شهدت المنطقة العربية في الآونة الأخيرة اتجاهًا غير مسبوق من حيث الاعتماد على سياسات صندوق النقد الدولي، فخلال العام الماضي 2016، توصلت خمس دول عربية لاتفاقيات مع الصندوق للحصول على قروضٍ وتسهيلاتٍ ائتمانية، وذلك بهدف الإصلاح الاقتصادي ومعالجة عجز الموازنة، والدول الخمس هي: مصر وتونس والعراق والمغرب والأردن.

لكنّ هذه الاتفاقات كانت بمثابة نقمة على شعوب هذه الدول، إذ تدهورت الأوضاع الاقتصادية بشكلٍ ملحوظ، فحسب محللين كانت سياسات الصندوق أحد أسباب زيادة نسبة الفقر في هذه الدول، كما أنّها كذلك دفعت أرقام البطالة إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، في الوقت الذي يتلقَّى فيه العمال بشكلٍ خاص الجانب الأكبر من الآثار السلبية، إذ انتقلت أوضاعهم من سيئ إلى أسوأ تحت ضغوط المؤسسة المالية الدولية.

ومع بداية مايو (أيار) من كل عام يحتفل الملايين حول العالم بيوم عيد العمال، وفي بعض البلدان يطلق عليه اسم «عيد العمل»، وبدأ بالاحتفال به أول مرة في أستراليا نهاية القرن التاسع عشر، ولكن يظل الاحتفال في البلدان العربية مختلفًا دائمًا، والدول التي تتبنى سياسات صندوق النقد الدولي أكثر اختلافًا، إذ يحاول «ساسة بوست» رصد تأثير الصندوق على العمال في الدول الخمس التي لجأت إلى الصندوق مؤخرًا.

كيف يتأثَّر العمال بسياسات النقد الدولي؟

قال أحمد ذكر الله، الأستاذ بجامعة العالمية للتجديد بتركيا، والخبير الاقتصادي، إنّ: «سياسة صندوق النقد الدولي تقوم على تثبيت العجز في المؤشرات الاقتصادية الكلية سواء عجز الموازنة أو الميزان التجاري أو تزايد البطالة والتضخُّم، من خلال اتِّباع سياسات اقتصادية انكماشية تبدأ بالتخلُّص من الشركات العامة وتسريح العمالة بها دون ضوابط كافية لحصول هؤلاء العمال على مستحقاتهم سواء من مكافآت نهاية الخدمة أو ترتيب أوضاعهم ما بعد التقاعد الإجباري».

وتابع ذكر الله خلال حديثه لـ«ساسة أنّ تضرُّر الاقتصاديات ليس فقط بتسريح هؤلاء العمَّال وخبراتهم المتنوّعة والطويلة، ولكن أيضًا من تحوُّل المصانع والشركات المباعة إلى أنشطةٍ أخرى، فيما تكتفي بلدان الإصلاح المزعوم باستثماراتٍ محلية أو أجنبية كثيفة رؤوس الأموال على حساب بطالة متزايدة يومًا بعد الآخر وحتى القليل من العمالة المطلوبة يحتاج توافر مهارات خاصة لا تتوافر في النسبة العظمى من هؤلاء العمال».

ويرى الخبير الاقتصادي أن العمال المسرحين يعانون البطالة والمعاش المبكر وتتأثر أحوالهم المالية والنفسية كثيرًا بذلك، بسبب سياسات صندوق النقد الدولي ولا تهتم بهم هذه الدول من حيث التدريب التحويلي إلى أنشطةٍ أخرى تتناسب مع احتياجات السوق.

يرى مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي، أن صندوق النقد الدولي لديه روشتة واحدة أو مجموعة وصايا ثابتة يقدمها لحكومات هذه الدول، لا لكي تناقشها وتأخذ منها ما يناسبها وأوضاع شعوبها، ولكن لكي توقّع عليها وتنفذها على الفور من دون الاعتراض ولو على نقطةٍ فرعيّة.

يضيف عبد السلام أنه «ليس المهم بالنسبة للصندوق المواطن وخفض الأسعار، بل المهم أن تزيد إيرادات الدولة حتى ولو جاءت على جثث الفقراء، زيادة ليس الهدف منها تحسين الإنفاق على مشروعات الصحة والتعليم والغذاء، بل لتمكن هذه الحكومات من سداد الديون الخارجية التي اقترضتها من الصندوق وغيره من المؤسسات، وما يحدث حاليًا في الأردن ومصر وغيرها من الدول العربية، يؤكد أن روشتة صندوق النقد باتت مدمرة لشعوب المنطقة».

مصر: 70% من العمال بلا حد أدنى للأجور

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 وافق صندوق النقد الدولي على اتفاق قرضٍ لمصر بقيمة 12 مليار دولار، مدته ثلاث سنوات، وذلك بهدف دعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تقدمت به الحكومة المصرية، ومنذ هذا التاريخ يعاني المصريون من أوضاع اقتصادية صعبة ومعدلات تضخم متفاقمة في ظل ثبات أجور العمال، وهم أكثر الشرائح المتضررة من هذه الإصلاحات.

ودفعت سياسات النقد الدولي أسعار السلع الأساسية والخدمات في مصر إلى الارتفاع الكبير وذلك بعد أن قرر المركزي تحرير سعر صرف الجنيه ورفع الدعم تدريجيًا عن الطاقة في 3 نوفمبر الماضي، وذلك في ظل غياب أي بدائل لغلاء المعيشة، بل أصبح هذا الطلب تهمة تضع العمال أمام المحاكم المصرية، وهو ما حدث لعمال شركة أفكو للزيوت بمحافظة السويس، فبعد احتجاجهم على التوزيع غير العادل لبدل غلاء معيشة فوجئوا بمثول 19 منهم أمام المحكمة.

على الجانب الآخر، لا يزال نحو 18 مليون عامل بالقطاع الخاص محرومين من الحد الأدنى للأجور، الذي أعلنت الحكومة المصرية عن تطبيقه في يناير (كانون الثاني) 2014، إلا أنه شمل 6 ملايين موظف حكومي فقط، إذ يعمل 70% من العمال في القطاع الخاص، بما يعادل أكثر من 18 مليون عامل، في مقابل 30% يعملون بالقطاع الحكومي والعام.

ويبلغ الحد الأدنى للأجور في مصر نحو 66 دولارًا فقط، وهو ما يعني أن أغلب العمال بالبلاد يقبعون تحت خط الفقر، وهو الأمر الذي كان سببه الرئيسي سياسات صندوق النقد، فيما يأتي تدنِّي مستوى الأجور في الوقت الذي شهدت فيه معدلات التضخم بالبلاد ارتفاعًا غير مسبوق، مسجلًا نحو 32.5% بنهاية مارس (آذار) الماضي، وهي النسبة الأعلى منذ نحو 80 عامًا، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي.

تونس: تسريح أكثر من 50 ألف عامل من أجل الصندوق

في مارس (آذار) 2012، أبرمت تونس اتفاقًا مع الصندوق يقضي بالحصول على قرض قيمته 1.7 مليار دولار على عامين، فيما اشترط الصندوق إجراء سياسات اقتصادية إصلاحية، فيما لم يمر ثلاثة أعوام على الاتفاقية، حتى وافق المجلس التنفيذي للنقد الدولي في مايو (أيار) 2016، على قرضٍ بقيمة 2.9 مليار دولار لاستكمال الإجراءات الإصلاحية.

وفي 18 أبريل (نيسان) الماضي، قالت وزيرة المالية التونسية لمياء الزريبي إن البنك المركزي سيقلِّص من تدخلاته لخفض الدينار تدريجيًا (تعويم الدينار) وهو الأمر الذي تسبَّب في هبوطٍ كبير في قيمة العملة التونسية، وهو ما دفع كذلك رئيس الوزراء التونسي لإقالة الوزيرة.

الزريبي اعترفت أن الاتجاه لخفض الدينار يأتي ضمن نقاشاتٍ جرت مع صندوق النقد الدولي، فيما قالت إن الانزلاق الكبير والمفاجئ للدينار سيكون له تداعيات أبرزها التضخم مثلما حدث في مصر، وربما يكون استشهاد الوزيرة بتجربة مصر هو أهم ما يجب أن يقلق بشأنه التونسيون، إذ إن صندوق النقد الدولي اعترف أنه أخطأ في تقدير هبوط العملة المصرية بعد التعويم، وهو أمر يجب أن تدركه الحكومة التونسية جيدًا.

تتمثل أهم شروط صندوق النقد الدولي للحكومة التونسية، في إصلاح القطاع المصرفي وتسريح الموظفين والزيادة في الضرائب، والحدّ من ارتفاع كتلة الأجور التي بلغت 14.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار، وكل هذه الشروط ستشكل ضغطًا مباشرًا على العمال في البلاد.

ويتحمل العمال في تونس النسبة الأكبر من الجانب السلبي من الإصلاحات التي يفرضها النقد الدولي، إذ قال وزير الوظيفة العمومية إن بلاده تستهدف التسريح الاختياري لأكثر من 50 ألف موظف بالقطاع العام في إطار إصلاحات رئيسية لخفض كتلة الأجور المرتفعة بدءًا من هذا العام. ويتهم عضو البرلمان أيمن العلوي، حكومة الشاهد بأنها أداة تنفيذية لصندوق النقد الدولي الذي يريد أن يفرض على البلاد نموذجًا اقتصاديًا جديدًا يؤدي إلى زيادة الفقر.

ويصل عدد العاملين في تونس لنحو 3.4 ملايين عامل حاليًا، بحسب آخر إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء التونسي (حكومي)، في الوقت الذي تدهورت فيه القدرة الشرائية للتونسيين بأكثر من 40%، فيما لا يوفر الأجر الأدنى المقومات الأساسية للعيش، إذ كشفت إحصائياتٌ حديثة لجمعية طلبة الدكتوراه أنّ إجمالي عدد العاطلين من خريجي الجامعات يبلغ نحو 200 ألف شخص، كما تعمل النسبة الأكبر من عمال تونس في الاقتصاد الموازي، وذلك بلا ضمانات ولا عقود ولا تأمينات صحية.

المغرب: قرض للمرة الثالثة

في أغسطس (آب) 2016، وافق صندوق النقد الدولي على فتح خط سيولة للمرة الثالثة للمغرب قيمته 3.47 مليار دولار أمريكي وذلك لمدة عامين، وذلك بعد أن أبرمت المغرب ثلاث اتفاقيات مع الصندوق تحت مسمى «خط الوقاية والسيولة» بإجمالي مبلغ قيمته 14.68 مليار دولار.

وعقدت المغرب والصندوق الاتفاق الأول في أغسطس (آب) 2012 بتوفير خط وقاية وسيولة بقيمة 6.21 مليار دولار لمدة 24 شهرًا، ثم أبرما الاتفاق الثاني في يوليو (تموز) 2014 بقيمة 5 مليارات دولار.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة المغربية لتنفيذ المزيد من توصيات النقد الدولي، والتي كان آخرها الكشف عن تعويم عملة البلاد يعاني العمال أوضاعًا صعبة، إذ يصل عدد المأجورين (العمال) المسجلين لدى صندوق الضمان الاجتماعي في المغرب حوالي 3.1 ملايين شخص، من بين أكثر من 10.64 ملايين عامل، حسب المندوبية السامية للتخطيط، فيما تقل أجور العمال في الصناعة والتجارة والخدمات والبناء والأشغال العمومية، عن الحد الأدنى وهم 45% من إجمالي العمال.

ورغم أن 3.09 ملايين من العمال، لا يحظون بعقود عمل مع مشغليهم أصحاب العمل، إلا أن الأوضاع في المغرب ربما تكون أفضل من غيرها، إذ رفعت الحكومة السابقة الحد الأدنى للأجور في الوظيفة العمومية إلى 300 دولار شهريًا، غير أنه ظل في القطاع الخاص في حدود 250 دولارًا، وتعد الفروق في الأجور بين العاملين في المجالات المختلفة بالمغرب أبرز المشاكل التي يعاني منها العمال.

العراق: ثلاثة قروض وأزمة بطالة

في منتصف 2016، أقرّ المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي إقراض العراق نحو 5.34 مليار دولار، إذ يوزع القرض على 13 شريحة على مدى ثلاث سنوات حتى يونيو (حزيران) 2019، فيما وافق الصندوق في 29 يوليو (تموز) في 2015 على تقديم دعم مالي للعراق بقيمة 1.24 مليار دولار، وفي 2010، وافق كذلك على تقديم قرض للعراق بقيمة 3.6 مليار دولار، ليبلغ إجمالي القروض خلال آخر ست سنوات نحو 10.18 مليار دولار.

يقول رائد فهمي السكرتير العام للحزب الشيوعي، في تصريح لوكالة «الأناضول» أنّ: «هناك العديد من التشريعات القانونية الداعمة للعمال لم تنجز حتى الآن ومنها قانون التقاعد الخاص بالعمال، وقانون الضمان الاجتماعي، إلى جانب الدعوة لإعادة تنشيط المعامل والمصانع المتوقفة عن العمل في البلاد؛ ما تسبب في رفع نسبة البطالة».

يصل حجم البطالة بين خريجي الجامعات العراقية إلى معدلات مرتفعة وذلك بفعل تدهور أداء القطاعات الإنتاجية المختلفة وتفاقم الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد بسبب تصاعد الحرب، إذ تصاعدت نسبة العاطلين من 15% عام 2015 إلى 35% حاليًا، حسب تقارير رسمية، ويقبع نحو 4 ملايين عراقي تحت خط الفقر، وتشهد البلاد هجرة متزايدة للشباب إلى الخارج منذ مطلع عام 2014 بسبب تفاقم الحرب، في الوقت الذي لم تقدم فيه سياسات النقد الدولي أي جديد للبلاد.

الأردن.. الوضع ليس مختلفًا كثيرًا

في أغسطس (آب) 2016، أعلن صندوق النقد الدولي عن موافقته على خط ائتماني للأردن بقيمة 723 مليون دولار، على مدى ثلاث سنوات، وذلك بعد أن استفادت البلاد من خط ائتماني بقيمة ملياري دولار للفترة ما بين 2012 و2015.

وفي الوقت الذي يضغط فيه صندوق النقد على الحكومة الأردنية لفرض ضرائب جديدة لزيادة الإيرادات العامة وعلاج عجز الموازنة العامة التي فشلت الحكومات السابقة في علاجها، تشير البيانات إلى تسجيل معدلات البطالة في الأردن نسبًا غير مسبوقة، وصلت خلال الربع الأخير من العام الماضي إلى 15.8%، بحسب دائرة الإحصاءات العامة.

وكشف تقرير صدر مؤخرًا عن المرصد العمالي الأردني التابع لمركز الفينيق للدراسات الاقتصادية، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، عن أن تدهور شروط العمل في الأردن، هو نتيجة حتمية لجملة سياسات اقتصادية واجتماعية، وضعتها ونفذتها الحكومات المتعاقبة، فهي لم تساعد على خلق فرص عمل كافية لطالبيها من خريجي النظام التعليمي، ما أدى لتعميق مشكلات القوى العاملة وتعزيز اختلالات سوق العمل.

قال التقرير إن المؤشِّرات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية الحالية تشير بوضوح إلى استمرار صعوبة الأوضاع الاقتصادية، إذ أكد على التراجع الملموس في أعداد فرص العمل المستحدثة الأعوام الماضية، من نحو 70 ألفًا عام 2007 إلى نحو 48 ألفًا عام 2015، كما أن سوق العمل لا يزال يعاني من انخفاض ملموس وكبير في مستويات الأجور لغالبية العاملين في القطاعين العام والخاص.

ولفت إلى وجود فجوة كبيرة بين معدلات الأجور التي تحصل عليها الغالبية الساحقة، إذ بين التقرير أن «الوضع كارثي، فـ50.3% تبلغ أجورهم الشهرية 400 دينار فأقلّ، وكذلك 72.2% منهم تبلغ أجورهم 500 دينار فما دون». وعمومًا ربما تستمر هذه الأرقام في الانهيار مع استمرار البلدان العربية في الاستجابة لسياسات النقد الدولي، ويستمرّ العمال في دفع الضريبة باهظة، على أمل أن يحتفلوا بعيد العمال في أعوام قادمة، ربما تأتي قريبًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد