“أنا آسف يا أمي لأن الحرب حلّت، وكان لا بد لي أن أسافر كغيري من البشر، مع العلم أن أحلامي لم تكن كبيرة كالآخرين، كما تعلمين كل أحلامي كانت بحجم علبة دواء للقولون لك، وثمن تصليح أسنانك، بالمناسبة لون أسناني الآن أخضر بسبب الطحالب العالقة فيه، ومع ذلك هي أجمل من أسنان الديكتاتور (بشار الأسد).. شكرا لك أيها البحر الذي استقبلتنا دون فيزا ولا جواز سفر، شكرا للأسماك التي ستتقاسم لحمي ولن تسألني عن ديني ولا انتمائي السياسي، أنا آسف لأني غرقت…”.



هكذا نقلت وكالة “الأناضول” رسالة منسوبة لأحد اللاجئين السوريين الذين انتشلت جثثهم بعد غرق مركبهم الذي كان يحوي المئات من المهاجرين “غير الشرعيين” في البحر الأبيض المتوسط خلال رحلتهم للوصول إلى الشواطئ الأوروبية مطلع الأسبوع الماضي.
الرسالة وما تحمله من عبارات “مؤلمة” تعكس حال آلاف الشباب الذين يعيشون في دول عربية وأفريقية، حيث المعاناة من الاضطرابات أو قمع السلطات أو الفقر، فتضيق أرض الأوطان بما ترحب، فيحاولون الهجرة بطريقة “غير شرعية” لبلاد أوروبا، باحثين عن حياة أفضل، ولكن أحيانا يتسبب “الإهمال الأوروبي” في أن يفقدوا حياتهم أصلا، ليغرقوا وسط البحر المتوسط ويصلوا إلى أوروبا جثثا، لتقع بداية الأسبوع الجاري “أسوأ كارثة غرق في تاريخ البحر الأبيض المتوسط” بحسب مفوض الأمم المتحدة لشئون اللاجئين أنطونيو غوتيريس.

 

1- بداية ما الذي حدث؟

 “في الثامنة صباحًا، السبت 18 أبريل”

كان ما يزيد عن 800 مهاجر – بينهم أطفال يتراوح أعمارهم من 10:12 سنة – من دول أفريقية وعربية على متن مركب طوله 20 مترا، اتجه من سواحل ليبيا قاصدا مرفأ كاتانيا بصقلية في إيطاليا. وبحسب شهادات الناجين ففي فجر الأحد – 19 أبريل – كان عدد من المهاجرين محتجزين في الطبقة المتوسطة من المركب، قبل أن ينقلب عند اصطدامه بسفينة برتغالية، مما أدى لغرق مئات المهاجرين.

وتمكنت القوات البحرية الإيطالية من إنقاذ 27 مهاجرًا وإيصالهم إلى مرفأ كاتانيا، وقالت المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في إيطاليا كارلوتا سامي، الثلاثاء 21 أبريل، “بإمكاننا أن نقول إن 800 شخص قضوا” في الحادث، في حصيلة سرعان ما أكدها المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة فلافيو دي جاكومو.
وقالت سامي “أجرينا مقارنات بين إفادات (الناجين)، كان هناك أكثر بقليل من 800 شخص على متن السفينة، بينهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عامًا، كان هناك سوريون، وحوالي 150 أريتريا، وصوماليون”. من جهته قال دي جاكومو إن “الناجين هم من مالي وغامبيا والسنغال والصومال وأريتريا وبنغلادش”، مشيرا إلى أن بين هؤلاء 4 قاصرين.

يمثل القبطان التونسي الجنسية محمد علي مالك (27 عامًا) أمام قاض يوم الجمعة 24 أبريل، مع أحد أفراد المركب من أصل سوري ويدعى محمود بخيت (25 عامًا) أوقف أيضًا بعد الكارثة.


وتتضمن لائحة الاتهامات إلى القبطان، بحسب النيابة، الغرق غير المتعمد والقتل المتعدد غير المتعمد وتشجيع الهجرة غير الشرعية، فيما يواجه بخيت اتهامات بتشجيع الهجرة غير الشرعية. وأوضح المحققون أن المهاجرين دفعوا مبالغ تتراوح بين 500 وألف دينار ليبي  (أي بين 330 و600 يورو) ثمناً لتهريبهم، وقد بقي بعضهم محتجزًا لمدة شهر في مصنع مهجور قرب العاصمة الليبية طرابلس قبل نقلهم عبر مجموعات صغيرة إلى المركب.

2- هل كانت الكارثة هي الأولى هذا العام؟

بالطبع تلك الحادثة لم تكن الأولى هذا العام ولا حتى هذا الشهر، فقبل تلك الحادثة بأسبوع، ابتلع البحر المتوسط “330 مهاجرًا”- بحسب المتحدث باسم منظمة الهجرة الدولية فلافيو دي جياكومو – كانوا مهاجرين على زورقين مطاطين من ليبيا إلى أوروبا.

“المنظمة الدولية للهجرة قدرت حصيلة قتلى عام 2015 حتى الآن بأنها أكثر بـ30 مرة مما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الفائت… آنذاك قتل 56 شخصًا فحسب في المتوسط”.

هكذا صرح المتحدث باسم منظمة الهجرة جويل ميلمان لصحافيين في جنيف، كما أعلنت المنظمة الدولية للهجرة الثلاثاء -21 أبريل – أن أكثر من 1750 مهاجرًا قتلوا في البحر المتوسط منذ مطلع عام 2015. وهو ما يعني أن هناك 15مهاجرا – في المتوسط – يغرقون يوميا في البحرالأبيض المتوسط منذ بداية العام الحالي إلى الآن.

 

3- لماذا تزايد عدد “الضحايا” في 2015 إلى هذا الحد؟

من المؤكد أن الاضطرابات والصراعات وتردي الأحوال الاقتصادية في الدول العربية والأفريقية لعبت دورا هاما في زيادة الإقبال على اللجوء إلى أوروبا حتى لو كان بطريقة غير شرعية”، ولكن كيف تعاملت أوروبا مع تزايد أعداد المهاجرين؟


الإجابة على هذا السؤال ترجع إلى ما حدث بنهاية عام 2014، إذ انتهجت أوروبا سياسة جديدة – “دعهم يغرقوا” كما وصفها محللون – تجاه المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة والعرب.


ففي نهاية العام الماضي طالبت إيطاليا حلفاءها الأوروبيين أن يساعدوها في عمليات “البحث والإنقاذ” المعروفة باسم “ماري نورستورم” التي تكلف الحكومة الإيطالية 10 مليون دولار شهريا، ولكن عددًا من الدول الأوروبية – على رأسها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا – رفضت طلبات الحكومة الإيطالية، تحت حجة أن العمليات الإيطالية
“تشجع” المهربين على إرسال المهاجرين لأنهم يعلمون أن “هناك من سينقذهم”.


وهو ما أدى إلى تعطيل عمليات «البحث والإنقاذ» الإيطالية “ماري نورستورم” ديسمبر الماضي، واستبدلها بعمليات أوروبية لمراقبة الحدود “ترايتون”، على أنها ستردع المهربين وستبعد المهاجرين عن ركوب قوارب الموت، وهو ما لم يحدث إذ تزايدت أعداد المهاجرين، وتضاعفت الخسائر البشرية.

 

4- كيف استقبل العالم “كارثة” صقلية الأخيرة؟

تعتبر “الحادثة” الأخيرة هي القشة التي قصمت ظهر البعير في السياسة الأوروبية لمراقبة الحدود”ترايتون”، إذ أثار الحادث الأخير ردود أفعال دولية وعالمية غاضبة، تنتقد السياسة الأوروبية الجديدة، وتدعو إلى تدعيم عمليات البحث والإنقاذ “ماري نورستورم”.

” كارثة تسبب فيها الإنسان ولم تكن مفاجأة”

هكذا وصفت منظمة العفو الدولية الحادثة الأخيرة، داعية إلى “استئناف عمليات البحث والإنقاذ (ماري نورستورم)” في الوقت الذي ذهب فيه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ أعرب عن صدمته وحزنه الشديد على غرق السفينة، مطالبا الحكومات: “ليس فقط تدعيم عمليات الإنقاذ في البحار، بل ضمان حق اللجوء لعدد متزايد من الناس في جميع أنحاء العالم الذين يهربون من الحروب ويطلبون ملاذا آمنا”.


ودعا مفوض الأمم المتحدة لشئون اللاجئين أنطونيو غوتيريس إلى ضرورة دراسة أوروبا الأسباب التي تدفع المهاجرين إلى نهاية غرق مأساوية، ودعا من جنيف إلى “التحرك العاجل” لبحث الأمر. 


وبخصوص أعداد الضحايا الذين لقوا حتفهم في الحادث،علق المفوض الأممي “لو صحّ العدد المذكور عن ضحايا الحادث (800 قتيل) فإنه سيكون أسوأ كارثة غرق في تاريخ البحر الأبيض المتوسط”.


وقال المفوض الأعلى لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة زيد رعد الحسين إن الحادث نتيجة “غياب هائل في التعاطف” من قبل الحكومات الأوروبية.

 

5- مستقبل الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.. إلى أين؟

Hundreds of migrants arrived in Palermo, Italy, aboard a

“نصف مليون مهاجر قد يحاولون في العام الحالي عبور المتوسط، ما يهدد بمقتل الآلاف إن لم يتم التحرك لوقف منظمي هذا النوع من الاتجار بالبشر”.


هكذا أعلنت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة الخميس 23 أبريل، 
وقال مدير المنظمة كوجي سيكيميزو خلال مؤتمر حول البحار في سنغافورة  إنه “حان وقت التفكير حقًا بطريقة وقف هذا التهريب الخطير لمهاجرين على زوارق صغيرة “تنطلق من أفريقيا باتجاه السواحل الأوروبية على المتوسط، موضحًا أنه “إذا لم نتحرك فأعتقد أننا سنشهد هذا العام نصف مليون لاجئ يعبرون المتوسط، وفي هذه الحالة قد يسقط ما يصل إلى 10 آلاف قتيل”.


تأتي تلك التصريحات تزامنا مع قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة التي جاءت على خلفية الأحداث الأخيرة، واتجهت للامتثال للمطالب الدولية الداعية لدعم عمليات “البحث والإنقاذ”، وقررت مضاعفة ميزانية إنقاذ المهاجرين بثلاث مرات، لتصل تكلفة عمليات الإنقاذ إلى 9 مليون يورو في الشهر.
وحول دوافع الشباب للهجرة فقد أجرت لجنة الدراسات الميدانية لساسة بوست دراسة عن الشباب المصري من هنا.

 

المصادر

تحميل المزيد