور أن تكون أنت محور الحديث، ساعده أولًا، ثم اختر لحظة تعبر فيها عن نفسك بعد ذلك.

Embed from Getty Images

يمكنك البحث عن دعم نفسي خارجي لك، مثل طبيب نفسي وعصبي، تشارك معه خوفك من فقدان شخص عزيز عليك، وتستمع منه لنصيحة في مساعدة هذا الشخص، لا تتحمل الألم وحدك؛ وزع القلق والمسؤولية على عدد أكبر ممن حولك ليصبح دورك أسهل وأخف ضررًا.

في الوقت الذي يصرح فيه صديقك برغبته في الانتحار كن هادئًا ولا تنفعل عليه، استمع لما يقوله وأبدِ تفهُّمَك، ولا تشعر بالخجل من سؤاله عن خطته الانتحارية، فمن يملك خطة لقتل نفسه ويعرف أداته في أخطر المراحل ويحتاج مساعدة فورية، فكر معه بإيجابية، وادفعه بكل طاقتك لتغيير مشاعره الحالية، وتحدث معه عن بدائل فعالة ونبئه ببعض الأمل في المستقبل، واستمر في أداء دورك لفترة حتى تلمس تحسنًا في حالته، سواء بحل مشكلته أو خضوعه لعلاج نفسي، فقد تمر أسابيع وشهور دون أن يشعر المنتحر بأي تحسن، وخلال هذه الفترة إذا فقدت أنت أعصابك، فهناك شخص سيفقد حياته.

تذكر دومًا أنك لست سببًا في رغبة أحد أحبائك في الانتحار، قد يمكنك مساعدة شخص في تحسين حالته لكن لا يمكنك استبدال أمل مؤكد بمشاعره السلبية، فلا تلُم نفسك على رغبة غيرك في الانتحار.

هل تفكر أنت في الانتحار؟

إذا راودتك أفكار انتحارية وكنت بحاجة إلى مساعدة فورية فلن تسعفك كتابة رغبتك على فيسبوك أو تويتر، لا تبحث عن طرق الانتحار وقصصه على الإنترنت، اتصل بصديق لك، أكثر شخص تحبه، أو رجل دين تثق برأيه، أو طبيب نفسي، ووجه له رسالة بشكل خاص، أنا أفكر في الانتحار، ساعدني؛ فترك رسالة عامة للجميع توزع شعورهم بالمسؤولية بينهم، فيظن كل شخص بأن هناك آخر بالتأكيد أقرب له مني يساعده.

Embed from Getty Images

ابق على مسافة من وسائل الانتحار، تخلص من السموم والأسلحة من منزلك، وإذا فكرت في تناول جرعة زائدة من علاجك، فأعطه لشخص يعيش معك أو بجوارك واطلب منه أن يعطيك جرعة واحدة في اليوم، وتجنب الكحوليات والمخدرات وحافظ على سلامة تفكيرك وقوة تركيزك، وتجنب الفشل. تجنب حل مشكلاتك وحدك، اعرف قدراتك الحالية ولا تقسُ على نفسك، وحدد أهدافًا واقعية لنفسك، واعمل على تحقيقها خطوة بخطوة.

علق جدولًا زمنيًا بغرفتك، حدد فيه أولوياتك وسجلها وعلقه أمامك، فإنجازك مهامَّ يومية ولو بسيطة يمنحك أملًا وثقة بالنفس، وبالجدول سجل 30 دقيقة كل يوم لبعض الأنشطة الممتعة لك، مثل سماع الموسيقى، أو تعلم العزف، أو القراءة، أو أخذ حمام دافئ، أو تعلم الخياطة، أو التسوق، ومشاهدة الأفلام، والاهتمام بنباتاتك وتقليمها، و30 دقيقة أيضًا للسير أو الجري أو التمرينات الخفيفة، و30 دقيقة تتعرض فيها لأشعة الشمس، فضوء النهار يحمينا من نوبات الاكتئاب.

حتى وإن كنت انطوائيًا حاول جذب أطراف الحديث مع من حولك، عبر عن مشاعرك وأفكارك واهتماماتك، فربما يكون الاختلاط مع الآخرين مفيدًا، وتذكر أن اللحظة التي تعتقد أن العالم توقف عندها ستمر، وأن الاكتئاب مرض يمكن علاجه والتخلص منه.