«هل للمساجد علاقة بموجة العنف الديني التي تضرب أوروبا مؤخرًا؟» أثير التساؤل أول مرة بعد أحداث شارلي إيبدو في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، لكنه لم يحظ بتغطية إعلامية واسعة، إلا بعد هجمات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام، حينها خرج وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازنوف، مصرحًا أمام قصر الإليزيه، بأن هناك «إجراءات صارمة لترحيل كل خطيب يحض على الكراهية».

مذاك الحين، توجهت كاميرات الإعلام الغربي إلى تلك الفئة التي تتمتع بسلطة دينية واجتماعية داخل الجماعات المسلمة في أوروبا. إنهم الأئمة الذين تقع تحت أيديهم إحدى أكبر المؤسسات تأثيرًا في المجتمعات الإسلامية الممثلة في المساجد.

من هنا انتبهت السلطات الأوروبية إلى دور شخصية الإمام، وتأثيرها على الجالية الإسلامية، وما يعني ذلك من مراقبة خطباء المساجد وتقنينهم وتكوينهم بما يتناسب وثقافتها باعتبارهم مواطنين يتبعون لها، بدل تركهم تحت وصاية دول أجنبية أخرى كما كان الحال سابقًا.

فرنسا تواجه الخطباء المحرضين بالطرد

لم يكن من المستغرب أن تخصص الصحيفة الفرنسية المرموقة في الأوساط الأكاديمية، «لوموند ديبلوماتيك»، في عددها لأبريل (نيسان) المنصرم، ملفًا كاملًا بعنوان «الأئمة في فرنسا.. بعيدًا عن الكليشيهات»، تناولت فيه شخصية الإمام بالدراسة والسبر.

تقول الصحيفة في تحقيقها الميداني، إن خطباء المساجد في فرنسا «ليسوا صورة واحدة كما يشاع، بل تختلف معارفهم الدينية، وتكويناتهم واتجاهاتهم، وينحدرون من أصول وأوساط اجتماعية مختلفة»، لافتةً إلى أن 55% على الأقل من أئمة مساجد فرنسا، البالغ عددهم 2200، هم مُتطوعون في الأصل، وبينهم عُمّال وصغار تجار، لم يسبق لهم أن تلقوا تكوينًا دينيًا.

خلص التحقيق إلى أن الأئمة الذين يوصفون بـ«التطرف»، هم عادة بعض أولئك الذين يتولون مساجد خارج إطار الدولة، كتلك المتواجدة بضواحي المدن، كما أنهم ضئيلو الثقافة الدينية، ويجهلون قوانين البلد بشكل كبير.

 

إثر تبعات هجمات باريس، توجه الرأي العام الفرنسي، مجتمعًا ودولة، نحو تحميل قسم من أئمة المساجد المسؤولية في نشر خطاب «يحض على الكراهية»، انعكس هذا الشعور الفرنسي الجمعي بسرعة في شكل إجراءات صارمة، تمثلت في ترحيل عشرة أئمة خلال العام الماضي فقط، بسبب «نشرهم خطاب الكراهية»، بحسب وزارة الداخلية الفرنسية.

بالموازاة مع ذلك، اتجهت سلطات الإليزيه إلى تأسيس معاهد فرنسية لتخريج أئمة ذوي تكوين ينسجم مع الجمهورية، ويحترم القيم العلمانية، إضافة إلى توقيع وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف، اتفاقية مع كل من المغرب والجزائر لتخريج أئمة مساجد ذوي خطاب ديني معتدل.

أئمة في بريطانيا

لا يختلف الوضع كثيرًا في بريطانيا عنه في فرنسا، فالأولى التي تعد معقلًا للجماعات الإسلامية بمختلف أطيافها، حيث لا تبدو العلاقة جيدة بين الدولة وأئمة المساجد، بالنظر إلى تصريحات المسؤولين في لندن.

وكان رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، قد بعث، بعد هجمات باريس، برسالة موحدة لأئمة مساجد بريطانيا، قائلًا فيها: «علينا أن نظهر لشبابنا الذين يمكن أن يُستهدَفوا، أن المتطرفين لا يملكون شيئًا ليقدموه لهم، عليكم أن تظهروا لهم أن هؤلاء الرجال الذين يكنون الكراهية، لا مكان لهم في مساجدكم أو أي مكان عبادة». قوبلت رسالته حينها بانتقادات من قبل الجمعيات الإسلامية هناك، ليرد كاميرون مدافعًا عن رسالته: «إن أي شخص يقرأ الرسالة، ويجد فيها مشكلة يعاني هو نفسه في رأيي من مشكلة حقيقية».

ولطالما حذرت الحكومة البريطانية بعض الأئمة من تحويل منازلهم ومراكز إسلامية إلى فضاء لبث أفكار جهادية، ولا تخفي مراقبة الاستخبارات البريطانية للأئمة المتشددين.

وما أثار النقاش مؤخرًا في بريطانيا، ارتباطًا بموضوع الأئمة، هو ما كشف عنه تحقيق استقصائي لجريدة الديلي ميل البريطانية، في أبريل (نيسان) المنصرم، عن قيام أئمة بنشر ما أسمته «خطاب الكراهية» داخل السجون، من خلال أسطوانات وكتيبات، بعدما عينتهم السلطات البريطانية لتأطير السجناء المسلمين.

 

في نفس السياق، ترجع بعض الدراسات المسحية نزوعَ بعض الأئمة في بريطانيا نحو ما أسمته «التطرف»، إلى «نقص معارفهم الدينية، وافتقارهم إلى اللغة الإنجليزية، ما يعيق تواصلهم واندماجهم بشكل أفضل في المجتمع البريطاني»، بينما تحمل دراسات أخرى المسؤولية لبعض دول الخليج العربي، التي تسيطر على تكوين عددٍ ليس بالقليل من أئمة بريطانيا.

من جانبهم قام أئمة مساجد بريطانيا بحملة ضد «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، كخطوة استباقية، لرد أي اتهام بشأن نزوعهم نحو الخطاب الجهادي، كما نظموا رحلةً إلى العراق تستهدف التعرف أكثر على ممارسات التنظيم.

ويبدو أن المسؤولين البريطانيين مهتمون بالتجربة المغربية في مجال تكوين الأئمة، إذ صرح ديفيد كاميرون، في رد على أحد النواب بالبرلمان البريطاني، بأن بلاده تتجه إلى الاستفادة من تكوين الأئمة في المغرب كما فعلت فرنسا.

ألمانيا تشتكي السعودية

أيوب (27 عامًا)، شاب ألماني من أصول تونسية، قاتل مع «تنظيم الدولة» في 2014، وعندما عاد اعتقلته السلطات الألمانية. صرح خلال محاكمته للمدعي العام، وهو يصف دور إمام المسجد في تجنيده لصالح التنظيم: «يتمتع الإمام بشخصية كاريزمية، كفيل بأن يمنحه القدرة على اجتذاب الشباب والتأثير بهم للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية».

أثار تصريح الشاب جدلًا داخل الأوساط الإعلامية الألمانية، إذ يتهم الرأي العام الألماني أئمة المساجد بتشجيع شباب الجالية المسلمة على الالتحاق ببؤر الصراع في العراق و سوريا.

بدورها، تلجأ السلطات الألمانية إلى العين الأمنية، ضمانًا لعدم انفلات خطاب أئمة المساجد نحو الكراهية، علاوة على عقد ألمانيا شراكة مع تركيا لتزويدها بالأئمة لتأطير الجالية الإسلامية لديها. كما أعلن المغرب نهاية الشهر الماضي، انطلاق برنامج لتكوين الأئمة في فرانكفورت باللغة الألمانية.

لكن ما يثير قلق المسؤولين الألمان، هو تلقي بعض المساجد التي يسيطر عليها أصوليون، التمويل من دول خليجية بعينها. وقد سبق أن صرح سيجمار جابرييل، نائب المستشارة الألمانية، قائلًا إن «المساجد الوهابية في جميع أنحاء العالم ممولة من السعودية»، مضيفًا: «علينا أن نوضح للسعوديين أن زمن غض الطرف قد ولى».

وبينما يرى الخبير البريطاني في «مكافحة الإرهاب» ستيفن جريجوري، أن بعض المساجد في أوروبا عمومًا «يقودها أئمة متطرفون يقومون بغسل أدمغة بعض رواد هذه المساجد بالأفكار المتطرفة»، يعتقد آخرون أن أئمة المساجد بشكل عام، يحتلون الصفوف الأمامية في مكافحة التطرف داخل البلدان الأوروبية، وأن معظم الجهاديين يتخرجون في السجون والمواقع الإلكترونية وليس المسجد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد