بدا المشهد في أول الأمر عاديًا، مركب صيد راسية تحت أشعة الشمس المشرقة ومع هبوب رياح وارتفاع الأمواج اقتربت المركب أكثر من الشاطئ وهي تحمل خزانًا أزرق ضخمًا أثار شكوك العناصر البحرية التي اتجهت صوبها وما إن وطئت أقدامهم المركب وبدأوا التفتيش كشفوا عن مئات الجثث المتلاصقة المختنقة داخل الخزان كانوا يحملون آمالهم وأحلامهم نحو الدول الأوروبية هربًا من سوء أحوال بلادهم الفقيرة، في رحلة خطرة وقودها الأوهام.

الأمر ليس بقصة درامية بل هو واقع تكرر مئات المرات بصور مختلفة تنتهي دائمًا بجثث تطفو لم يسمح لها القدر بالوصول للشاطئ، لتغرق أو تختنق أو تطلق عليها قوات السواحل الرصاص فور وصولها الشاطئ خوفًا أن تهدد أمنها وهو الأمر الذي ازداد بزيادة أعداد المهاجرين غير الشرعيين بعد الثورات العربية، ليصل 70 ألفًا من المهاجرين لشواطئ إيطاليا في النصف الأول هذا العام، مع إقبال عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا على ركوب سفن الغرق وقوارب الموت بمساعدة بعض أعضاء مافيا تتاجر بهم مقابل آلاف يدفعها الفقراء.

أعداد المهاجرين غير الشرعيين بين غريق ومسجون

إيطاليا الباب المفتوح على مصراعيه أمام أسراب من المهاجرين غير الشرعيين من الدول العربية الفقيرة في القارتين الأفريقية والآسيوية باعتبار أن 80% من حدودها شواطئ مطلة على البحر المتوسط مع كل حدود جزيرتيها صقلية ولامبيوزا، وأيضًا لقربها وكونها الطريق إلى دول أوروبا المختلفة، وقد أشارت الإحصائيات الدولية إلى أن عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا عبر الشواطئ الإيطالية لعام 2013 قدر تقريبًا بنحو ألفي شخص كل شهر ممن استقلوا مراكب صغيرة قديمة أو سفنًا غير مطابقة للمواصفات ليتكدسوا على ظهرها بالمئات ما بين رجال ونساء وشباب وقصّر وأحيانا أمهات حوامل ربما حضرهن المخاض أو حتى وضعن أثناء مغامرة التضحية بالنفس من أجل مستقبل أفضل غير مضمون.

وأما في الشرق فإن تونس وليبيا تعدان أكبر منبعين لدفع جماعات المهاجرين غير الشرعيين من مختلف الدول العربية والأفريقية بل والآسيوية واللاتينية إلى أرض المجهول الأوروبي الذي ربما يغامر كل من هؤلاء المهاجرين ببيع أرضه أو التخلى عن أهله وولده ومسقط رأسه من أجل الوصول إليه.

وعلى الرغم من أن الإحصائيات الرسمية تشير إلى استقبال شواطئ لامبيدوزا وصقلية خلال الأشهر الأولى من عام 2011 لحوالي 50 ألف مهاجر تونسي غير شرعي معظمهم من الشباب في مقتبل العمر وبعضهم يكاد يكون جاهلًا بالقراءة، وعلى الرغم أيضًا من أن أعداد المهاجرين التونسيين خلال العامين الماضيين شهدت تراجعًا واضحًا، فإن تونس نفسها ما زالت تمثل نقطة عبور هامة للهجرة غير الشرعية من جنسيات إفريقية مختلفة اتخذتها طريقًا نحو القارة الأوروبية وذلك في ظل غياب الإحصائيات الرسمية سواء من الطرف التونسي أو من من الدول المستقبلة لعدد من هؤلاء المهاجرين والغرقى منهم، ممن لا يعرف عددهم الحقيقي سوى أسماك البحر المتوسط.

رحلة الموت عبر الشواطئ

ويتعرض المهاجرون غير الشرعيين للغرق خلال رحلاتهم المأساوية إلى القارة الأوروبية خاصة الشواطئ الإيطالية والإسبانية التي لا تفصل الأخيرة منهما عن شواطئ شمال أفريقيا سوى مسافة لا تزيد عن 24 كيلو مترًا وهو ما يتكرر دائما كما حدث مرتين متتاليتين خلال سبتمبر الماضي عندما غرق نحو 300 مهاجر غير شرعي قبالة سواحل لامبيدوزا وأعقب تلك الكارثة بأيام غرق العشرات في كارثة أخرى. كما أكدت الإحصاءات الرسمية الإيطالية أن سلطات خفر السواحل أنقذت 16 ألف مهاجرًا غير شرعي من الغرق خلال الأشهر الـ10 الأولى فقط من العام الماضي، كما شهد أكتوبر من العام الماضي تزايدًا ملحوظًا في محاولات الهجرة غير الشرعية لمواطنين عرب وأفارقة استهدفت في معظمها الوصول إلى أوروبا عبر المتوسط.

وبلغ عدد تلك المحاولات 7 محاولات على الأقل، أسفر 5 منها عن مصرع أكثر من 560 مهاجرًا، الأمر الذي مثل تزايدًا محلوظًا في عدد ضحايا تلك المحاولاتوالتي كان آخرها إحباط عملية هجرة غير شرعية عبر الحدود البحرية التونسية نحو الشواطئ الإيطالية في محافظة نابل. وفي حادث آخر في نفس الشهر، أعلنت السلطات في النيجر العثور على 87 جثة لمهاجرين غير شرعيين في صحراء البلاد، وذلك على بعد 10 كيلو مترات من الحدود الجزائرية، حيث كانوا يسعون للهجرة إلى القارة الأوروبية انطلاقًا من السواحل الجزائرية عبر البحر المتوسط.

وربما ينجو المهاجرون من الغرق ليواجههم أمن السواحل الإيطالية الذي يودعهم في مراكز احتجاز حتى معرفة هويتهم ولكنهم يتعرضون داخل هذه المراكز للإهانة، بل وأشارت تقارير إعلامية في يناير الماضي إلى قيام بعض عناصر الأمن في جزيرتي لامبيدوزا وصقلية باغتصاب الإناث والتحرش الجنسي بهن وهو ما آثار ضجة كبيرة في الأوساط الدولية  التي طالبت بفتح تحقيق فوري حول هذه الجرائم.

الشباب يدفع حياته في مخازن السفن ثمن فقر جنسيته

وينضم للتونسيين والليبيين والمغاربة في قوارب الموت جنسيات أخرى من الجزائر ومالطا واليونان ومصر وسوريا وأعداد كبيرة من المهاجرين الآسيويين وخصوصًا من بنجلاديشلتبحر من السواحل الليبية كل يوم عشرات الزوارق والقوارب التي تحمل مئات المهاجرين غير الشرعيين من فلسطينيين وصوماليين وسودانيين وإريتريين وجنسيات أفريقية مختلفة انضم لهم العراقيون ثم السوريون بأعداد كبيرة مؤخرًا بعد تزايد المعاناة من التردي الأمني في بلادهم وتحول أماكن الصراعات في المنطقة إلى أماكن طاردة للمواطنين، جعلهم يرضون بالمبيت لأيام في قاع السفينة لسوء حالتهم الاقتصادية يتحملون درجة الحرارة العالية ويستنشقون بخار المحركات ليسافر الأشخاص الذين يدفعون أموالًا أكثر للمهربين فوق ظهر السفينة في الهواء الطلق بحيث يكون وضعهم أكثر أمنًا إذا ما غرقت السفينة على نحو مفاجئ.

موقف الدول الأجنبية المتضررة

أبدت روما استياءً كبيرًا في مواجهاتها المستمرة ضد المهاجرين غير الشرعيين متكبدة 10 مليون يورو شهريًا وهو ما تتحمله أيضًا المؤسسات الإيطالية المتاحة لاستقبال المهاجرين المتدفقين وانتشال مئات الجثث كل يوم وعلى مدار الساعة لتطالب الأطراف المتضررة الاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدات تسهم في مواجهة تلك الأزمة الإنسانية المتصاعدة على حدود أوروبا ومراجعة قوانين الهجرة وتعزيز الدوريات البحرية في مسعى لتجنب المزيد من الخسائر في الأرواح.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد