وصفها داعموها بأنها «نجم الروك التقدمي»، لكن أوصافًا أخرى غير إيجابية كانت تأتي من الجبهة المضادة لعضو الكونغرس الأمريكي إلهان عمر التي تخوض الآن معركة حامية لمجرد انتقادها النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأمريكية.

ووصل الأمر لحد مطالبة مؤيدي إسرائيل بعزلها من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، وطرحوا مشروع قرار ينطوي بشكل غير مباشر على توبيخ النائبة ومعاقبتها، فيما تواصل الآن إلهان معركتها الحامية مع لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية المعروفة بإيباك، و التي تستطيع خلال 24 ساعة الحصول على 70 توقيعًا من أعضاء مجلس الشيوخ على ورقة محارم كما قال أحدهم.

من مقديشو إلى مينيسوتا

ولدت في العاصمة الصومالية مقديشو يوم الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1981، وهي السابعة في ترتيب أبناء موجه التربية والتعليم الصومالي نور عمر محمد، لكن هذا الرجل الذي فرح بقدوم ابنته تزايد خوفه على أسرته، بعد وفاة زوجته بعامين من ولادة إلهان، وهي الوفاة التي تزامنت مع تفاقم الصراعات السياسية القبلية في بلاده.

Embed from Getty Images

إلهان عمر

وحين اندلعت الحرب الأهلية الصومالية عام 1991 عجز عن مقاومة قرار الهجرة، لتهاجر الفتاة الصغيرة إلهان ذات الابتسامة البشوشة والجمال الهادئ مع أسرتها  إلى كينيا، وهناك قضت أربع سنوات من عمرها في مخيم للاجئين، دون أن تغادر الحرب الأهلية في الصومال مخيلتها كطفلة.

لكن العام 1995 كان مفصليًا في حياتها، حيث قرر والدها وجدها الهجرة إلى ما هو أبعد من البلاد الأفريقية، إلى الولايات المتحدة، وهناك أبت إلهان أن تكون هناك مجرد مهاجرة عربية عادية، وبدأت تحقق طموحاتها حين نشطت في الحركة الطلابية في جامعة مينيسوتا منذُ عام 2006، حتى إذا ما حل العام 2012 كانت تلك الفتاة تستحق بجدارة أن تشغل منصب مديرة حملة كاري دزايدزيك لإعادة انتخاب ممثل عن ولاية مينيسوتا في مجلس الشيوخ، وفي العام 2013 عملت إلهان لصالح حملة أندرو جونسون في مجلس المدينة، ثم كمساعدة لجونسون عام 2013 إلى 2015.

ولأن طموحها كان يتجاوز أن تبقى «خلف الكواليس» في المعترك السياسي، انتُخبت إلهان في عام 2016 من قِبل الحزب الديموقراطي للمشاركة في انتخابات مجلس نواب مينيسوتا، وأصبحت أول مشرعة صومالية-أمريكيّة في الولايات المتحدة.

بيد أن العام 2018 شهد حصد إلهان ثمرة هامة من طموحها، ففيه أصبحت أول مواطنة أمريكية من أصل أفريقي – وواحدة من أول أمريكيتين مسلمتين – على عضوية الكونجرس الأمريكي، لتمثل جيلًا جديدًا من السياسيين الشباب الساخطين من الوضع الراهن في واشنطن، منضمة إلى لجنتي الشئون الخارجية والتعليم والعمل في مجلس النواب.

لم تخف إلهان ألبتة هدفها، فقد صدح صوتها منذ البداية بمحاربة العنصرية والإسلاموفوبيا، فقالت : «لن نكون صامتين، لن نكون متواطئين وصامتين أمام العنصرية، والتخويف من الإسلام في أمريكا، ولن نتجاهل قرونًا من العنف ضد المجتمعات السوداء في بلادنا»، مشددة بالتزامن مع ذلك على موقفها المنتقد لإسرائيل ودعمها لحركة المقاطعة، وذلك دون أن تترك هفوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفلت دون رد منها، كأن توجه توبيخًا قويًا لموقفه العنصري من المهاجرين، فتقول: «هنا في مينيسوتا، نحن لا نرحب بالمهاجرين فقط، بل نرسلهم إلى واشنطن».

ولذلك جذبت جملة التصريحات والأهداف المزعجة لليهود الأمريكيين الأنظار لإلهان، فشنت بشكل ممنهج حملة للنيل من إلهان، لتكون الخطوة الأولى فيها هي التنقيب عن تغريدة قديمة لها نشرت في العام 2012، قالت فيها إلهان: «لقد قامت إسرائيل بتنويم العالم، لعل الله يوقظ الناس ويساعدهم في رؤية أفعال إسرائيل الشريرة»، وقد اضطرت تحت وطأة الضغط إلى الاعتذار في يناير (كانون الثاني) 2019 عن هذه التغريدة.

كيف تدير إسرائيل «حربًا» ضد النشطاء العرب في أمريكا؟

الأمريكيون وسياسة «الكيل بمكيالين»

بلغت ذروة القوة في مواقف إلهان عمر يوم 10 فبراير (شباط) 2019، فحين أرادت الرد على جمهوري انتقدها على «تويتر» كتبت: «الأمر كله يتعلق بالدولارات»، وهي الجملة التي اعتبرت تلميحًا ينقد «لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)»، مجموعة الضغط المخصصة للدفاع عن مصالح إسرائيل في الولايات المتحدة، لتواجه حينها إلهان بسيل من التغريدات، والمقالات، والتحليلات، والإدانات التي لم تهدأ حتى بعد  اعتذار إلهان عن طريقة نقدها في التغريدة.

هوجمت إلهان إذًا لأنها لمست الخيط الطويل القبيح لدور الأموال اليهودية التي تغذي الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة، وبسبب مواقف إلهان صادق مجلس النواب الأمريكي في الثامن من مارس (آذار) 2019 بالأغلبية على قرار يدين معاداة «السامية والتعصب والإسلاموفوبيا والكراهية بكل أشكالها»، فيما قام ترامب في نفس اليوم برشق خصومه في الحزب الديموقراطي منددًا بعدم اتخاذهم موقفًا أكثر حزمًا ضدّ «معاداة السامية»، ومضيفًا: «الديموقراطيون تحوّلوا إلى حزب معاد لإسرائيل وحزب معاد لليهود».

لكن عضو الحزب الديموقراطي لم تتراجع ألبتة عن انتقاداتها لدور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وأًصرت على نقد السياسات العنصرية والشخصيات التي ارتكبت جرائم في تاريخ الولايات المتحدة، فقامت في 13 من فبراير (شباط) 2019  باستجواب شديد للمبعوث الأمريكي الخاص إلى فنزويلا إليوت أبرامز، بسبب تورطه في قضية «إيران كونترا»، الصفقة التي باعت فيها إدارة الرئيس الراحل رونالد ريغان أسلحة لإيران بوساطة إسرائيلية، ومضت تمثل مواقف الديموقراطيين الذين سئموا الوضع الراهن، كقضية الإنفاق العسكري المتضخم والأزمات البيئية.

بيد أن حالة «نفاق» كبيرة أظهرها الموقف السياسي للعديد من المسئولين الأمريكيين تجاه إلهان، فالسيدة التي استهدفت بشكل مجحف، وتم النيل منها كونها  مسلمة سوداء، فقد صمت هؤلاء غربية ملصقًا معاديًا للإسلام يربط بين إلهان عمر وبين منفذي هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

نظرة إلهان عمر المعادية لإسرائيل، لم تجلبها من الحزب الديمقراطي، إن لم يكن كذلك، فمن أين تلك النظرة المعادية؟ هل يدلل التزامها بالحجاب، على التزامها بالشريعة الإسلامية؟ هذا بحد ذاته مناقض للدستور الأمريكي * المذيعة الأمريكية في قناة فوكس نيوز، جانين بيرو

نفوذ اللوبي الإسرائيلي في انحسار

يصر مهاجمو إلهان على أن يروا في حديثها عن تأثير اللوبي المؤيد لإسرائيل «معاديًا للسامية»، وذلك برغم أن نفوذ اللوبي لا يخفى على أحد، فهو منذ القدم يلعب دورًا كبيرًا في الولايات المتحدة، بهدف نزع القرارات التي تدعم إسرائيل من الداخل الأمريكي أو بالتصويت الأمريكي في المنظمات الدولية. ولذلك لا تُرى واشنطن إلا أقوى حليف لإسرائيل، تمول جيشها، وتخرج عن صف المجتمع الدولي بتأييد توسيع مستوطناتها في الضفة الغربية، وتنتقد «القوة الفلسطينية» تجاه الجنود الإسرائيليين الذي قتلوا المئات من  غير العزل الفلسطينيين.

Embed from Getty Images

إلهان عمر مع عضو الكونغرس من أصل فلسطيني رشيدة طليب

وتركز «أيباك» على احتضان الشخصيات الأمريكية في مرحلة ترشحها للمناصب المتعددة والأعضاء المتعاطفين مع الكونغرس، بدءً بإنفاق الأموال وليس انتهاء بإرسال مجموعات من أعضاء الكونغرس إلى إسرائيل للتعرف على العلاقة بين البلدين بمنظور «ايباك»، فقد أنفقت الجماعة في سفر هذه المجموعات ما يقرب من 16 مليون دولار منذ عام 2000، ووصل الأمر إلى حد أن رئيس «ايباك» آنذاك ديفد شتاينر تفاخر في تسجيل مسرب بأنه قد أبرم صفقة مع إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الأب لتقديم دعم لإسرائيل قدره 3 مليارات دولار.

وكان عضو الكونغرس إليوت إنغل، الذي اتهم عمر باستخدام «افتراءات حقيرة معادية للسامية» تلقّى وحده حوالى 1.07 مليون دولار على مدى مسيرته المهنية، بمعدل 107 ألف دولار لكل جولة انتخابات، وحسب صحفية «الجارديان» البريطانية فإن «من بين المرشحين الرئاسيين الذين حصلوا على مال أكثر من هؤلاء، من اللوبي المؤيد لإسرائيل، السيناتور غوري بوكر، الذي وصف تعليقات عمر بأنّها مزعجة، وبوكر حصل على 445 ألف دولار خلال حملته الانتخابية للترشح لمجلس الشيوخ فقط»، بيد أن ما ساعد «أيباك» على توظيف أخرين في الحملة ضد إلهان التي حطمت المحرمات، هو خوف السياسيين الأمريكيين من تعرضهم لضغوط مالية محتملة ضدهم من قبل المنظمة والأثرياء اليهود.

ويمكننا يمكنا إرجاع حدة الهجمة على إلهان إلى عدة أسباب تضاف إلى ما يسمى بحرمة المساس بنفوذ اللوبي الإسرائيلي، ومنها أن الأخير، ورغم أنه ما زال يحتفظ بقوته، إلا أن فقد جزءً من جاذبيته، كما يعتبر المراقبون أن خروج أصوات من الديمقراطيين تدافع عن إلهان ـ في الهجمة المثارة ضدها ـ علامات تدل على أن الخوف من اللوبي يتلاشى وينحسر، حيث إن قاعدة الحزب الديمقراطي تصبح أكثر دعمًا للحقوق الفلسطينية، وأن الإجماع بين الحزبين في دعم إسرائيل بدأ ينكسر بشكل خطير في السنوات الأخيرة.

«فورين بوليسي»: لماذا تشن السعودية حربًا ضد عضوتين مسلمتين بالكونجرس الأمريكي؟

 

المصادر

تحميل المزيد