حتى لا ننسى.. كيف ساهم البنك والنقد الدوليان في إفقار العراق ولبنان؟

دائمًا ما نجد بيانات دورية صادرة عن المؤسسات المالية العالمية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حول الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي وصلا إليها العراق ولبنان، هذه البيانات تحتوي أحيانًا على رصد للمشكلات، وأحيانًا أخرى تكون بمثابة مراجعات للوضع، ومرات كثيرة تكون برامج ملزمة في شكل سياسيات يجب على الدولتين اتباعها، وبالطبع فإن البيانات التي نتحدث عنها ليست حديثه فلبنان والعراق يتبنيان سياسات هذه المؤسسات منذ سنوات، لكن ماذا إن كانت هذه السياسات هي أصلًا أحد أسباب تردي الأوضاع في البلدين؟

خلال السطور القادمة سنحاول الحديث عن مدى مسؤولية البنك والنقد الدوليين عن الأزمات الاقتصادية في لبنان والعراق، وكيف أدت سياسات هذه المؤسسات إلى دخول ملايين المواطنين في البلدين إلى دائرة الفقر، وليس من الضروري أن تكون العلاقة هنا مباشرة، بمعنى أن الخطوط العامة للسياسات الإصلاحية لهذه المؤسسات قد تبدو مهتمة بالجانب الاجتماعي، لكن هذا الاهتمام لا يخرج بعيدًا عن البيانات الصحافية، بينما فيما يخص التقشف لا تتهاون أبدًا هذه المؤسسات في التأكد من تطبيقه، وبالتالي يحدث الخلل.

احذر من إشادات صندوق النقد.. 4 دول أشاد بها وهي على حافة الانهيار

كيف شكلت ديون النقد الدولي الأزمات الاقتصادية بالعراق ولبنان؟

عند مناقشة الأزمات الاقتصادية في العراق ولبنان نجد أن الديون تكون في المرتبة الأولى دائمًا على مستوى البلدين، كما أنها أزمة رئيسة يتفرع منها عدة أزمات، بمعنى أن الديون تكون دائمًا ذريعة الحكومة للتقشف بدعوى سداد الديون، وهي أيضًا محور تدهور الوضع المالي العام وتراجع قيم العملات المحلية، وخلافه من المشاكل الناتجة بشكل مباشر أو غير مباشر عن تفاقم الديون.

لذا فمن البديهي عندما نتحدث عن جذور تشكل الأزمات في العراق ولبنان أن نسأل كيف تشكلت أزمة الديون في العراق ولبنان من الأساس؟ وربما لا تحتاج الإجابة للكثير من البحث، فالإجابة دائمًا هي صندوق النقد الدولي.

العلاقات بين العراق وصندوق النقد الدولي ليست حديثة، ولكن حتى يكون الحديث مركز بعض الشيء لنتحدث عن هذا العقد الجاري، ففي 2010، وافق صندوق النقد الدولي على تقديم قرض للعراق بقيمة 3.6 مليار دولار، فيما وافق الصندوق في 29 يوليو (تموز) في 2015 على تقديم دعم مالي للعراق بقيمة 1.24 مليار دولار.

بحث في الجذور.. متى توحش الفقر في لبنان؟

وفي منتصف 2016، أقر المجلس التنفيذي للصندوق إقراض العراق نحو 5.34 مليار دولار، إذ يوزع القرض على 13 شريحة على مدى ثلاث سنوات حتى يونيو (حزيران) 2019، ليبلغ إجمالي القروض منذ 2010 وحتى الآن نحو 10.18 مليار دولار.

وبعيدًا عن سرد ديون العراق التي يستحوذ النقد الدولي على النسبة الأكبر منها، فبحسب ما كشفت لجنة نيابية في البرلمان العراقي، فإن ديون العراق الخارجية، بلغت 125 مليار دولار، صعودًا من 75.2 مليار دولار في 2014، ثم أصبحت 98 مليار دولار في العام 2015 ، لترتفع في العام 2017 إلى 122.9 مليار دولار.

بينما في لبنان بدأت سلسلة قروض النقد الدولي تحديدًا في التاسع من أبريل (نيسان) 2007، حين وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على قرض بحوالي 76,8 مليون دولار للبنان ضمن ما يعرف ببرنامج المساعدات الطارئة لما بعد الحرب (EPCA)، من أجل «المساهمة في دعم البرنامج الاقتصادي للبنان لعام 2007».

 

وفي تعليق له بعد الحصول على هذا القرض قال رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الأمريكية اللبنانية، غسان ديبة، في ذلك الحين، إن «هذا القرض يمثل أول اتفاقية بين لبنان وصندوق النقد الدولي على الرغم من مرور 15 سنة على بداية إعادة الإعمار وتراكم الديون العامة، وتحول لبنان إلى أعلى الدول مديونية في العالم منذ عام 1998 على الأقل».

وأضاف ديبة حينها خلال مقال نشر في جريدة «الأخبار» اللبنانية في يونيو 2007، بعنوان «لبنان وصندوق النقد الدولي: إلى أين؟»، إن «الحكومات المتعاقبة قاومت محاولات صندوق النقد للتدخل في رسم السياسات»، مشيرًا إلى أن «هذا القرض هو بداية لخضوع لبنان لشروط صندوق النقد الدولي في المستقبل»، وبالفعل قد كان.

فبعد عام من هذا التاريخ، حصلت البلاد على مساعدات طارئة لمرحلة ما بعد الصراعات (EPCA) بقيمة 37.6 مليون دولار، حيث وافق المجلس التنفيذي للصندوق في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، دعما للبرنامج الاقتصادي الذي اعتمدته السلطات حتى آخر شهر يونيو 2009.

ودون سرد قائمة الديون فإن النقد الدولي مساهم رئيس في وصول فاتورة فوائد الدين بلبنان للاستحواذ على نصف إيرادات الدولة، فقد وصلت نسبة الدين هناك إلى أكثر من 150% من الناتج المحلي الإجمالي الذي يقدر بنحو ستين مليار دولار، وبذلك تصبح الحالة اللبنانية شبيهة بالحالة اليونانية قبل ثماني سنوات.

هل حققت برامج الإصلاح الدولية أي من أهدافها؟

لا تختلف بنود الإصلاح الاقتصادي في البنك والنقد الدوليين باختلاف الدول كثيرًا فدائمًا ما تكون نفس البنود متكررة في كل البلدان تقريبًا، وفيما يخص حالتي لبنان والعراق يمكن القول إن صندوق النقد الدولي بشكل خاص قد اتبع نفس السياسيات تقريبًا على مدار السنوات الماضية، بينما لم يتحقق أي تقدم يذكر بشأن الإصلاحات المعلنة.

القصة غير المروية.. هل تآمرت بعض دول الخليج مع «صندوق النقد» على مصر؟

ولكي يكون الحديث مركز أكثر عندما نقارن بين بيان فريق بعثة صندوق النقد الدولي لعام 2019 بشأن العراق الصادر في السادس من مايو (أيار) 2019، وبيان خبراء الصندوق في ختام بعثة عام 2019 بشأن لبنان في 11 يوليو 2019، نجد أن محتوى البيانيين واحد تقريبًا مع اختلاف الصياغة، وهو نفس الأمر في البيانات السابقة.

وبالتالي إذا أردنا معرفة الإجابة على سؤال: هل حققت برامج الإصلاح المدعومة من البنك والنقد الدوليين إيٍ من أهدافها على مستوى العراق ولبنان، لا نحتاج سوى قراءة بيان للصندوق قبل 10 سنوات من الآن وقراءة آخر تقارير الصندوق، وعن المقارنة ستجد نفس النصائح ونفس السياسات، ربما مع اختلاف بسيط في الأرقام.

بالإضافة إلى أنه في حال كان الصندوق حقق أهداف الإصلاح المعلنة، ما كانت وصلت هذه الدول إلى الوضع الحالي، فعلى سبيل المثل حين ننظر إلى برنامج صندوق النقد بخصوص لبنان والمنشور على الموقع الرسمي للصندوق بتاريخ التاسغ من ديسمبر (كانون الأول) 2009 نجد جملة «إجراء إصلاحات في القطاع الاجتماعي لتخفيف حدة الفقر وتقليص الفروق بين الدخول على المستوى الإقليمي وتحسين مؤشرات التعليم والصحة».

هذه الفقرة مكرره تقريبًا في بيان الصندوق الصادر بتاريخ 11 يوليو 2019، وهو ما يوضح تحديدًا كيف فشلت سياسات الصندوق في تحقيق أي تقدم ملموس بشأن اقتصاد البلاد.

سياسات الصندوق: إهمال محاربة الفساد والاعتماد على التقشف

البعد الأهم عندما ننظر إلى الديون، هو أن خدمة الديون وما تخصصه الدول في موازاتها كل عام لدفع أعباء هذه الديون هو بمثابة حرمان مباشر للشعوب من هذه الأموال التي كانت ستنفق على مشاريع للبنية التحتية، وقد تستوعب أزمات البطالة، أو تنفق على البرامج الاجتماعية والدعم التي كانت ستقلص من معدلات الفقر، وعندما نتابع حالة كلٍّ من لبنان والعراق نجد أن الإنفاق على الديون هو النسبة الأكبر في الموازنة.

في العراق نجد أن البلاد مطالبة بسداد من 10 إلى 12 مليار دولار فوائد وأقساط ديون قديمة خلال عام 2019 فقط، بينما في لبنان كما ذكرنا فأن 50% من الموازنة تنفق على فوائد الديون، وهذا يعني أن سياسيات النقد الدولي والبنك الدولي المعتمدة على الاقتراض بشكل مباشر لحل أزمة البلدين الاقتصادية، حرمت المواطن اللبناني من نصف الموازنة التي كانت ستنفق على الرعاية الصحية والبنية التحتية والدعم وغيرها من البنود التي تعود على اللبنانيين بالنفع، بينما كذلك الوضع في العراق.

في المقابل تهمل المؤسسات المالية العالمية تقديم مقترحات واقعية لمحاربة الفساد كتلك التي تقترحها بشأن التقشف، فبعد أن كان لبنان يصنف في المرتبة 63 عالميًا في العام 2006 في مستوى الفساد، قبل الاعتماد على سياسيات النقد الدولي، تراجع في 2007 ليصبح في المرتبة 99 من بين 180 دولة، ثم حل في المرتبة 138 في تقرير مدركات الفساد لمنظمة الشفافية العالمية لعام 2018، والذي يرصد درجة انتشار الفساد في القطاع العام.

وبحسب البنك الدولي فقد بلغ الإنفاق الحكومي على شبكات الأمان الاجتماعي 1.3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في 2010، ناهيك عن أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على حافة الانهيار، إذ أن صندوق الضمان، الذي يعد المظلة لنحو مليون و430 ألف شخص، يعاني من عجز مالي بسبب عدم تسديد الدولة للاحتياجات الأساسية.

وكان من المفترض أن تسدد الدولة للصندوق نحو ألف مليار ليرة خلال الأعوام 2014 و2015 و2016، لكنها لم تسدد سوى 170 مليار ليرة فقط، بينما في عام 2017 لم تسدد الحكومة أي مبالغ لمصلحة الضمان.

في المقابل فإن المبادرات الخاصة بالأمان الاجتماعي والتنمية المجتمعية التي يمكن أن تدعم سبل معيشة الفقراء والمستضعفين، تكاد تكون غير موجودة، إذ تضطر العديد من الأسر إلى دفع مئات أو آلاف الدولارات من الديون لتغطية النفقات غير المتوقعة مثل الفواتير الطبية الكبيرة، ويعيش ما يصل إلى 20% من المواطنين اللبنانيين في ظل مرافق الصرف الصحي غير المحسنة؛ كما لا يحصل 10% من الأسر الفقيرة على مياه الشرب النظيفة.

على الجانب الآخر نجد أن العراق كذلك في على مستوى الفساد من بين الأكثر فسادًا حول العالم، إذ يتفشى الفساد في كل القطاعات تقريبًا، فبحسب مسح لمنظمة الشفافية الدولية صدر في 2013، رجح أن يكون مستخدمو الخدمات العامة قد دفعوا رشوة عند اتصالهم بالمسؤولين الحكوميين لخدمات الأراضي بنسبة 39% والشرطة 35% وخدمات التسجيل والتصاريح 27%.

بينما تقول بعض التقديرات أن العراق تلقى أكثر من 32 مليار دولار أمريكي من المساعدات الثنائية من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بين عامي 2003 و2012، بينما 8 مليارات دولار تم فقدانها في البلاد بسبب الفساد والإهدار، ووفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2018، حصل العراق على 18 نقطة من أصل 100 نقطة.

حصيلة سياسات النقد الدولي: قفزة بالفقر وتوسع بالفجوة بين الطبقات

مما سبق نستطيع الاستنتاج بأن سياسات النقد الدولي التي اعتمد عليها كل من لبنان والعراق، كان الفقر من أبرز نتائجها، إذ إن طبيعة إصلاحات الصندوق ينتج عنها نمو يستفيد منه الأغنياء، ويتضرر منه الفقراء، وتتوسع الفجوة بين الطبقات بالتالي.

وفي العراق تصاعدت نسبة العاطلين من 15% عام 2015 إلى 35% حاليًا وتصل إلى 40% لدى شريحة الشباب، وفق النقد الدولي، بينما يقبع نحو 4 ملايين عراقي تحت خط الفقر، وتشهد البلاد هجرة متزايدة للشباب إلى الخارج منذ مطلع عام 2014 بسبب تفاقم الحرب، وبحسب وزارة التخطيط، فإن المؤشر الرسمي لقياس نسبة الفقر المعتمد محليًا وفي البنك الدولي هو 22.5% في نهاية العام الماضي.

4 تحديات كبرى تواجه الموازنة الأكبر في تاريخ العراق

هذه النسب ملامح تأتي بالرغم من أن حجم الرواتب بموازنة 2019 تصل إلى 54% من إجمالي الموازنة، إذ بلغت مخصصات رواتب الموظفين والمتقاعدين والضمان الاجتماعي 52 مليار دولار، بزيادة تقدر بـ15% عن العام الماضي، إلا أن هذه الأرقام لن تعالج أزمة البطالة؛ لأن هذه الأرقام تلتهمها الوظائف الموجودة بالأساس.

في المقابل قدرت أول دراسة شبه رسمية صادرة عام 1998 عن وزارة الشؤون بلبنان، عدد الأسر الفقيرة بحوالي 32%، 7% منهم فقراء جدًا، وبعد 10 سنوات أي في 2008، صدرت الدراسة نفسها عن وزارة الشؤون وإدارة الإحصاء المركزي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وجاءت النسبة بين 30-31% أيضًا، وفي دراسة للبنك الدولي بالاشتراك مع إدارة الإحصاء المركزي والتي نشرت في عام 2015، أتت نسبة الفقر 27%.

هذه النسب توضح أن معدلات الفقر في لبنان متقاربة جدًا منذ التسعينات وحتى الآن، مع الوضع في الاعتبار أن دراسات الفقر في البلاد غير دقيقة وتعاني الكثير من العشوائية، لكن كما هو واضح لم ينتج تغير جوهري في نسب الفقر، رغم تبني صندوق النقد الدولي لعدة برامج إصلاح اقتصادي.

 

وعلى مستوى الفجوة بين الطبقات، لا تتوفر إحصاءات موثقة على مستوى العراق ولبنان، ولكن الفجوة بين الأغنياء والفقراء آخذة في الاتساع لأن الطبقة الوسطى تختفي، إذ تنتمي أكبر مجموعة من سكان البلدين إلى الفئة الدنيا من الطبقة الوسطى والتي تجد كل شهر من جديد صعوبات في تغطية نفقاتها، فنسبة هذه الفئة بين سكان البلاد تبلغ حوالي 40%.

وفي 2017 كشفت منظمة «أوكسفام» في تقريرھا عن «مؤشر الالتزام بخفض اللامساواة» أن لبنان جاء عاشرًا بين 12 دولة عربية شملھا الإحصاء و131 عالميًا، وحصد المركز 138 على صعيد «الإنفاق على قطاعات الصحة، التعليم، والحماية الاجتماعية»، و101 على صعيد «البنية التقدُّميّة ونسبة الضرائب»، و108 على صعيد «السياسات المتعلِّقة بسوق العمل والتي تُعنى باللامساواة».

اقتصاد العراقاقتصاد لبنانالبنك الدوليالعراقالفقر في العراقالفقر في لبنانالنقد الدوليديون العراقديون لبنانلبنان

المصادر