تحتاج اللوحة الفنيّة إلى معرفة القصّة التي تحكيها؛ حتى يستطيع المتلقّي إعطاءها قيمتها، واهتمامها الذي تستحقّه، كما يحتاج غير المتابع لكرة القدم مثلًا من يخبره بخلفيّة عن المباراة التي يشاهدها، وإلاّ فإنه لن يفرّق بين مباراة وديّة لناديين من الهواة، ومباراة نهائيّة في بطولة كأس العالم.

«إيليا ريبين» (Ilya Repin) كان من بين الفنّانين التشكيليّين الأكثر اهتمامًا وإحساسًا بأحوال الفقراء والمعدمين، بالرغم من خلفيته الميسورة، وقد عاش شبابه في وقتٍ حاسم من تاريخ روسيا الثائرة على القيصريّة، والتي ستنتصر ثورتها البلشفيّة بعد سنواتٍ معدودة. في خضمّ كل هذا الحراك الثوري والثقافيّ، أبدع إيليا لوحاتٍ من أروع اللوحات الفنيّة التي مازالت قيمتها الفنيّة والفلسفيّة حاضرة ومقدّرة إلى الآن. في هذا التقرير، نأخذك في رحلة بين أعمال هذا العبقريّ الروسيّ، وكيف حكت فرشاته وألوانه عن التاريخ والكوميديا والثورة.

«إيفان الرهيب» يقتل ابنه

كان «إيفان الرهيب» أحد أكبر قياصرة الرّوس وأكثرهم شراسة ودمويّة، ويُقال إنه فقأ أعين المهندسين الذين صمّموا التحفة الفنيّة المتمثّلة في كاتيدرائيّة باسيل في موسكو حتى لا يكرّرون صنع مثل هذا المبنى في أي مكان في العالم، وقد خاض عدّة حروب، وتوسّعت في عهده الإمبراطورية لتضمّ أقاليم كثيرة أخرى. وبالرغم من أن كتب التاريخ تذكر له إنجازات حضاريّة مهمّة خدم بها أمّته، إلاّ أنها أيضًا تذكر عيبه الذي أفنى كلّ ما عمل من أجله طوال حياته: فقد كان سريع الغضب، لا يتحكّم في أعصابه.

 

إيليا ريبين

لوحة إيفان يقتل ابنه – مصدر الصورة: wikiart

في أحد الأيّام التي لن ينساها «إيفان» ولا ابنه، بدأ جدال بينهما حول زوجة الابن التي ضربها القيصر بسبب لباسها غير المحتشم، فثارت ثائرة الابن الذي احتجّ عند والده على هذا التصرّف، فقد أبعد القيصر من قبل زوجتين لابنه، وها هي الثالثة تُسقط حملها بسبب ضرب القيصر «إيفان» لها، هذا الحمل منتظر منذ وقت طويل، ليتولّى العرش بعد جدّه «إيفان الرهيب» وأبيه. وبسبب الجدال السّاخن وفورة الغضب التي لحقت به فأعمت بصيرته، أمسك إيفان الرهيب أداة قريبة من يده، وضرب بها رأسه ابنه؛ ليخرّ صريعًا، ويصبح جثّة هامدة بعد لحظات. هذا الابن كان هو الوريث الوحيد القادر على الحفاظ على مُلك والده، فالابن الثاني كان ضعيف الشخصيّة، أو مريضًا، وبالتّالي فإن «إيفان» دمّر مُلكه في لحظة غضب دون أن يشعر.

إيليا ريبين

وتصوّر اللّوحة – بعبقريّة – الرّعب يمتلك «إيفان الرّهيب»، الذي لطالما أثار هو نفسه الهلع في نفوس أتباعه وأعدائه، ملامح أب قتل ابنه، وملامح مَلِك أضاع مُلكه، وهدم كلّ ما بناه بعد سنين طويلة بيديْه في لحظة غضب. وتختلف تفسيرات النّاس عن يد الابن، هل تُمسك الأب، وتحتضنه لآخر مرّة؟ أم هي تدفعه بعيدًا بعد الجُرم الفظيع الذي ارتكبه؟ البعض ذهب حتى إلى القول إن وجه الابن مستلهم من صورة المسيح في الديانة المسيحيّة. هذه اللّوحة هي أشهر لوحات الفنّان الروسي ريبين، ولها جمهور يسافر إلى روسيا كل سنة خصّيصا حتى يراها.

الثورة بالفرشاة والألوان

يدخل قسّيس إلى زنزانة مظلمة كئيبة، بها من الرطوبة والقذارة الشيء الكثير، حاملًا صليبًا وكتابًا مقدّسًا، يتوسّط الزنزانة معتقل سياسيّ، لعلّ أكبر جرائمه هو الحلم بغدٍ أفضل لبني قومه. القسّيس يقف أمام المعتقل الذي سينفّذ حكم الإعدام في حقّه فجر الليلة التّالية، فيعرض عليه الاعتراف بذنوبه كاملة، لعلّ رحمة وغفران السماء تحلّ عليه في الحياة الأخرى. ينظر السجين إلى القسّيس نظرة ملؤها التحدّي والصّفاء والصّدق، فهو رجل ميّت بالفعل، ولا حاجة للمراوغة أو المداهنة، ولا وقت لها أصلًا؛ لأن لحظات حياته باتت معدودة.

تريدني أن أعترف يا أبتاه؟ تريدني أن أعترف بذنوبي وخطاياي قبل إعدامي، إذًا ها أنا ذا أعترف، وليسمع العالم أجمع:

سامحني يا رباه، لأنني أحببت
الفقير والجائع، كإخوتي

سامحني يا مولاي
لأنني لم أعتبر الصفاء الأبدي

خرافة أسطوريّة مستحيلة الحدوث

سامحني يا ربّاه، لأنّني خدمت الخير

ليس فقط بكلماتي المُطربة

لكن بكلّ ذاتي، بعقلي، بروحي وبيداي

سامحني لأنّني خلطت بين وليمة المُنافقين الجشعة

وبين بكاء الانتقام المسعور

سامحني لأنّني أعدمتُ القتلة، عقابًا على قتلهم

 

هذه الأبيات الشعريّة للكاتب الرّوسي نيكولاي مينسكي، وقد استلهمها من رواية «الإخوة كارامازوف» للروائي الكبير دوستويفسكي.

 

إيليا ريبين

لوحة «رفض الاعتراف» – مصدر الصورة: artautority.net

رسم ريبين هذه اللّوحة سنة 1885 مستلهمًا إياها من أبيات نيكولاي مينسكي، في الوقت الذي كانت الحركات الثورية الروسيّة تملأ الساحة ضدّ حكم القياصرة الجبّارين، إذ إنّ كلَّ من يُشتبه في انتمائه إلى مثل هذه الحركات؛ يُسجن، ويُحكم عليه بالإعدام. أبرز هذه الحركات الثوريّة، والّتي كان صاحب الأبيات الشعريّة عضوًا فيها، وكاتبًا في صحيفتها، هي حركة «نرودنايا فوليا»، التي كانت مسؤولة عن اغتيال القيصر الروسيّ أليكساندر الثاني.

الفنّان الرّوسي كان داعمًا للثورة ضد ظُلم نظام القياصرة، مُنحازًا للفقراء والجوعى الفلاّحين، وقد حارب استبداد القياصرة وطغيانهم بفرشاته ولوحاته، وخلّد هذا النضال الإنسانيّ التاريخيّ المتجاوز للزمان والمكان بأعمال فنيّة ضد الظلم والاستبداد، فإن تأمّلت وجه الشخص المعتقل في اللّوحة بدقّة: من الممكن أن ترى وجوه المعتقلين في بلدان العالم العربي، وتحسّ بمعاناتهم والقهر الذي يعيشونه، كما يبدو في ملامح السجين في الصورة. ثمّ لدينا رجل الدّين الذي يفتي حسب أهواء السّلطة، وكيف يردّ عليه الثائر بكلّ شجاعة وجسارة، بأن ليس لديه أي شيء يعترف به، وأنّه لن يعتذر على انحيازه للجائع والفقير والمظلوم، وهو ردّ ملحميّ جرى اقتباسه في الكثير من الأعمال الفنيّة والتلفزيونية.

وإلى جانب لوحة «رفض الاعتراف» في نفس السياق، رسم «ريبين» لوحة أخرى لا تقلّ ثوريّة أو بهاءً ولا قوة ورمزيًّة عنها، وهي لوحة «القبض على أحد المحرّضين»، حيث تصوّر اللّوحة لحظة اقتحام أفراد من الشرطة لمنزل أحد نشطاء الثورة. واستخدم اللّون الأحمر في ملابسه كرمز للتحرّر والثورة، ونرى كيف يقلّب أفراد الأمن في دفاتره وأوراقه؛ لعلّهم يجدون ما يشير إلى تحريضه ضد الحكومة أو حيازته لكتابات تنتقد القيصر، بينما يقف الثائر شامخًا رافعًا رأسه، متوسّطًا اللّوحة دون أي خجل من الطريق الذي اختار خوضه.

 

إيليا ريبين

لوحة «القبض على أحد المحرّضين» – مصدر الصّورة: wikimedia

 

الكوميديا من خلال لوحة فنيّة

ريبين كان يقدّر الكوميديا أيضًا، وقد خلّد إحدى لطائف التاريخ في لوحة فنيّة قد تكون أشهر أعماله إلى جانب لوحة «إيفان الرهيب». قصّة اللّوحة تعود إلى سنة 1676؛ إذ هزمت مجموعة عسكريّة من قبائل القوزاق في نواحي أوكرانيا جيش الدولة العثمانيّة التي كانت من أكبر الامبراطوريّات في ذلك العصر، فأرسل إليهم السلطان العثمانيّ محمّد الرابع يأمرهم بالاستسلام والخضوع لسلطانه، وقد أكثر في رسالته من الثناء على نفسه، ووصفها بشتى الألقاب كما كان يفعل السلاطين العثمانيّون آنذاك، ونرى مثالًا لهذا الإطناب في المديح والتقديم الذي عُرفت به رسائل السلاطين العثمانيّين في رسالة سليمان القانونيّ إلى أحد ملوك فرنسا، حيث يقول: «أنا سلطان السلاطين، وبرهان الخواقين، متوج الملوك، ظل الله في الأرضين، سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر والأناضول والروملي، وقرمان الروم، وولاية ذي القدرية، وديار بكر وكردستان وأذربيجان ودمشق وحلب ومصر ومكة والمدينة والقدس وجميع ديار العرب واليمن، وإن هذه الأراضي الشاسعة قد فتحها آبائي الكرام، وأجدادي العظام بقوتهم القاهرة رحمهم الله، وكم من البلاد افتتحتها بسيفي الظافر المنصور»!

 

إيليا ريبين

لوحة Reply of the Zaporozhian Cossacks – مصدر الصورة: wikimedia

لكن المقاتلين القوزاق ذوي البأس الشديد الذين أقست الحرب قلوبهم، والمنتشين بانتصارهم على أعظم الإمبراطوريات في وقتها، وبدون أي اعتبار للأعراف الدبلوماسيّة والتقاليد التي ينبغي احترامها عند مراسلة الملوك والسلاطين، كتبوا رسالة مهينة ملأوها بالشتائم البذيئة والتشبيهات القذرة والسخرية من السلطان العثمانيّ ومن أوصافه الفخمة التي وصف بها نفسه، واعتبروا هذه الأوصاف كلها تكبّرًا وعجرفة، فشتموه هو وأهله، ووصفوه بأبشع الأوصاف في رسالة تحدٍّ لسلطانه، غير آبهين لأية نتائج مترتّبة عن هذه الرسالة.

تخيّل الفنان ريبين ملامح وضحكات القوزاق وقائدهم، بينما يؤلّفون النكات على السلطان العثمانيّ، وهو يُملي على كاتبه كلمات هذه الرسالة الساخرة البذيئة، في مشهد كوميديّ تاريخيّ ينقلنا إلى تلك الحقبة بشكل بديع. ويوجد نصّ مزعوم للرسالة التي أرسلها القوزاق إلى السلطان العثمانيّ، ولكن لم يتمّ التأكّد منه فعليًّا، يمكن الاطّلاع عليه من هنا، كما أنّ أحد الأفلام استلهم من هذه اللّوحة الفنيّة لقطات مشابهة.

 

الشهيد الحيّ

كما رأينا في لوحات «إيفان الرهيب» ورسالة القوزاق إلى السلطان العثمانيّ ولوحة «رفض الاعتراف»، فإن الفنّان «إيليا ريبين» مولع برسم الوجوه وتفاصيلها، والتعبيرات التي قد تحملها ملامح الإنسان دون أن ينبس ببنت شفة. وفي هذه اللّوحة العبقريّة يتجسّد إبداع الرسّام مرّة أخرى، إنّه يصوّر لنا رجلًا ميّتًا قبل دفنه.

إيليا ريبين

بورتريه «ريبين» للكاتب «سفيلدوف غارشين» – مصدر الصورة: metmuseum.org
صورة ريبين.

في هذا البورتريه الذي رسمه «ريبين» لصديقه المقرّب، والكاتب «سيفولود غارشين»، الذي يعاني من اكتئاب عميق بسبب انتحار أفراد من أسرته، نرى عينيه المثقلتين بالهمّ والحزن تخبر بأنّ أيّامه صارت معدودة في هذه الدّنيا. وتمامًا كما صوّره «ريبين»، كميّت يمشي بين الناس؛ فإنّ صديقه «غارشين» انتحر بعد رسم هذا البورتريه بأربع سنوات فقط، وتحقّقت نبوءة اللوحة الفنيّة، وبقيت خالدة في تاريخ الفنّ ككثير من أعمال «ريبين».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد