1,478

«أيام الصراع على الديمقراطية بين عبد الناصر وسلاح الفرسان، كنت بأجر ناس ينزلوا الشوارع في مظاهرات علشان يقولوا تسقط الديمقراطية وتسقط الحرية، وتسقط الحقوق والحريات».. «طب ده أحيانًا كنا بنقعد في المخابرات نكتب منشورات سياسية ضد الديمقراطية، ونوزعها في الشوارع».. «هي دي السياسة وهي دي قواعد لعبتها». هكذا حكى عبد الرحمن فريد، وهو مسؤول سابق في المخابرات المصرية بعد حركة الجيش في 1952، عن ذكريات عمله، في فيلم وثائقي على قناة «BBC».

حتى الساعات الأولى من فجر الجمعة 11 نوفمبر (تشرين الثاني)، ظلت الشهادات تتواتر عن استمرار ظاهرة تحريض العديد من سائقي سيارات الأجرة الخاصة (تاكسي)، لمن يركبون معهم من المواطنين، على النزول في مظاهرات 11/11، مؤكدين أن الأعداد المشاركة في هذا اليوم ستكون غفيرة. علمًا بأن فئة سائقي «التاكسي»، التي تقول العديد من الشهادات إنها المروج الأساسي لمظاهرات 11/11؛ كانت منذ اندلاع ثورة يناير (كانون الثاني) محسوبة بدرجة كبيرة على الكتلة غير المتعاطفة مع الثورة، ولم يكن مُعتادًا في القاهرة خلال الأعوام القليلة الماضية أن يُبشر سائقو «التاكسي» تحديدًا بأي حراك معارض.

و11/11، هو اليوم الذي دعت إليه على مواقع التواصل الاجتماعي، جهة ظهرت فجأة على الساحة السياسية المصرية تسمى «حركة غلابة»؛ ليكون موجة ثورية ضخمة تسعى لإسقاط النظام المصري. وهي الدعوة التي وصفها العديد من المراقبين بأنها «مجهولة النسب».

وحين جاءت الساعة الفاصلة، عقب صلاة الجمعة في يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ظهرت شوارع القاهرة خالية من أي مظهر من مظاهر الاحتجاج المنتظرة، وقد تناقلت وسائل الإعلام، مشاهد الفراغ، وهي المشاهد التي أكدت سيطرة النظام المصري على الوضع، وأن الشعب ليس ساخطًا تجاه الفلسفة الاقتصادية للنظام، وأن كل شيء يسير على ما يرام.

11/11.. يوم إعلان رضا صندوق النقد الدولي عن مصر

«إن برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في بعض الأحيانْ فقيرًا كما كانَ من قبل، لكن مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراءً» المفكر الاقتصادي ميشيل تشوسودوفيسكي.

بينما كانت وسائل الإعلام تتناقل صور الشوارع الفارغة، التي أكدت على أن مشاهد يناير (كانون الثاني) 2011، باتت مشاهد تنتمي للماضي الذي يصعب أن يتكرر، كان اجتماع المجلس التنفيذي لصنوق النقد الدولي ينعقد في نفس اليوم المحدد من قبل الجهة مجهولة المصدر، ليكون يوم «ثورة الغلابة» في مصر؛ وقد وافق المجلس في هذا الاجتماع على إقراض مصر بـ12 مليار دولار لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي وضعته السلطات المصرية.

جاءت تلك الموافقة، بحسب ما أكده «فخري الفقي»، مساعد المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، بعد أن عبرت الدول الخمس الكبرى، المهيمنة على اتخاذ القرارات بمجلس إدارة الصندوق، وهي الدول الممثلة لنخبة الرأسمالية العالمية: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، واليابان، عن دعمها لمصر في الحصول على القرض. علمًا بأن تلك الدول تمتلك 45% من إجمالي التصويت بمجلس إدارة الصندوق.

جدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي يقع مقره في واشنطن، وواحدة من أبرز مهامه هي إلغاء قيود الصرف المرتبطة بتجارة السلع والخدمات، وتحقيق ما يسمى باستقرار أسعار الصرف، وهو ما يؤدي في صيرورته، بحسب العديد من المراقبين، إلى فتح أسواق البلدان النامية أمام الدول الرأسمالية المتقدمة، كما يتبنى الصندوق السياسات الـ«نيو ـ ليبرالية»، وقيم اقتصاد السوق الحر.

في الواقع، كان يوم 11/11، ومظاهر الشوارع الخالية من أي احتجاجات تذكر للـ«غلابة» فيه، أفضل دعاية للنظام المصري، تثبت سيطرته على الوضع، وقدرته على استكمال الإصلاح الليبرالي للاقتصاد المصري، بحسب وصفات صندوق النقد الدولي، دون خوف من أي غضب منتظر للفقراء الذين يقع على عاتقهم أعباء ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي.

سوقت الدولة المصرية الشوارع الخالية في يوم 11/11، على أفضل نحو، وكأنه استفتاء شعبي، يبرهن على موافقة الشعب على خطوات الدولة ورؤيتها الاقتصادية، ويظهر ذلك جليًا في تصريحات رئيس الوزراء المصري، شريف إسماعيل، حول يوم 11/11 «الشعب اختار الاستقرار والبناء والإصلاح، ومصر ستتبوأ مكانتها ويتحقق لها على يد قيادتها السياسية الواعية المزيد من التقدم».

وكانت مصر قد اتخذت قبل قرار الموافقة على إقراضها من الصندوق، حزمة قرارات اقتصادية حازمة، تسببت في إزاحة قطاعات بكاملها من سكانها، من منطقة الفقر النسبي، إلى منطقة الفقر المدقع، ومن منطقة الطبقات الوسطى، إلى الفئات الفقيرة، والغريب أن الدولة قد سارعت باتخاذ هذه القرارات قبل 11/11، وأثناء ذروة حديث سائقي «التاكسي» و«التكاتك» مع المواطنين، عن أن ثورة عارمة للفقراء ستجتاح البلاد. وكان العديد من السياسيين المصريين يتساءلون آنذاك، لماذا لا تؤجل الحكومة هذه القرارات، التي تؤثر بالسلب على الفقراء على الأقل، ووفق أكثر التوقعات تفاؤلًا على المدى القريب، إلى ما بعد 11/11.

علمًا بان صندوق النقد الدولي بموافقته على إعطاء هذا القرض لمصر، يخالف مواثيقه نفسها، بتجاهل موافقة البرلمان المصري على القرض، ويضاف إلى ذلك التفاوت المثير للتساؤلات، بين طريقة تعامل الصندوق مع مصر بعد ثورة 2011، حين طلبت الاقتراض منه، حيث أصر الصندوق على اتخاذ عديد الخطوات للموافقة، واجتمع بممثلين من المجتمع المدني المصري لتقييم الآثار المحتملة لقرضه، وانتهى الأمر بفشل الإقراض في النهاية، في حين جاء إقراض النظام السياسي في مصر هذه المرة، يسيرًا بعد سلسلة من الاجتماعات السرية، لم يتخللها لقاء مع منظمات المجتمع المدني كالتي في المرة الأولي.

يأتي ذلك بعد إظهار السلطة المصرية قدرتها على السيطرة على الوضع في البلاد، وقدرتها على تمرير أي شروط اقتصادية قاسية، دون خوف من أية تقلبات أو ردود فعل مهددة للاستقرار، وقد أكد قدرة النظام على إخضاع الشعب للشروط الاقتصادية الجديدة، مشهد الشوارع الخالية في القاهرة، حيث ظهر بمظهر المنتصر على أعدائه.

فوز ترامب.. أنباء سارة من واشنطن

يأتي مشهد 11/11، ليؤكد سيطرة النظام المصري على الأوضاع، في أعقاب أخبار سارة قادمة للقاهرة من واشنطن، حيث انتصر دونالد ترامب، وصار رئيسًا لأهم دولة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، وكان ترامب قد التقى الرئيس «عبد الفتاح السيسي»، قبل أن يصبح رئيسًا لأمريكا، ووصف السيسي بأنه رجل رائع، كما أكد على أن بينهما كيمياء واضحة، وأن السيسي مثال رائع في التحكم التام بزمام الأمور في دولته، وقد كان السيسي من أول المهنئين لترامب بعد فوزه، كما أن الإعلام المصري استقبل فوز الملياردير الأمريكي بحفاوة.

عبر ترامب فيما سبق، عن تحفظه تجاه فكرة نشر الولايات المتحدة للديمقراطية في العالم، بذلك قد تستبشر السلطة في مصر بعهد جديد، لن تجد فيه مطالبات من الدولة الأقوى في العالم لها، بين حين وآخر، قد تتعلق باحترام حقوق الإنسان، وربما تأمل السلطة، أن يستتبع صعود ترامب، تقليصًا في تمويل المنظمات الحقوقية في مصر.

مثل فوز ترامب بالنسبة للقاهرة، مزيد من الشرعية والهدوء في أروقة الحكم، وجاءت بعد ذلك بعدها ثورة «الغلابة» التي سبقتها «بروباجاندا» كبيرة حولها، ثم لم ينزل فيها أحد، لتوفر المزيد والمزيد من الشرعية لنظام الرئيس السيسي.

11/11.. المصالحة تمت بين الدولة ورجال الأعمال

تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي منذ أسابيع بتعليقات من قبيل «11/11، الثورة التي لم نعرف عنها شيئًا إلا من سائقي التاكسي». دعوات النزول في هذا اليوم، لفها من البداية الغموض، وأثارت الشكوك. ظن البعض أن مجموعة من رجال الأعمال هم من يدبرون لهذا اليوم، وهم من دفعوا هذا العدد الهائل من سائقي «التاكسي» لتحريض المواطنين على النزول في ذلك اليوم، وظن آخرون، أن جهة من جهات الدولة هي التي تعد له، في إطار صراع الأجهزة، كما تحدث بعض الإعلاميين المقربين من النظام، عن أن تلك الدعوات هي مؤامرات تدبرها جماعة الإخوان المسلمين سرًا.

في تحقيق له عن الدعوات ليوم 11/11، تواصل «ساسة بوست» مع الباحثة «وئام مختار» التي قابلت ظاهرة تحريض السائقين لها على النزول في يوم 11/11، وقالت وئام إنها بدأت ترجح، خصوصًا بعد صدور القرارات الاقتصادية الأخيرة، مع العلم أن الدعوات لـ11/11 سبقت هذه القرارات، أن الدولة هي من تقف خلف تلك الدعوات، عبر أحد أجهزتها الأمنية، ورجحت أيضًا أن الغرض من الأمر هو «تسويق الرعب من أي تحرك حقيقي على الأرض، يهدف لمعارضة قرار التعويم أو رفع الدعم عن البنزين، بالآليات التي تم بها الأمران».

على جانب آخر، وعلى الرغم من أنهم لعبوا دورًا كبيرًا في دعم السلطة الجديدة بمصر وتثبيتها، شابت العلاقات بين الدولة ورجال الأعمال توترات كثيرة خلال الثلاث سنوات السابقة.

تشكلت التوترات بالأساس، بسبب التحديات الجديدة التي واجهها رجال الأعمال الكبار في مصر، متمثلة في الضرائب الجديدة، بالإضافة إلى منافسة الجيش لهم في قطاعاتهم، حيث توسع الجيش اقتصاديًا، ودخل قطاعات جديدة في الاقتصاد المصري، طالما احتكرها حضور رأس المال المدني الكبير، هذا بالإضافة إلى ما ظهر من الدولة من محاولة إعادة تشكيل شبكات المحسوبية القديمة بينها وبين رأس المال الكبير، أثناء حكم الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك»، وما بدا أنه إعادة توزيع علاقات الدولة التفضيلية على لاعبين جدد في الساحة الاقتصادية المصرية.

لكن العديد من الباحثين الاقتصاديين كانوا يؤكدون منذ أن نشبت تلك التوترات، أنها محض مرحلة انتقالية ستستقر بعدها الأوضاع، فالدولة لا تستطيع استكمال رحلتها بدون حضور رأس المال الكبير، الذي يُعتمد عليه بشدة، لجذب الشراكة الأجنبية للاستثمار في البلاد.

بحسب العديد من الباحثين الاقتصاديين، فإن النظام الذي يعد البوابة الوحيدة لتيسير وتسهيل الأعمال داخل مصر، قد تمتعت علاقته برجال الأعمال في الشهور القليلة الماضية، بوئام غير مسبوق، وفي الأشهر الأخيرة بالتحديد، أُثبت لكل طرف منهما احتياجه للآخر.

جدير بالذكر هنا، أن الدولة التي تتحدث الآن عن ضرورة انتهاج ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي، وأنه لا مفر من أن يتحمل المواطن البسيط الأعباء لكي ينهض الاقتصاد من جديد، قد تراجعت عن قانون البورصة في عام 2015، بعد أقل من عام على إصداره؛ نتيجة ما بدا أنه ضغط المستثمرين والمؤسسات الدولية، بالرغم من احتفاء وسائل الإعلام بالقانون وقتها باعتباره «سيفكُّ النحس» عن الاقتصاد المصري، وسيخفض العجز في الموازنة. وكان القانون يقضي بفرض ضريبة 10% على الأرباح الرأسمالية المحققة في البورصة المحلية، وعلى التوزيعات النقدية والأرباح التي تنتج من الاستثمار في الأوراق المالية في الخارج.

وجدير بالذكر أن رجال الأعمال والمستوردين، كانوا قد جنوا أرباحًا كبيرة، عندما اتخذت الدولة قرار التعويم الكامل للجنيه، حيث طرح البنك المركزي عطاءه الدولاري الدوري قبل يومين من التعويم، وكان السعر الرسمي للدولار حينها 8.88 جنيه مصري، وفجأة وبعد يومين فقط قفز الدولار بعد التعويم؛ ليساوي سعره الرسمي ما يقارب 16 جنيهًا.

وبعيدًا عن نظرية المؤامرة، وعن محاولة الكشف عمن دبر الدعوات ليوم 11/11، أو على الأصح من الذي صنع «بروباجاندا» حولها، ومن الذي دفع تلك الأعداد الغفيرة من السائقين للتحريض عليها؛ لتظهر في النهاية على هذا النحو. فالمرجح أن الفائز الأكبر من يوم 11/11 كانت الدولة التي أثبتت سيطرتها، وأضافت المزيد لشرعيتها، وبالتبعية كان الرابحون أيضًا من ثورة «الغلابة» التي لم يحضر بها أحد، هم رجال الأعمال، باعتبار أنهم كانوا قد دخلوا في علاقة حميمة ومستقرة مع هذه الدولة – التي أضافت لشرعيتها وشرعية قرارتها يوم 11/11- في الفترة الأخيرة، وصارت خطوط التعاون والمشاركة بينهما واضحة.

تعليقات الفيسبوك