في الثاني عشر من شهر مايو (أيار) لعام ٢٠١١ وعقب تنحي المخلوع حسنى مبارك أطلّت علينا وسائل الإعلام المصرية بخبر القبض على الجاسوس الإسرائيلي التابع لجهاز الموساد «إيلان جرابيل» التي وجهت نيابة أمن الدولة العليا له عدّة اتهامات أبرزها التحريض على حرق أقسام الشرطة أثناء ثورة يناير (كانون الثاني).

وقتها استغل الإعلام المحسوب على النظام القديم (الفلول) الخبر للهجوم على ثورة يناير (كانون الثاني) ومحاولة تصوير أن هذا الجاسوس جزء من شبكة كبيرة تعمل لدى الموساد، وهي المسؤولة عن قيام الثورة، ودعّمت أقوالها بصور للجاسوس فى ميدان التحرير أثناء الثورة.

بعدها تضاربت تصريحات المسؤولين حول وضع الجاسوس، فنشرت جريدة الأهرام خبرًا عن اعتراف إسرائيل بفشلهم – بوساطة أمريكية – فى إقناع مصر بتسليم الجاسوس، وتم اتهامه مرة أخرى بالتحريض على الفتنة الطائفية فى أحداث ما بعد ٢٥ يناير، وصرح الخبير الاستراتيجي المقرب للمجلس العسكري وقتها سامح سيف اليزل بأن «تعددت الأقاويل عن وجود ضغوط شديدة على مصر للإفراج عن المتهم وهو أمر غير منطقي، لأن مصر لن تقبل أي ضغوط عليها في هذا الشأن ومن أية دولة».

وبعد عدّة أيام عقدت مصر صفقة تبادل مع السلطات الإسرائيلية أفرجت مصر بموجبها عن المواطن الإسرائيلي الأمريكي مقابل افراج اسرائيل عن ٢٥ مواطن مصرى سجين فى السجون الإسرائيلية، وكانت تصريحات إعلامية سابقة قد قالت «إن مصر طالبت بالإفراج عن ٨٥ سجين، ومرة أخرى ٨١ سجين، ولكن الصفقة تمت فى النهاية مقابل إفراج إسرائيل عن ٢٥ سجينًا.

وبعد مرور ست سنوات على الواقعة، التقت «ساسة بوست» بالجاسوس الإسرائيلي في حوار مطوّل يكشف فيه الكثير من الأسرار، ويعيد بحديثه تشكيل التصورات عما يسمى بالمؤامرات الخارجية إبان ثورة يناير 2011.

ربما يكون هذا الحوار مهم من عدّة جوانب؛ أولًا لأنه يمثل ركيزة قد تواجه سردية بعض أجهزة الدولة المصرية التي تشير بين الحين والآخر إلى أن الثورة المصرية فى ٢٥ يناير كانت ممولة أو تحرض عليها إسرائيل. فقد حاول الإعلام المصرى بكل جهد أن يظهر إيلان كما لو أنه هو المحرض على الثورة، بالرغم من أنه لم يكن يتواجد في مصر طوال فترة الثورة المصرية، وتوجه إلى مصر بعد التنحي بعدّة شهور، حتى إن التلفزيون المصرى تبنى حملة بعد القبض عليه لتوعية الشباب من الجواسيس أظهر فيها الثوار وكأنهم مغرر بهم ويتم استدراجهم من قبل الجواسيس بلا أي وعي.

حتى بعد الإفراج عنه كان الإعلام الرسمي ممثلًا في «وكالة أنباء الشرق الأوسط» يشير إلى إيلان جرابيل على أنه الجاسوس الإسرائيلي بدون أية محاكمات أو أدلة، وقد ظهر فى حواره معنا أنه يتحدث اللغة العربية بصعوبة بشكل يدل ربما على أنه في بدايات تعلمه للعربية، وقد استعان إيلان في الحوار بالعديد من الأحداث والوثائق ليثبت كلامه، وقد حاولنا من جانبنا فحصها، على عكس رواية السلطات المصرية التي لم تعلن عن أيّة أدلة تدينه، كما أن سرعة إجراء صفقة الإفراج عنه مقارنة بالقضايا الأخرى التي تخص التجسس مع إسرائيل، مثل قضية عودة الترابين أو عزام عزام، تثير التساؤلات حول إذا ما كانت فعلًا السلطات المصرية تملك دلائل إدانة ضده.

وفي الحوار التالي، قمنا بتغيير وإخفاء أسماء المواطنين المصريين والمؤسسات التي تم ذكرها فى الحوار؛ وذلك حتى لا يتعرضوا لأي خطر أو ضغوط.

بداية.. من أنت؟

إسمى إيلان جرابيل، مواطن إسرائيلي/ أمريكي مزدوج الجنسية، أعمل كمدرس للرياضيات في أمريكا اللاتينية، وأحب تعلم اللغات، وخاصة اللغة العربية التي أستطيع التحدث بها جيدًا كما ترى.

هل أنت جاسوس؟

يضحك قليلًا. ثم يقول: إنه سؤال مضحك، أنت تعرف أنني حتى لو كنت جاسوسًا فلن أجلس مع أحد الصحافيين وأخبره أنني جاسوس بتلك السهولة، أنا أعمل الآن مدرسًا للرياضيات في أمريكا اللاتينية، بعدما أنهيت دراستي للحقوق أعجبت بالثقافة العربية وأردت أن أتناولها بالبحث والقراءة، وكعادة أغلب الشباب في إسرائيل فإنهم بعد إنهاء دراستهم الجامعية يبدأون بالسفر حول العالم للتعرف على الثقافات المختلفة واكتساب الخبرة الحياتية، وحيث إنني ليبرالي منفتح على العرب، وتعلمت اللغة العربية أردت أن أكون مستشرقًا، وبدأت أزور مصر لعدة مرات؛ فهي أسهل الدول العربية في الزيارة، كنت أذهب إلى المناطق السياحية في سيناء، أقضي بعض الوقت، وأتعرف إلى المصريين وأتحدث معهم العربية؛ لأستطيع إجادتها.

ولماذا مصر إذن، لماذا لم تسافر إلى أوروبا على سبيل المثال؟

أنا لست متطرفًا في أفكاري واعتقاداتي حول الآخر، أنا ليبرالي ولدت في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، وعشت 11 سنة فى إسرائيل، وكنت أريد أن أبحث عن طرق للعيش المشترك بيننا وبين العرب، وأردت أن أقدم شيئًا لأخدم قضية السلام، أردت دراسة الإسلام، وهذا بالتحديد ما حدث خلال زياراتي لمصر، فقد درست بالأزهر الشريف.

أخبرنا أكثر عن دراستك بالأزهر الشريف؟

كنت فى زيارة إلى الأزهر الشريف، حيث كان الأزهر يرسل مجموعات من علماء الدين الشباب ليدعوا السائحين والأجانب إلى الإسلام، ويعطونّا منشورات ومطبوعات حول الإسلام والقرآن وغيرها من الأشياء، وبطبيعة الحال وبسبب معرفتي بالعربية كنت أتحدث إليهم وأتعرف أكثر حول الاسلام وأستوضح بعض الأشياء التي قرأت عنها ولم أفهمها، وتعرفت على أحد هؤلاء الشباب وكان يسمى «محمد» وأصبحنا أصدقاء، وعرفّنى على أخيه الذي كان يريد إدخالى الإسلام، وأخبرته أننى مهتم بمعرفة ودراسة الإسلام، ولكنه أخبرني أن واجبه الديني يحتّم عليه دعوتي للإسلام، وأخبرني أنني «معزوم عندهم في الأزهر لأتعلم اللغة العربية الفصحى وعلوم الإسلام»، وكنت أعرف أن الجامع الأزهر هو من أفضل الأماكن لدراسة الإسلام، ولذلك لبّيت الدعوة، وبدأت أتردد على الأزهر الشريف، ولمدة ثلاثة شهور كنت أحضر حلقات التجويد والمحافظ والتلاوة وعلوم القرآن وغيرها من الأشياء، وكان صديقي الأزهري محمد يخبرني بأنني مثل أحد المستشرقين اليهود الذى درس في الأزهر، وخالط المسلمين في مصر والشام خلال القرن التاسع عشر ويسمى «جولدتسيهر»، وفرحت كثيرًا؛ لأنني قرأت لجولدتسيهر، وكان مثلي الأعلى، وكنت أقلده دائمًا، وكنت أفرح كثيرًا عندما يقارنني الأزهريون به.

كان صديقى الأزهري يصحبنّى أغلب الوقت، ويقدمني إلى أصدقائه باعتبارى يهودي يدرس الإسلام، وكان أغلب الأزهريون يرحبون بي، وأغلب من قابلتهم بالأزهر كانوا متسامحين معي، ومتواضعين للغاية، ويرحبون بتعليمي، وعلموني الصلاة، وكنت أصلي معهم في صفوف المسلمين.

ذكرت أن الأزهر كان يرسل بعثات لدعوة الأجانب إلى الإسلام، هل كان يحدث هذا بشكل رسمي أم أن هؤلاء أزهريون متطوعون؟

لا أعلم الحقيقة، ولكن الأمر كان يحدث باستمرار أثناء وجودي بمصر، كانوا يملكون مطبوعات حول الإسلام بعدة لغات، وكيف أنه دين سلام وتسامح، وتحمل اسم الأزهر الشريف.

في الواقع تحققنا من وجود الجمعية التي ذكرها إيلان لنا في الحوار، والتي تقوم بدعوة الأجانب بداخل الأزهر الشريف وكذلك المطبوعات متعددة اللغات التي تحدث عنها والتي تحمل شعار الأزهر الشريف.

أثناء إقامتك في مصر، هل كنت تخبر الناس أنك إسرائيلي؟

كنت أتحدث العربية بلهجة مختلفة عن المصرية، وبصعوبة، وكنت لا أكذب حول إقامتي أو ديني، كنت أقول إننى من الشام، أو من أبناء العمومة، خوفًا من رد الفعل وكان المصريون يعرفون أغلب الأحيان أنني من إسرائيل حيث إن ملامحي تظهر بوضوح أنني لست عربيًا، كان يستفسر البعض إذا كنت من سوريا أو من لبنان وكنت أرد بالنفي، ليس لدي شيء أخفيه أو أخاف منه.

ماذا عن مشاركتك بالثورة المصرية وصورك بميدان التحرير التي انتشرت عقب القبض عليك؟

آخر زيارة لي لمصر كانت قبل الثورة، ولم اشارك في الثورة، أو على الأقل في أول عدّة شهور، كنت وقت قيام الثورة في جامعتي بأتلانتا الولايات المتحدة الأمريكية، وقررت عدم زيارة مصر حتى استقرار الأوضاع، ثم عاودت الزيارة عقب التنحي بعدة شهور، وبدأت العمل مع إحدى جمعيات المجتمع المدني الخاصة باللاجئين الأفارقة فى مصر، فكما قلت سابقًا درست الحقوق، وأنا مهتم بالقضايا الإنسانية، مثل السلام وحقوق الإنسان وغيرها، لتكون أول زيارة لي بعد الثورة، وتم القبض عليّ خلال هذه الزيارة. التُقطت لي بعض الصور في ميدان التحرير خلال هذه الزيارة، حيث كانت هناك فعاليات ما في ميدان التحرير، وكنت أحمل لافتة تضامن مع الشعب المصري في ثورته مخاطبًا الرئيس الأمريكي باعتبارى مواطنًا أمريكيًا.

كنت سعيدًا بالجو الاحتفالي فى ميدان التحرير، وجلست على المقاهي المحيطة بميدان التحرير مع أصدقائي المصريين، وتعرفت في هذه المقاهي على العديد من الأصدقاء الجدد، المتدينين وغير المتدينين، كنت سعيدًا لتكوين علاقات جديدة وممارستي للغة العربية، التقيت أناسًا من الإخوان المسلمين ومن السلفيين وغيرهم، بعضهم عاملني باحترام وبوّد، وبعضهم قام بسبّي ولعنّي بمجرد معرفته أننى يهودي، لكن لم تحدث لي أيّة مشاكل كبيرة، وكنت أعامل الجميع بوّد واحترام.

ولماذا ذهبت إلى ميدان التحرير؟

عندما تقوم بزيارة نيويورك عليك أن تقوم بزيارة تمثال الحرية، إنه الشيء الذي ستفعله، وعندما تزور مصر عقب الثورة عليك التوجه لميدان التحرير الشهير، وأخذ بعض الصور هناك.

ما طبيعة عملك مع منظمات المجتمع المدني؟

كنت أساعد فى إجراء المقابلات مع اللاجئين الذين لجأوا إلى مصر من الدول الإفريقية المختلفة وتقييم حالتهم تمهيدًا لإعادة توطينهم فى دول أوربا وأمريكا.

تحققنا من صحة اسم الجمعية التي ذكر إيلان أنه كان يعمل معها، وأنها جمعية أجنبية تعمل في مصر كمنظمة مجتمع مدني، ولكن لم نتلق أي ردود على اتصالاتنا معهم.

احكِ لي عن تفاصيل القبض عليك

كان بعد وصولي بأسبوعين إلى مصر هذه المرة، وكنت أستيقظ كل يوم في السابعة صباحًا أتوجه لعملي في وسط القاهرة، وفي يوم ١٢ يونيو (حزيران)، حوالي الساعة السادسة صباحًا سمعت أصوات الناس يحاولون دخول الغرفة، وكنت مندهشًا حيث إن الفندق الذي أقيم فيه هو فندق جيد، وبعد محاولات دخلوا إلى غرفتي في ملابس مدنية وكان عددهم كبيرًا، حوالى عشرة أشخاص، وكنت قلقًا من كونهم لصوصًا أو شيئًا من هذا القبيل، وبدأوا فورًا في طرح الأسئلة بغضب: «اسمك ايه؟ وجنسيتك إيه؟».

عرفت وقتها أنهم من الشرطة، ولكننى لم أكن متأكدًا، وبدأت بالإجابة على كل أسئلتهم؛ فليس لدي ما أخفيه، وأقيم فى مصر بشكل قانوني، ولم أرتكب أية جرائم، وقاموا بتفتيش الغرفة، وأخذوا جواز سفري، وبدأوا يتحدثون بلطف أكثر عندما وجدوني متعاونًا جدًا، وأجيب عن كل أسئلتهم، فأخبروني أنهم يريدون سؤالي عن بعض الأشياء، وأن عليّ أن أذهب معهم، سألتهم هل أنا متهم بشيء، فأجابوا بالنفي، وقالوا إن الأمر يتعلق ببعض الأسئلة الروتينية، وسمّحوا لي بتغيير ملابسي للذهاب معهم، ثم وضعوا الأصفاد على يدي، وأغمضوا عيني بعصابة للرأس، فسألتهم: لماذا كل هذه الإجراءات، فأخبرونى أن هذه الإجراءات متبعة مع الجميع وألا أقلق، ثم اصطحبوني في سيارة مدنية عادية بدون لوحات أرقام، وشعرت بالقلق؛ لأن حتى هذه اللحظة لا أعلم من هم أولئك الأشخاص، وإذا كانوا فعلًا تابعين للحكومة المصرية أم لا، وبدأت بطرح الأسئلة، وكان رد الضباط المصاحبين لي في غاية السوء، فكلما سألت سؤالًا؛ كانوا يردون «اخرس يا ابن…»، وشتمونى كثيرًا بالألفاظ النابية، وكان هذا يزيد شعوري بالتوتر، وبأنني مختطف؛ لأنه في الولايات المتحدة بمجرد القبض عليك يتم إخبارك أنه تم القبض عليك؛ لأنك متهم بكذا وكذا، ولكن ما حدث أنهم رفضوا إخباري بأي شيء.

بعد ساعة وعندما وصلنا نزعوا عنّى الغمامة، وكنت أستطيع النظر، وأدخلوني إلى مبنى مكتوب عليه (نيابة أمن الدولة العليا) وأخيرًا فهمت أين أنا، وتأكدت أن هؤلاء الناس يعملون لدى الحكومة.

ودخلت إلى غرفة المحقق (يقصد وكيل النيابة)، الذى بدأ التحقيق معي، وتعامل معى باحترام، لكنني كنت أحس أنني في غرفة من الثمانينات، حيث كان هناك شخص يكتب كل ما أقوله على الأوراق العادية، وليس على الكمبيوتر، أو حتى الآلة الكاتبة.

هل أرسلت إليك السفارة محاميًا أثناء هذا التحقيق؟

لا لم أستطع التواصل مع سفارتي، سواء الأمريكية أو الإسرائيلية، فبعد القبض علي مباشرة تم اقتيادي إلى المبنى الذي كتب عليه نيابة أمن الدولة العليا، ولكن بعد هذا تم التواصل معى من قبل محامي السفارة الأمريكية في مصر، وتم التحقيق معي يومها لمدة ثماني ساعات، وتم سؤالي عن كل شيء، وأجبت بصراحة ووضوح عن كل الأسئلة.

ما هي نوع الأسئلة التي كانت توجهها النيابة إليك؟

نفس الأسئلة التي توجهها لي الآن، لماذا أنت في مصر؟ وما علاقتك بالثورة؟ وكل هذه الأسئلة، وفي النهاية بعد ثماني ساعات من التحقيق، سألني هل تعرف لماذا أنت هنا؟ أجبته بالنفي، فقال لى «عشان انت متهم بالتخابر مع دولة أجنبية، وهي إسرائيل، بقصد الإضرار بالوطن»، وسألني: هل أنت موافق على هذا الاتهام؟ فقلت لا، وبعدها سألته متى سأستطيع الذهاب للمنزل حيث إنني تغيبت بالفعل عن عملي اليوم، وقتها بدأ بالشرح لي، وأخبرني أنني في مشكلة كبيرة، وأن الاتهامات الموجهة إلي عقوبتها قد تصل إلى الإعدام، وأنني في أفضل الأحوال سيتم الحكم علي بالحبس المؤبد. وقتها شعرت بالخوف، وأنهى وكيل النيابة تحقيقه، وتم اقتيادي إلى مكان لا أعرفه، أعتقد أنه كان معسكرًا؛ لأنني كنت أسمع أصوات أعيرة نارية طوال الوقت، وكنت أخاف منها.

هل كانت ظروف احتجازك جديدة؟

أجل كنت فى غرفة لطيفة، بها سرير وأثاث، ونافذة تطل على سطح إحدى البنايات التي لا أعرف أين هي، ولكن مشكلتي أنني كنت وحيدًا تمامًا، حتى كل الحراس كانوا خائفين للغاية من تبادل الحديث معي، حتى عندما كنت أوجه سؤالًا لأحد الحراس؛ كان يركض من الغرفة بدون الرد علي، وبعد عدّة أيام على هذا النحو طلبت من النيابة وضعي في سجن طرة مع مبارك وجمال وعلاء؛ لأننى كنت قد سئمت من الوحدة، وأريد الحديث مع أي شخص، فرد وكيل النيابة «أنت مجنون! دول يقتلوك لو رحت طرة»، فطلبت منهم نقلي لسجن النساء، ولكن وكيل النيابة لم يرد على طلبي.

هل واجهتك النيابة بأية أدلة تثبت تورطك فى القضية؟

لا على الإطلاق، وكيل النيابة كان يجهل أبسط الحقائق حول دولة إسرائيل والعلاقات المصرية الإسرائيلية وغيرها من الأمور، لكنهم وفرّوا لي مترجمة من العبرية إلى العربية والعكس، وكانت هذه المترجمة تعرف الوضع داخل إسرائيل بشكل أفضل، وشرحت لها أنني من دعاة السلام مع العرب، وكانت تفهم جيدًا كل هذه الأشياء، وأتمنى أن أراها مرة أخرى لأشكرها على الترجمة المهنيّة التي قدمتها، وكذلك على تطوعها بشرح بعض الحقائق حول إسرائيل لوكيل النيابة.

متى تم أول تواصل بينك وبين السفارة الاسرائيلية؟

لم أقم بالتواصل مع السفارة الاسرائيلية في البداية، بل السفارة الأمريكية؛ لأنني دخلت مصر بجوازي الأمريكي، وليس الإسرائيلي، في اليوم التالي من حبسي، وعندما تم اقتيادي مرة أخرى للنيابة، وجدت «واحد خواجة» أمريكي أبيض، ولا يتحدث العربية، فقلت لنفسي لقد تم إنقاذي أخيرًا، وهذا الخواجة سيأخذنى للمطار، وأعود إلي بيتي، واعتقدت أن الأمر انتهى، ولكنه بدلًا من ذلك بدأ بتوجيه بعض الأسئلة لي، فقلت له: لماذا تسألني؟ خذنى إلى بلدي، أريد ان أرجع إلى أمريكا، فأخبرني أنني في قضية كبرى، وأن كل الرأي العام يتحدث عني، وعلمت بعد خروجى أن الأمريكيين والمصريين كانوا يقولون نفس الكلام: «احنا متأكدين إن المحكمة المصرية تقدر تحكم بالعدل».

وبعدها بدأت السفارة الإسرائيلية بالتدخل، حيث أرسلوا لي بعض المحامين، وكانت السفارة الإسرائيلية لا تعرف عني أي شيء، ولماذا أنا في مصر وغيرها من التفاصيل، ويوم الإفراج عني، أرسلت السفارة الإسرائيلية بعض الدبلوماسيين الذين يتحدثون العربية، وكانوا يمزحون مع وكيل النيابة، وأشاد وكيل النيابة بشجاعتهم وحفاظهم على مواطنيهم. وبعد الإفراج عني تقابلت مع محامي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وعضو الكنيسيت الإسرائيلي يسرائيل حسون.

تم استبدال بك مواطنين مصريين مسجونين في إسرائيل.. هل تعرف أيّة تفاصيل عن ذلك؟

لا، لم أعرف أيّة تفاصيل عن الصفقة، ولكنني عرفت من الصحافة فيما بعد أن أغلبهم كانوا تجار مخدرات تم القبض عليهم أثناء محاولة تهريبهم لمخدرات على الحدود المصرية الإسرائيلية.

ماذا تعرف عن تفاصيل صفقة الإفراج عنك؟

كنت أظن أن الإفراج عنّى سيكون بصفقة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومصر، ولكن الحكومة المصرية فضلّت أن تتفاوض مع إسرائيل، وليس مع الولايات المتحدة؛ فالعلاقات التي تجمع المجلس العسكري الحاكم وقتها بإسرائيل كانت أفضل من العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الامريكية، فالتنسيق الأمني بين الجيش المصرى والجيش الإسرائيلي في سيناء على سبيل المثال يجعل العلاقات بين الدبلوماسيين المصريين والإسرائيليين قائمة بشكل يومى.

وأعتقد أن القيادات الأمنية فى مصر تجمعهم علاقات صداقة بالقيادات الأمنية عندنا فى إسرائيل، كما أن الرئيس حسني مبارك كانت تجمعه علاقات صداقة حميمة بأعضاء في الكنيسيت الإسرائيلي، ولذلك كان أسهل على الحكومة المصرية التحدث مع إسرائيل.

ربنا يؤكد هذا الكلام تصريحات وزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا آنذاك في ندوته مع الصحافيين المصريين بأنه لا يوجد تفاوض بين الحكومة المصرية والأمريكية بخصوص إيلان.

ماذا عن خدمتك بجيش الدفاع الاسرائيلي؟

مثل أي مواطن اسرائيلي آخر خدمت لمدة عامين بالجيش الإسرائيلي، وبعدها انتهت علاقتى بالجيش، وتم نقلى إلى قوة الاحتياط، أنا إسرائيلي مؤمن بدولة إسرائيل ووجودها، وهذا أمر لا أنكره، وعلى تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يمكنك أن تلاحظ أن إسرائيل كان لديها بعد نظر دائمًا في الأمور، فعلى سبيل المثال طالبت سوريا بإعادة أرض الجولان لها مئات المرات، لكن إذا كانت إسرائيل أرجعت الأرض للنظام السوري لكان الآن تحت سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية» والإرهابيين؛ مما يعنى تهديد أمن إسرائيل والمنطقة بأكملها.

كيف أثرت عليك تجربة الحبس والشهرة التي اكتسبتها؟

تغيرت خططي فى الحياة بعد الحبس، فبعدما كنت أريد أن أصبح مستشرقًا وباحثًا في الشؤون السياسية العربية، أصبحت ممنوعًا من دخول أيّة دولة عربية، وتتحدث عني الصحافة المصرية باعتبارى الجاسوس، وأعتقد أن نصف الشعب المصرى يراني مدانًا، بالرغم من أنه لا توجد أية دلائل ضدي، وعدّت للحياة في الولايات المتحدة الأمريكية. أتمنى الآن أن أصبح يومًا ما مثل المتحدث باسم جيش الدفاع الاسرائيلي أفيخاي أدرعى وأن أعمل على توصيل صوت الشعب الإسرائيلي إلى العرب.

ما رأيك في السيسي؟

أنا متفائل بوجوده وبخطط السلام التي يقترحها، فلا أعتقد أن العلاقات المصرية الإسرائيلية كانت جيدة مثل الآن من قبل، أتمنى أن ينفتح الشعب المصرى على الشعب الإسرائيلي، وأن يكون التطبيع بين الشعبين المصرى والإسرائيلى أعمق، وليس على مستوى الحكومات فقط.

اقرأ أيضًا: كيف تعمل إسرائيل على منع سقوط نظام السيسي؟

ما رأيك في التحسن الواضح في العلاقات بين حكومتيّ مصر وإسرائيل الذي بدأ منذ وصول السيسي للحكم؟

أسبح حمدًا على تحسن العلاقات بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية. «أتمنى أيضًا أن الشعب المصري في الشوارع والمقاهي يتعلموا يصادقوا الإسرائيليين، بدلًا عن أن يبذلوا جهودهم بشتم أفيخاي أدرعي». شحصيًا تعرفت على كثير من المصريين الذين يريدون أن يتحدثوا ويصادقوا الإسرائيليين، ولكنهم، إمّا خائفون من الاتهامات بالتطبيع، أو التخوين، أنا أحب التطبيع، وأرى أن المستقبل الوحيد للسلام في المنطقة يشمل تطبيعًا كاملًا بين العرب وإسرائيل.

ما رأيك في وصول دونالد ترامب للسلطة؟

دونالد ترامب كارثة على المجتمع الأمريكي، فى الاقتصاد وغيرها من الأمور، ولكن بالنسبة للشرق الأوسط، لا أعتقد أنه يمثل تهديدًا؛ فلن يكون أكثر سوءًا ممن سبقوه بأية حال.

عرض التعليقات
تحميل المزيد