«الحرقة» هي التسمية التي دأب الجزائريون على إطلاقها على عملية الهجرة غير الشرعية، التي تتمّ عادةً عبر البحر انطلاقًا من السواحل الجزائرية باتجاه الضفة الشمالية للبحر المتوسط. هذه الهجرة التي تحمل من المخاطرة والمغامرة بالنفس البشرية ما قد لا تحمله غيرها؛ عرفت بدايةً من شهر مارس (آذار) الماضي انحسارًا بالجزائر، وذلك بالموازاة مع اندلاع الحراك الشعبي ضد نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، إذ توقفت «الحرقة» نهائيًا من الإبحار في قوارب الموت نحو أوروبا، وتحوّل جلّ اهتمام الجزائريين إلى الحراك الشعبي وتحوّلت أحلامهم من الهجرة إلى العيش في جزائر جديدة. 

الجزائر الجديدة التي حلم بها شباب الحراك؛ سرعان ما بدأت معالم تحقيقها في الأفول بعد أن بدأ اليأس يدبّ في نفوسهم مرّة أخرى بصعوبة التغيير في ظلّ تمسك السلطة بخياراتها الرافضة للتغيير الذي يرجوه الحراك. لتخرج قوافل الهجرة غير الشرعية بالعشرات وترسم عودة الظاهرة التي كانت في أوجها قبل 22 فبراير (شباط) الماضي، إذ كان غرق قاربٍ يقلُّ أطفالًا ونساءً تتراوح أعمارهم ما بين سنتين إلى 20 سنة في سواحل مدينة وهران آخر فاجعة تصيب الجزائريين من ظاهرة «الحرقة» .

 في هذا التقرير نسلط الضوء على عودة ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى الجزائر  ونستقصي أسباب عودتها.

«يأكلني الحوت ولا يأكلني الدود».. الهجرة غير الشرعية تؤرق الجزائر

أكثر من 300 ألف حرّاق مجهول المصير في عهد بوتفليقة

على مدار العشرين سنة الأخيرة، ركب ما لا يقلّ عن 300 ألف جزائري البحر، للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا. الله وحده يعلم كم نجا من هؤلاء وحقق حلمه بالعيش في أوروبا؛ وكم من جثةٍ صارت غذاءً للأسماك ومفقودةً إلى الآن، وبالرغم من عدم توافر الإحصائيات الرسمية عن الظاهرة التي حاولت السلطات إخفاءها إلّا أنّ الوقفات والاحتجاجات التي دأبت عائلات ما يسمون عند الجزائريين بـ«الحراقة» على تنظيمها في كلّ مرّة في فترة حكم بوتفليقة، دفعنا إلى بداية تقريرنا هذا بتسليط الضوء على الظاهرة في فترة حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة. 

لا يختلف اثنان في الجزائر الآن؛ على أنّ آخر عهدتين من عهدات حكم بوتفليقة الأربعة، حملت في تفاصيلها كلّ ما من شأنه أن يدفع بالشباب الجزائري إلى الهجرة بأية طريقة، بدايةً بالأوضاع الاقتصادية الصعبة للغاية التي تخبطت بها البلاد في السنوات الأخيرة بسبب تداعيات تآكل احتياطي البلاد من العملة الصعبة، والذي تراجع من نحو 180 مليار دولار عام 2014 إلى أقل من 80 مليار دولار حاليًّا؛ إلى جانب انهيار قيمة العملة المحلية والتي وصلت إلى مستويات متدنية غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية، ما تسبب في ارتفاع معدل التضخم من 2.92% في عام 2014 إلى 3.7 % قبيل استقالة بوتفليقة.

أضف إلى ذلك التراجع الشديد للقوة الشرائية نتيجة لارتفاع الأسعار ناهيك عن ارتفاع نسبة البطالة التي تتجاوز 35% بين أوساط الشباب، الأمر الذي ساهم بشدّة في دفعهم للهجرة على نطاق واسع.

وأمام هذا الواقع، عرفت ظاهرة الهجرة غير الشرعية انتشارًا كبيرًا بين أوساط الشباب الجزائري، الأمر الذي دفع نظام بوتفليقة إلى سنّ قوانين لمواجهتها، ومن ذلك تجريم كل شخصٍ يحاول الهجرة عبر البحر بطريقةٍ غير شرعيةٍ بالسجن لفترة تزيد عن ستة أشهر، وتجريم عناصر شبكات الهجرة غير الشرعية بالسجن لمدة خمس سنوات، وصولًا إلى إصدار فتوى من خلال المجلس الإسلامي الأعلى التابع لرئاسة الجمهورية -أعلى سلطة إفتاء في الجزائر- بتحريم الهجرة غير الشرعية؛ بحجّة التأدية بالنفس إلى التهلكة. 

واعترافًا من نظام بوتفليقة بتفاقم الظاهرة؛ عقدت السلطة في يناير (كانون الثاني) الماضي لقاءً موسعًا لمعالجة أسباب تفشي الظاهرة، خلص إلى  اتهام ورصد 51 صفحة في مواقع التواصل الاجتماعي تشجع -بحسب السلطة- الشباب الجزائري على ركوب قوارب الموت باتجاه أوروبا، وهو اللقاء الذي اعترفت فيه الحكومة بمقتل أكثر 4 آلاف مهاجر جزائري في البحر.

وبالرغم من أن البحرية الجزائرية تفرض مراقبةً شديدة على طول السواحل الجزائرية الممتدة على مسافة 1000 كلم، إلّا أن كل الجهود فشلت في احتواء الظاهرة. فوفقًا للإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الجزائرية، فإن قوات حرس الشواطئ التابعة للقوات البحرية سجلت إحباط محاولات هجرة غير شرعية لـ3983 مهاجرًا غير شرعي فقط خلال عام 2018، من بينهم 287 امرأة و1126 قاصر.

لماذا توقفت الهجرة غير الشرعية بالجزائر أثناء الحراك الشعبي؟

شهدت بداية سنة 2019 موجةً كبيرةً غير مسبوقة من الهجرة غير الشرعية، فلم يمض يومٌ من شهر يناير الماضي دون أن تذيع وسائل الإعلام المحلي خبر إبحار أو اعتراض أو حتى غرق مركبٍ يقلّ مهاجرين جزائريين، هذه المظاهر اختفت فجأة مع بداية الحراك الشعبي في  22 فبراير الماضي، ليطرح السؤال عن إذا ما استطاع الحراك الشعبي أن يوقف ظاهرة «الحرقة» .

والأكيد أن الإجابة على هذا التساؤل تحتمل النفي والتأكيد، غير أنّ التقارير الإعلامية التي صدرت عن الظاهرة إبّان بداية الحراك الشعبي تحدثت عن تراجع نسبي للظاهرة، ويعود ذلك حسب الدكتور حنطابلي أستاذ علم الاجتماع في جامعة البليدة إلى الحالة النفسية التي رافقت الشباب الجزائري خلال بدايات الحراك الشعبي وحالة ترقبهم لما ستؤول إليه الأوضاع في البلاد خصوصًا أنّ بوادر التغيير كانت حاضرة والأمل منبعث لدى الغالبية بمستقبل مشرق، ما أدّى – ولو بصورة نسبية-، إلى تراجع الهجرة غير الشرعية.

وعن أسباب هذا التحول في تفكير الشباب الجزائري الراغب في الهجرة، يروي إسماعيل صادق أبريهمات (20 سنة) أحد الشباب الذين كانوا يستعدون للهجرة قبيل 22 فبراير حكايته مع الهجرة غير الشرعية لـ«ساسة بوست» بالقول: «لا يمكن مغادرتي بلادي على هذه الحالة، صحيح كنت على وشك الهجرة، بطريقة غير شرعية، مع ثلاثةٍ من أصدقائي بعد أن اتفقنا مع منظمٍ لهذه الرحلات، وأعطيته القسط الأول من مبلغ الرحلة، على أن ننطلق ليلًا من سواحل دلس»، ويضيف: «أذكر أنّ موعد رحلتنا التي حددها منظم الرحلات كان يوم 11 مارس أي بعد يومٍ من عدول بوتفليقة عن ترشحه لعهدة خامسة، لكن عندما رأيت ما يجري بالبلاد، وبعدما أن شاركت عدة أسابيع في الحراك الشعبي الجزائري، لم أستطع ترك البلاد، وألغيت الرحلة وأعيدت لنا المبالغ التي دفعناها».

ويختم إسماعيل حديثه بالقول إنّ «اليأس الذي دبّ في نفوسنا من حال البلاد خلال فترة حكم بوتفليقة تحول إلى أملٍ كبيرٍ في أسابيع قليلة بفضل الحراك الشعبي».

                                                        الحراك الشعبي أعاد الأمل للشباب الجزائري

لم يكن هذا هو تفكير إسماعيل وأصدقائه وحدهم، فقد عاشت الجزائر خلال الثلاثة أشهر التي أعقبت بداية الحراك اختفاءً شبه كلي لظاهرة «الحرقة»، كما حملت مسيرات الحراك الشعبي شعاراتٍ تشير إلى عزم الشباب الجزائري ترك «الحرقة» أو الهجرة غير الشرعية في سبيل النهوض بالبلاد. 

وكانت الأغاني السياسية التي تنتشر في الملاعب إحدى أهم الأدوات التي عبّر من خلالها الجزائريون عن رأيهم في  الأوضاع بالبلاد، وتعدّ أغنية «بابور اللوح» واحدة من أكثر الاغانية السياسية شهرةً وترديدًا بين شباب الحراك  وهي الأغنية التي يمكن القول بأنها باتت نشيدًا رسميًا للحراك الشعبي الجزائري. وتبدأ هذه الأغنية بالمقولة التالية «خليني نروح قلبي مجروح، خليني نروح في بابور اللوح» أي (دعني أهاجر، قلبي مجروح، دعني أذهب في سفينة من خشب).

الحراك يقلب الطاولة.. «الحرقة» تطال المسؤولين في الجزائر

يشاع من باب النكتة في الجزائر أنّ أوّل حرّاق -مهاجر غير شرعي- بالجزائر بعد الحراك الشعبي هو علي حداد رجل الأعمال البارز في نظام بوتفليقة وأحد القابعين حاليًا في السجن بتهم الفساد. وذلك بعد أن ألقي القبض عليه أواخر شهر مارس الماضي، وهو يستعد للهروب متخفيًا إلى تونس، بعد أن صدر في حقه قرار بالمنع من السفر. 

وتبقى الطريقة التي غادر بها النائب البرلماني بهاء الدين طليبة المتهم بقضايا فساد، تسيل الكثير من الحبر، بعد أن أشارت مصادر إعلامية إلى لجوء النائب للهجرة غير الشرعية الوصول إلى تونس قصد الهرب من الملاحقة الأمنية خصوصًا بعد صدور حكمٍ بإسقاط الحصانة البرلمانية. وإلى وقت إعداد هذا التقرير لا يزال المكان الذي يتواجد به طليبة مجهولًا في وقتٍ رجّحت مصادر مطلعة لـ«ساسة بوست» سفره إلى ألمانيا وطلبه اللجوء بها. 

وكانت مصالح الأمن المختصة،  تمكنت الأسبوع الماضي، من توقيف إطار سام بمصالح ولاية وهران، وهو يهمّ بركوب قارب للهجرة غير الشرعية، حيث كان يتجه نحو السواحل الإسبانية، بغية الهروب من الملاحقة القضائية، بعدما سحبت منه الجهات القضائية جواز سفره، وهو الأمر  الذي دفعه للحرقة، باعتبارها السبيل الوحيد للهروب من العدالة.

«الحرقة» تعود.. لماذا عادت الهجرة غير الشرعية بقوّة رغم الحراك؟

من تلمسان بأقصى غرب الجزائر إلى القالة في أقصى شرقها؛ تحوّلت السواحل الجزائرية منذ بداية الشهر الماضي إلى نقطة انطلاق لعشرات الرحلات غير الشرعية في إعلانٍ صريحٍ عن العودة القوية لظاهرة «الحرقة» من جديد، مستغلين الاعتدال الجوي الذي يشهده الحوض الأبيض المتوسط في الخريف. فلا يكاد يمر يوم من دون أن تنشر أخبار تشير إلى اعتراض زوارق بحرية محمّلة بالشباب الجزائري، بعضهم حققوا حلمهم في بلوغ الأراضي الأوروبية، والبعض الآخر صادفتهم رياح تجري بما لا تشتهيه أحلامهم.

عودة ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو الحرقة إلى الجزائر

                                                    عودة ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى الجزائر

أحلام ثلاثة عائلات مكونة من ثمانية أطفال وخمس نساءٍ وثماني شباب بالهجرة عبر البحر، تحولت إلى مأساةٍ، بعد أن انقلب القارب الذي يقلهم الأسبوع الماضي بسواحل كريشتل بولاية وهران، إذ تمّ إنقاذ 20 شخصًا منهم، فيما توفيّ طفلٌ لم يتعد 10 سنوات بعد  تعرضه لحروق في عرض البحر.

مأساةٌ أخرى عاشها في اليوم نفسه ستة شبابٍ جزائريين بعد تحطم مركبهم قبالة ساحل تنس بولاية الشلف؛ أنقذ خفر السواحل خمسة منهم، بينما انتشلت الشاب السادس جثة هامدة.

 وفي بيانٍ لها؛ أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إحباط خفر السواحل وجهاز الدرك الوطني، محاولات هجرة غير شرعية لـ116 شخصًا كانوا على متن قوارب تقليدية الصنع، بالشواطئ الغربية للبلاد. 

أمّا في السواحل الشرقية للجزائر فلم يكن الحال  أفضل، إذ أنقذت الشهر الماضي قوات البحرية 14 مهاجرًا غير شرعي من سواحل جيجل الشرقية، بعد أسبوع من ضياعهم في عرض البحر، حين أقلعوا من سواحل عنابة على متن قارب تقليدي الصنع، صوب جزيرة سردينيا الإيطالية. 

ويرى البعض أنّ سبب العودة القوية لظاهرة الهجرة غير الشرعية يعود إلى تقصير الأجهزة الأمنية التي باتت تهتمّ فقط بأمن البلاد وحمايته من خطر الاختراق. وفي هذا الصدد يشير الباحث فيصل تمار في حديثه عن هذه النقطة  لـ«ساسة بوست» إلى أنّ: «نقص التنسيق الاستخباراتي على مستوى بعض الأجهزة الأمنية في تتبع وملاحقة دورية لعصابات المتاجرة بالبشر وصناعة قوارب الموت هو أحد الأسباب المباشرة في عودة ظاهرة «الحرقة»». 

حراقة في إحدى السواحل الأوروبية

                                                               حراقة في إحدى السواحل الدول الأوروبية

غير أنّ أسبابًا أخرى سردها لنا عثمان أحد الشباب العازمين على الهجرة غير الشرعية، بالقول « أنا أحد الشباب الذي تأثرت بالحراك الشعبي، كنت أخرج كلّ جمعة وثلاثاء، واستبشرت خيرًا من التغيير الذي بدأ في الأيام الأولى للحراك، إلّا أن الوضع الحالي والانقسام الذي عاشه الحراك وبداية عودة الأسماء القديمة التي كرهناها وطالبناها بالرحيل دفعتني إلى العودة إلى النقطة الأولى التي سبقت الحراك وهي الهجرة». 

وأثناء إعداد هذا التقرير، بلغ «ساسة بوست» أنّ الشاب عثمان و11 شخصًا آخرين على متن قارب من قوارب الحرقة في رحلةٍ إلى السواحل الإسبانية دون أي تفاصيل أخرى. 

«تجارة بأرواح المقهورين».. كواليس «مافيا التهريب» على الحدود السورية التركية

المصادر

تحميل المزيد