قبل الحديث عن تقرير البنك المركزي المغربي المثير للجدل، الذي تحدث عن أن «مصر ليست المغرب»، مستعرضًا الأخطاء التي وقعت فيها القاهرة عند تعويم عملتها، يجب أن نتحدّث عن العوامل المشتركة بين البلدين بخصوص الاتجاه نحو التعويم، ويجب كذلك معرفة أن تعويم العملة ليس غاية بل هو وسيلة اقتصادية لها أسبابها.

في الواقع لا ينكر أحد أن التعويم لم يكن اختيار القاهرة، وهو كذلك ليس سياسة نابعة عن الرباط بشكلٍ خالص، إلا أن الرابط بين البلدين هو «صندوق النقد الدولي» فهي سياسة الصندوق التي تستجيب لها الدول سواء طواعية أو كرهًا، على كلٍ يجب أن نتفق قبل استكمال هذا التقرير على أنه لا يحق لأيٍّ من البلدين التباهي بتجربته، أو القدح في تجربة غيره، ففي النهاية النقد الدولي هو الذي يحكم.

في البداية، التعويم هو ترك سعر صرف العملة تتحدَّد طبقا لآلية العرض والطلب وذلك دون تدخُّل الحكومة أو المصرف المركزي، ومن سمات هذه العملة بعد التعويم أنَّها يمكن أن تتغير عدَّة مرَّات في اليوم الواحد، وهي ميزة التعويم الحر وهو ترك تحديد سعر الصرف للسوق بشكلٍ كامل، دون أي تدخل.

نوعٌ آخر من التعويم يسمى بـ«التعويم المُوجَّه»، إذ يتم ترك تحديد سعر الصرف لقوى السوق، ولكن تتدخَّل الدولة حسب الحاجة، ويزعم النقد الدولي أن تحرير سعر الصرف ينعكس على النمو، والميزان التجاري، والتضخم، وأسعار الفائدة ويساهم في خلق التوازن بالاقتصاد الكلي، إلا أنّ التجارب الاقتصادية العالمية لا تشير إلى أنَّ التعويم قادر على فعل كل ذلك.

في 14 فبراير (شباط) الماضي أعلن البنك المركزي المغربي عن الشروع في تطبيق مشروع تعويم الدرهم في البلاد بشكلٍ تدريجيّ وصولاً إلى التعويم الكامل بعد دراسة مستفيضة بدأت العام الماضي من قبل وزارة المالية والبنك المركزي في المغرب وبعثة صندوق النقد الدولي إلى المغرب برئاسة نيكولا بلانشيه.

أمَّا سعر الصرف الحالي للدرهم فهو مربوط عند مستوى مرجَّح باليورو بنسبة 60% وبالدولار بنسبة 40%، ويخطط البنك المركزي المغربي لتخفيف هذا الربط والسماح للعملة بالتداول في نطاقٍ ضيِّق، وصولًا إلى التعويم الكامل للعملة.

لماذا يحتاج المغرب للتعويم؟

يروِّج المغرب منذ أشهر لتعويم العملة، إلا أنَّه قام مؤخرًا بحملة تروجية مختلفة، إذ بدأ المركزي المغربي منذ أسابيع بحملة شرح تفاصيل خطة لإصلاح سعر صرف الدرهم، لينتقل من نظام الصرف الحالي إلى نظام صرف مرن من خلال تعويم الدرهم، وهذا أمرٌ ليس بالجديد.

الجديد هو ما ذهب إليه البنك مؤخرًا، عندما قارن بين ما سيقوم به من إصلاح لسعر الصرف اختياريًا وتدريجيًا ومنظمًا، وفي ظل احتياطات ملائمة من النقد الأجنبي ونسبة تضخُّم متدنية، وغياب للسوق السوداء للعملة، وهو ما لن يذهب بالبلاد إلى تجربة القاهرة التي قامت بنفس الخطوة ولكن تحت ضغط وتردٍ للوضع الاقتصادي، بحسب البنك.

أمَّا مبررات التعويم بالنسبة للمركزي المغربي فيقول إنَّه يهدف إلى مواكبة انفتاح البلاد على الاقتصاد العالمي، وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد المغربي والمساهمة في تعزيزها، وتخفيف الاختلالات الخارجية والصدمات الخارجية، ومواكبة تطوير القطاع المالي، كما يرى أن الوقت الحالي هو الأنسب لبدء هذا الإصلاح.

بالنظر إلى الأهداف والأسباب المذكورة، والتي دفعت المغرب للاتجاه صوب التعويم، نجد أنّ الصورة التي استعرضها المركزي ورديَّة جدًا لدرجة أنه قد يتبادر إلى ذهنك تساؤل لماذا يحتاج المغرب إلى تعويم عملته رغم أنَّ المؤشرات الرسمية تقول إن الاقتصاد المغربي في أفضل حالاته؟

الإجابة على هذا التساؤل تنقسم إلى شقين، الأول: إمَّا أن المركزي يبالغ في وصفه للوضع الاقتصادي للبلاد، والثاني: هو أن البلاد مجبرة على تنفيذ ما يطلبه الصندوق، ورغم أن الشقّ الأول به الكثير من الصحة، إلا أن الثاني أكثر واقعية رغم عدم الاعتراف الحكومي به.

تعويم الدرهم جاء بأمر النقد الدولي

أخطأ البنك المركزي المغربي عندما وصف قرار مصر بتحرير سعر الصرف أنه جاء تحت ضغط، رغم أن المغرب ربما هي أولى بهذا الضغط من مصر، إذ أصبح لجوء المغرب للاقتراض من صندوق النقد الدولي عادة، جعلتها ضمن أكبر المقترضين من الصندوق، الذي وافق على منح الرباط قرضًا بـ3.5 مليار دولار.

نجيب أقصبي الخبير الاقتصادي المغربي، قال إن تعويم العملة «من وصفات صندوق النقد الدولي، التي يريد أن يفرضها على عديد من الدول التي يتعامل معها.. النقد الدولي طرح هذا الموضوع على المغرب أكثر من مرة، ويتعامل معنا حسب ميزان القوة، حين يحس بأنه الأقوى يدفع بقوة نحو فرض توصياته». وسبق أن استفاد المغرب من خط مالي، مقدم من صندوق النقد الدولي، بلغت قيمته 6.21 مليار دولار سنة 2012، وحصل على قرضٍ مماثل سنة 2014 بقيمة خمسة مليارات دولار.

اقرأ أيضا: صندوق النقد الدولي يُدير اقتصاد المغرب

تجدر الإشارة إلى أن المغرب يعد البلد الأكثر مديونية على الصعيد العربي والإفريقي، محتلًا الرتبة 29 في التصنيف الحديث لمعهد «ماكنزي» الأمريكي للبلدان الأكثر استدانة في العالم، حيث أصبحت تمثل القروض 136% من الناتج الداخلي الخام، بارتفاع 20 نقطة في الناتج الداخلي الخام خلال الفترة الممتدة بين 2007 و2014.

ولم يسبق لحكومة مغربية من قبل أن حصلت على ثلاثة خطوط مالية، تقارب في مجموعها 15 مليار دولار، في ولاية واحدة، من طرف مؤسسة صندوق النقد الدولي، علاوةً على الفوائد المالية التي ستتبعها، وهو ما يشكِّل عبئًا اقتصاديًّا ثقيلًا بالنسبة للأجيال القادمة.

وصل الرقم الجديد الذي حطمته الحكومة المغربية في تاريخ الديون الخارجية، إلى 300 مليار و826 مليون درهم، حسبما جاء في معطيات حديثة لمديرية الخزينة والمالية الخارجية. كان الدين المغربي خلال 2011، قبل تقلد الحكومة الحالية مسؤولية التدبير، في حدود 189 مليار و108 مليون درهم، ليبدأ حينها الخطّ التصاعدي للديون، حيث انتقلت الديون في العام الموالي من تعيين الحكومة إلى 213 مليار و 713 مليون درهم، أي بزيادة 23 مليار و 605 مليون درهم.

ثم تواصلت بعدها الزيادات الصاروخية في استلام القروض حتى بلغت 296 مليار درهم خلال 2014، لتصل حاليًا إلى ما يقارب 31 مليار درهم.

اقرأ أيضا: «سياسة الاقتراض الحكومية» تُغرق المغرب في الديون الخارجية

هل تنجح المغرب في تحقيق أهداف التعويم؟

يرى المحللون أن الحُكم على نجاح أو فشل سياسة التعويم تحتاج لأكثر من ستَّة أشهر، وذلك لأن السوق يمرّ بحالة عدم استقرار كبيرة في هذه المدة، لذلك لا يمكن الحكم بشكلٍ قاطع على التجربة المصرية خلال الفترة الماضية، رغم أن البلاد حققت بعضًا من أهداف التعويم على مستوى الاقتصاد الكلي.

لذلك ربما لم يكن من الصواب أن يشير المركزي المغربي إلى التجربة المصرية على أنها فشلت في وقتٍ تمرُّ فيه التجربة بمرحلة انتقالية، لكن «المغرب يراهن من خلال تحرير سعر عملته، على تحقيق عدة أهداف تساعده في إعادة رصيد احتياطياته من النقد الأجنبي وتوفير فرص عمالة والحد من ظاهرة البطالة المتفشية وزيادة معدل النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى تنشيط قطاع السياحة وهو أحد أهم مصادر الإيرادات من النقد الأجنبي» هكذا يقول الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام.

وقال عبد السلام خلال تصريحاته لـ«ساسة بوست» إن تنشيط قطاع الصادرات خاصة مع تأثره سلبًا بالركود بمنطقة اليورو – أبرز حليف تجاري للمغرب – وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية التي تساعد المملكة في إقامة مشروعات جديدة خاصة في القطاعات المدرَّة للنقد الأجنبي مثل الصناعات التصديرية والفنادق، كلها أهدافٌ تسعى المملكة لتحقيقها من خلال التعويم.

ويكفي حجم احتياطي المغرب من النقد الأجنبي، لشراء واردات البلاد من السلع والخدمات لمدة 7 أشهر، ومن المرتقب أن ترتفع إلى 7 أشهر و20 يومًا نهاية 2017، وفق البنك المركزي المغربي. «على الرغم من تأكيدات عدة من مؤسسات دولية منها صندوق النقد الدولي بعدم هبوط الدرهم المغربي في حال تحريره إلا أن المشهد السياسي قد يربك سوق الصرف خاصة مع الفشل في تشكيل حكومة جديدة علي مدى الشهور الخمسة الماضية» يقول عبد السلام.

عن أهم الاختلافات بين تجربة مصر والمغرب، يرى عبدالسلام أن الفارق هو أن المغرب لديه احتياطي حقيقي وليس وهميًا كمصر، كما أن موارده الحقيقية من النقد الأجنبي، تمكنه من إجهاض أي مضاربة على عملته فيما بعد التعويم ولذا سيظل سعر الصرف عادلًا.

عوائق أمام نجاح التعويم بالمغرب

في ظلّ التعويم يتم تحديد سعر الصرف عبر السوق طبقًا للعرض والطلب، وفي هذه الحالة نجد أن المغرب لديها أزمة في هذا الصدد، إذ أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة – أهم ما يحتاج للإنعاش في الوقت الحالي – تراجعت بنسبة 35% خلال الشهور السبعة الأولى من العام الماضي، مقارنة مع الفترة المناظرة من العام الفائت، وبلغت 12.3 مليار درهم (1.2 مليار دولار) حتى نهاية يوليو (تموز) 2016.

ارتفاع عجز الميزان التجاري بنسبة 7.5%، عند 103.6 مليارات درهم (10.6 مليار دولار) خلال 7 أشهر الأولى من العام الماضي، مقارنة مع 96.4 (9.8 مليار دولار) خلال نفس الفترة من 2016، عامل آخر يمثل عائقًا أمام نجاح التعويم في المغرب. أزمة البطالة المتفاقمة في البلاد ربما تحول كذلك بين تحقيق نتائج جديدة من خطوة التعويم إذ فشلت سياسات الحكومة المغربية، في حل أزمة البطالة بالبلاد، رغم الوعود بخفض معدلات البطالة إلى 8%.

وتشير الأرقام الرسمية أن عدد العاطلين تراجع ما بين سنتي 2015 و2016، من 1.148.000 شخص إلى 1.105.000 عاطل عن العمل بمعدل بلغ الـ9.4%، ولكن رغم التراجع تظل هذه النسبة مرتفعة، وكشفت المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها السنوي عن تراجع عدد العاطلين بالمدن بـ45 ألفًا مقابل ارتفاعه بـ2000 في الأرياف. فيما يؤكد التقرير أن معدل البطالة بلغ في المدن 13.9%، وفي الأرياف وصل إلى 4.2%.

عدم الاستقرار السياسي، عائقٌ آخر في غاية الأهمية يجب وضعه في الحسبان، في وقتٍ لم تتشكل فيه الحكومة الجديدة بعد، إذ لم يستبعد المغربي عبد النبي أبو العرب، تأثير الصراع السياسي في البلاد على توقعات المؤسسات الوطنية. وقال أبو العرب إن الصراع السياسي في البلاد، ينعكس على توقعات النمو، حيث نجد دائمًا أن الحكومة لها تطلُّعات قد تظهر في بعض الأحيان أكثر تفاؤلاً، بينما المعارضة تتجه لمنحى معاكس.

النقد الدولي ليس دائمًا على صواب

يبدو أن تقارير بعثات صندوق النقد الدولي لمعظم البلدان لا تختلف كثيرًا عن بعضها، إذ أن تصريحات بعثة النقد الدولي التي كانت في مصر مشابهة تمامًا لتلك التي في المغرب، وهو ما يكشف عن أن الصندوق يعتمد سياسة موحَّدة يستخدمها دائمًا سواءً كانت مناسبة لطبيعة ظروف البلاد الاقتصادية أم لا.

قال رئيس بعثة النقد الدولي إلى المغرب نيكولا بلانشيه عقب انتهاء زيارته للبلاد إن الدرهم لن يهبط فور تبنِّي البنك المركزي لنظام مرن لسعر الصرف، مضيفًا أن إصلاح نظام سعر الصرف سيكون تدريجيًا ولا نتوقع تقلبات لأن جميع الظروف اللازمة للانتقال السلس متوافرة.

لكنّ مصر لها سابقة سيئة مع توقُّعات النقد الدولي، والتي كانت مشابهًا للتوقعات الخاصة بالمغرب، والذي اعترف الصندوق أخيرًا بخطأ تقديراته عن سعر الصرف، وهو الأمر الذي يجب أن يكون درسًا للمغرب على ألا تثق في توقعات الصندوق التي ربما تضع البلاد في ورطةٍ كبيرة.

الاقتصاد المغربي.. نظرة عامة

رغم أن حال الاقتصاد المغربي ربما يكون أفضل من كثيرٍ من الدول العربية إلا أن الموازنة المغربية تعاني عجزًا مزمنًا، تراوحت نسبته للناتج المحلي الإجمالي بالسنوات الخمس الأخيرة، ما بين 4% بالعام الماضي و9.5% بالعام الأسبق، فيما يحتل اقتصاد البلاد المركز الـ62 عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بسعر الصرف بقيمة مائة مليار دولار بالعام الأسبق، وبالعام الماضي المركز 59 بالناتج بتعادل القوى الشرائية.

ويتوقَّع محللو البنك الدولي، أنّ يتحسُّن النمو الاقتصادي في المغرب خلال 2017، بنسبة تصل إلى 4%، فيما توقَّع البنك في تقريره لشهر يناير (كانون الثاني) 2017، بعنوان «آفاق الاقتصاد العالمي»، أن يشهد النمو الاقتصادي بالمغرب خلال عامي 2018 و2019 ارتفاعًا بنسبة 3.5% و3.6% على التوالي.

ومن جانبها أوضحت بعثة لصندوق النقد الدولي، أن نمو الاقتصاد المغربي يُفترض أن يتسارع عام 2017، ليبلغ 4.4%، وهو التقدير الأقرب إلى الحكومة المغربية، الذي لم يتجاوز نسبة 4.5%.

على مستوى ميزان المدفوعات فإنه يحقق فائضًا بمعظم السنوات الأخيرة، إلا أنَّه يعاني عجزًا مزمنًا بالميزان التجاري السلعي خاصة مع استيراده غالب احتياجاته من الوقود، ورغم تحقيق ميزان التجارة الخدمية فائضًا مستمرًا بفضل عائداته السياحية المرتفعة، إلا أنه لا يفي بسداد العجز السلعي.

ويعد اعتماد التجارة المغربيَّة على الدول الأوروبية، مشكلة أساسية كذلك، حيث اتجهت نسبة 22% من صادراته بالعام الأسبق لإسبانيا، و20% لفرنسا و5% للهند و4% لكل من الولايات المتحدة وإيطاليا، وجاءت نسبة 14% بوارداته السلعية من إسبانيا وفرنسا 12% والصين 8.5% والولايات المتحدة 6.5% وألمانيا 6% وإيطاليا 5.5%.

وتأتي نسبة صادرات المغرب في المنطقة العربية بالسنوات الخمس الماضية ما بين 4% إلى 6% فقط، والتي اتجهت للجزائر والسعودية والإمارات والعراق ومصر وتونس وقطر، وتراوحت نسبة وارداته البينية عربيًا ما بين 13% إلى 15%، من السعودية والجزائر ومصر وتونس وموريتانيا ولبنان.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!