يكتسب الطفل فى مرحلة الطفولة المبكرة الفترة من ثلاث إلى خمس سنوات مشاعر الحب والقبول والغضب والرفض والامتنان من بيئته الأولى؛ الأسرة. فيتعلم أنه عندما يتصرف وفقًا لنظام معين فإنه سيلقى قبولًا ودعمًا من قبل والديه، وعندما يخطئ أو يسيء التصرف فإنه قد يتلقى بعض مشاعر الغضب والاستياء.

تشكل هذه العملية دائرة الحب المشروط في ذهن طفلك، فيبدأ بالتصرف وفقًا لها مع الوقت دون وعي. فيكبر الطفل وهو يمارس موافقة مشروطة على نفسه حتى مع غياب الدور الذي يمارسه الآباء  من نقد أو رقابة على سلوك الطفل، وهذا ما يجعله يخترع «الآباء المتخيلون».

لماذا ينتقد الآباء أبناءهم؟

عادة ما تسعى توجيهات ونصائح الآباء لأبنائهم إلى خلق سلوكيات جيدة أو ترك السلوكيات غير المقبولة؛ حتى يستطيع أن يكتسب الطفل قواعد وأساسيات الحياة الاجتماعية وآليات التعامل مع المحيطين به، تكمن المشكلة في الطريقة التي يستخدمها الآباء لانتقاد سلوكيات أطفالهم المختلفة، كمقارنتهم بأطفال آخرين، أو وضعهم في دوائر من الندم وجلد الذات.

Embed from Getty Images

وهذا ما يحدث لطفلك عندما تنتقده لذاته

– الآباء المتخيلون

عندما ينتقد الآباء أطفالهم، فإن الأطفال يتلقون رسالة مشوشة حول ذواتهم، خاصة وأن الطريقة التي يستخدمها معظم الآباء للاعتراض على سلوك معين تركز على انتقاد الطفل نفسه وليس «سلوكه الخاطئ»، فيشعر الطفل بالرفض وعدم القبول.

مع الوقت يخلق الطفل في عقله نموذجًا يحاكي الآباء، يدفعه هذا النموذج إلى التصرف بشكل معين لتلقي القبول والاستحسان من المحيطين به يعرف باسم «الآباء المتخيلون».

مع التقدم في عملية نمو وتطور الطفل يصبح هذا النموذج جزءًا من لاوعي الطفل، ويتحكم في عملية تكوين مشاعره المختلفة وتوجيه اختياراته حتى يلاقى القبول والحب من الآخرين.

Embed from Getty Images

– سيطرة وتحكم vs ضبط الذات 

يعتقد البعض خطأً أن خلق رقابة داخلية بداخل عقل الطفل هو أحد أنواع ضبط الذات؛ إلا أن هذا النوع من التحكم الداخلي يؤثر في قدرة الطفل على اختيار أفعاله وممارسة سلوكياته بشكل حر وواعٍ. كذلك يحرم الطفل فرصة التعلم من التجربة والخطأ، ويجعله يتصرف على مدار سنوات نموه وتطوره وفقًا لمفهوم «الرقابة» فيجعله يستبدل بسلطته الداخلية سلطة الآخرين، ويتصرف وفقًا لآراء المحيطين به.

هكذا تصبح أبًا مسيئًا دون أن تشعر

يأتي الأطفال إلى هذا العالم عُزل دون أي وسائل دفاعية تحميهم وتساعدهم على التكيف مع البيئات المحيطة بهم. يعتمدون اعتمادًا كاملًا على آبائهم في الحصول على الدعم والقبول والحب، فكل ما يقوله الآباء، مسلمات تُحفر في عقول أبنائهم وقلوبهم، وتشكل وعيهم عن ذواتهم من مرحلة  الطفولة إلى مرحلة  البلوغ.

من أكثر الأمور الشائكة في العملية التربوية أنك لا ترى أثر كلماتك أو ردود أفعالك في طفلك بشكل مباشر، فكلماتك التي تستغرق ثواني معدودة تظل عالقة في ذهن طفلك إلى الأبد، وتتحكم في شكل سلوكياته على المدى البعيد.

هذا ما أوضحته دراسة صادرة عن جامعة بينجهامتون في ولاية نيويورك الأمريكية، وأن انتقاد الآباء للأطفال يؤثر في كيفية استجابة أدمغة الأطفال لردود الفعل العاطفية المختلفة التي يتلقونها من المحيطين بهم على المدى البعيد.

فعندما يُكثر الأهل من انتقاد أبنائهم يتجاهل الطفل التواصل المباشر معهم، ويتجنب النظر إلى تعبيرات وجوههم، ردَّ فعل تلقائيًّا لتجنب المشاعر السلبية التي تؤثر في شعوره بقبول ذاته وتقديرها.

Embed from Getty Images

وعندما يتعرض الطفل إلى النقد المستمر من قبل الآباء يتطور الأمر في عقله ويتوقع النقد، ليس فقط من الآباء ولكن من الآخرين أيضًا، ويبدأ في تجاهل أي تعبيرات سلبية أو إيجابية صادرة من المحيطين به تعقيبًا على سلوكياته.

تؤثر تلك الطريقة في مهارات الطفل الاجتماعية وتفقده قدرته على بناء علاقات اجتماعية سوية ومتزنة مع الآخرين، كما أنها تؤثر في سلامته النفسية وتجعله أكثر عرضة للقلق والاكتئاب.

لكن.. كيف نتصرف عندما يخطئ أبناؤنا؟

الآباء هم المرايا التي يرى فيها الأطفال أنفسهم والقاعدة التي ينطلقون منها لفهم العالم من حولهم، وهم خط الدفاع الأول عن أبنائهم، لذلك إليك بعض النصائح التي تساعدك على دعم طفلك بشكل إيجابي دون أن تُسيء له.

1. أسكت صوت القلق في عقل طفلك

من الضروري أن يتعلم الطفل مفهوم الرقابة الداخلية التي تساعده على تقييم السلوك الذي يصدر عنه وليس تقييم ذاته، فيكون لديه القدرة على الاعتراف بخطئه دون الشعور بالخجل والخزي، أسكت صوت الآباء المتخيلين في عقل طفلك، وساعده على أن يتحدث إلى نفسه بطريقة إيجابية، علمه احترام القيم واحترام ذاته معًا.

2. أخبره بخطئه.. لا تلمه

يتصرف الأطفال بشكل فطري وتلقائي، فعندما يسيء الطفل التصرف قد لا يدرك أنه أخطأ فهو بحاجة إلى من يخبره بأن هذا السلوك غير مناسب أو غير مقبول بشكل مباشر، ثم يرشده إلى السلوك المقبول، إلقاء اللوم على الطفل وانتقاده على سلوك لا يعرفه، يجعله يتشكك في جميع سلوكياته ولا يعدل منها شيئًا، ويعلق في دائرة من لوم الذات والسلوكيات الخاطئة.

3. تعامل مع الخطأ على أنه حدث عارض

تعامل مع السلوك الخطأ على أنه حدث عارض وسينتهي، حتى مع تكرار الطفل للسلوك نفسه عدة مرات، حاول أن تساعد الطفل للتغلب عليه بوضع إستراتيجيات ترشده إلى تبني سلوكيات جيدة في المواقف المشابهه حتى في غياب نصائحك، عندها سيركز الطفل على معالجة سلوكه الخاطئ وليس ردود أفعال الآخرين وتعليقاتهم عليه.

Embed from Getty Images

صورة لطفل يشعر بالندم

4. ركز على نقاط القوة لا نقاط الضعف

الأسرة هي البيئة الآمنة الأولى التي يتلقى الطفل من خلالها الرسائل التي تساعده في تكوين تصوراته عن نفسه وعن الآخرين، فعندما تركز على عيوب طفلك وتنتقده فإنك تقدم له صورة مشوهة عن ذاته، فيتعامل الطفل مع العالم الخارجى بقلق وتوتر.

يختلف الأمر تمامًا عندما تركز على إمكانيات طفلك بدلًا من عيوبه؛ فيشعر الطفل بالأهمية ويقدر ويحترم ذاته، ولا يخجل من سلوكه الخطأ.

5. احترس: النقد يدفعه للكذب

يتخيل الآباء أنهم عندما ينتقدون أبناءهم فإنهم يعدلون سلوكياتهم، لكن إذا كان النقد أداة فعالة في تعديل سلوك الطفل الخاطئ، فلماذا يستمر الأطفال في تكرار الأخطاء؟

في الحقيقة إن النقد قد يؤدي إلى تعديل السلوك بشكل مؤقت ولحظي، غير أنه على المدى الطويل يؤدي إلى الكذب وتجنب الطفل لمواجهة الأهل. أخبر طفلك أنه أخطأ بطريقة تساعده على تعلم السلوك الجيد وتعزز الثقة بينكما.

تربية

منذ 4 شهور
«أبي الذي أكره».. كيف تتخلص من إساءات الطفولة ولا تعيدها مع أبنائك؟

6. وأخيرًا كن قدوة جيدة

عادة ما يحاكي الأطفال الصغار سلوكيات آبائهم، فهم يراقبون كل تصرفاتك وأفعالك ويرددون كلماتك. لذلك إذا أردت أن يتوقف طفلك عن سلوك معين؛ راجع سلوكياتك أولًا، وتوقف عن أي سلوكيات غير مقبولة.

أخيرًا ادعم طفلك، سواء أحسن التصرف أم لا. مرر له مشاعر الحب والتشجيع، ساعده على التغلب على عثراته بالحب غير المشروط.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد