ما أن تسقط إحدى الدول النامية في شِراك العجز الماليّ، حتّى يُحضّر مسؤولو صندوق النقد الدوليّ حقيبة السفر التي غالبًا ما تحوي الأوراق والوثائق نفسها، ربما سيتغيّر اسم الدولة وبعض الأرقام فقط، لكن حلول الصندوق من أجل علاج هذه الأزمة الماليّة وقائمة الشروط والإملاءات تبقى واحدة، سواء أكان سبب أزمة هو كوارث طبيعيّة أو انخفاضًا في أسعار النفط أو فسادًا للطبقة الحاكمة؛ الثابت هو أن الملايين من المواطنين هم من سيدفعون ثمن هذه القروض التي ستأخذها الحكومة وفوائدها، بالإضافة إلى الاجراءات المعروفة التي قد تتسبّب في بطالة – وحتى مجاعة – قطاعات كبيرة من مواطني تلك الدولة.

يعلّق المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي منتقدًا هذه السياسة فيقول إذا أخذت الأرجنتين قروضًا بمعدّلات فائدة مرتفعة، فسيأتي صندوق النقد ويجبر العمّال والفلاحين الأرجنتينيين على سداد القروض من خلال سياسة «التكييف الهيكلي». عندما يأخذ سوهارتو – الرئيس الإندونيسي السابق – قروضًا خياليّة، وينتهي به المطاف باعتباره أغنى رجل في إندونيسيا أو حتى العالم، لماذا على المزارعين البسطاء دفع قروض سوهارتو نيابة عنه؟ هم لم يأخذوا القروض، ولم يستفيدوا منها بل أُرغموا على ذلك، ورغم ذلك فإنّ صندوق النقد يتأكد من أنّ أموال المقرضين ستعود إليهم بأي وسيلة.

كيف قضى صندوق النقد الدولي على نصيب الفقراء في موازنة مصر الجديدة؟

المؤسسات الماليّة الكبرى.. وصفة واحدة لجميع الأمراض

عندما تم إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سنة 1945، مباشرة بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية؛ كان الهدف المعلن من هذه المؤسّسات الماليّة العالمية هو العمل على «تعزيز الاستقرار المالي والتعاون في المجال النقدي على مستوى العالم»، لكن وبعد تتبّع آثار تدخّلات هذه المؤسسات في البلدان الناميّة خصوصًا، يتّضح وجه آخر لتعاملات مشبوهة غير تلك المعلنة، فمن خلال استخدام الشروط نفسها والحلول الماليّة نفسها في التعامل مع مختلف الدول التي تطلب القروض من هذه المؤسسات، تدفع بأجندة تخدم مصالح الشركات الكبرى وأصحاب الأموال من جهة، بالإضافة إلى الدول التي تملك نفوذًا كبيرًا داخل هذه المؤسسات بطبيعة الحال.

وتروّج هذه المؤسّسات الماليّة العالميّة لسياساتها على أنّها المنفذ الوحيد للدول التي تعاني عجزًا ماليًّا، وبتقديمها للقروض الماليّة المشروطة بتنفيذ هذه الدول المعنيّة سياساتها الليبراليّة؛ فإنها تُحكم قبضتها على الاقتصاديات الناشئة وترهن مستقبلها، وتجعل أسواقها في أيدي الشركات العالمية الكبرى بعد فتحها ورفع أيدي الدولة عن التنظيم ومتابعة السوق، مما يدخلها في منافسة غير متكافئة.

ما أن تلجأ أيّ دولة لأخذ قرض من صندوق النقد الدوليّ فإنّ الصندوق يبدأ في تشغيل الأسطوانة نفسها، وتلاوة القائمة المتكرّرة من الشروط والطلبات: إصلاحات هيكليّة في الاقتصاد تتضمّن بيع الشركات المملوكة للدولة، وتقليص الموظّفين في القطاع العمومي وتقليص رواتبهم، وفتح الأسواق للاستثمارات الأجنبيّة بلا شروط، وتشجيع الاستيراد وتقليص الدعم الحكوميّ للفئات الفقيرة، والتخلّي عن حماية العمّال والفلاحين وإضعاف النقابات.

Embed from Getty Images
جداريّة في اليونان ضدّ صندوق النقد الدولي.

ويملك البنك الدولي وصندوق النقد الحلول نفسها – أو بالأحرى الإملاءات – لجميع الأزمات الاقتصاديّة بغضّ النظر عن خصوصيّات كل دولة أو مجتمع، أو الحالة الاقتصاديّة التي تعيشها الدولة.

أحد تجليّات هذه الشروط الموحّدة التي تفرضها المؤسسات الدوليّة هو البرنامج الذي أطلقته، المسمّى «أوارق استراتيجيّة تخفيض الفقر» أو اختصارًا (PRSP)، وقد جاءت هذه الصيغة الجديدة في التمويل إثر الانتقادات اللاذعة التي تعرّضت لها المؤسسات بحكم الكوارث الاقتصاديّة التي تسببت فيها في سنوات السبعينيات والثمانينيات، بعد أن أغرقت بسياساتها وشروطها عدّة بلدان العالم الثالث في دوّامة من الديون، لم تستطع الخروج منها.

ويذكر موقع «Global Justice Now» في بحث له عن الموضوع، أنّ صيغة التمويل الجديدة هذه «PRSP» لم تأخذ بعين الاعتبار الفروقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة بين مختلف البلدان التي لجأت للاستدانة، فعلى سبيل المثال؛ طالب صندوق النقد الدولي كلًّا من: غانا، وغامبيا، ونيكاراغوا، وغينيا، ومالي، وموزمبيق، ومالاوي، سيراليون، واليمن بخصخصة قطاع المياه في هذه البلدان باعتباره شرطًا للحصول على القروض، رغم وجود هذه البلدان في مناطق جغرافيّة شديدة التنوّع وحتى في قارّات مختلفة، بالإضافة إلى طبيعة اقتصاديّاتها، التي تتباين فيها بشكل كبير حاجتها للمياه، وبالتالي قد تختلف الحلول الاقتصاديّة.

بعيدًا عن الافتراضات المسبقة.. هل صندوق النقد الدولي نعمة أم نقمة على الشعوب؟

فتح الأسواق.. تنافسٌ في ملعب مائل

حمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لواء الدعوة لفتح الأسواق للمنتجات الأجنبيّة وخصخصة القطاعات العامّة، وإلغاء الجبايات الضريبية والجمركيّة أو تخفيضها، واعتبر هذه الشروط التي يفرضها متى سنحت له الفرصة للتدخّل في شؤون البلدان التي تلجأ لها لسداد العجز، أنّها الطريق الأوحد نحو تحقيق التنمية الاقتصاديّة والقضاء على الفقر، غير مُكترث بعدم تكافؤ المنافسة الاقتصاديّة بين البلدان المتقدّمة التي تتوفّر على اقتصادات قويّة وتكنولوجيا متطوّرة وأيدٍ عاملة مدرّبة، وبين بلدان العالم الثالث التي خرج أغلبها للتوّ من حرب ضد الاستعمار، أو التي كانت تئنّ سنوات طويلة تحت وطأة الحروب الأهليّة والمجاعات والفقر المدقع، فكيف يمكن أن يتنافس الطرفان في ملعب واحد؟

الإجابة لا تعني خبراء الصندوق الموجودين في بنايات واشنطن العالية، فظروف الفقراء في البلدان التي تلجأ إلى الاستدانة هي آخر اهتماماتهم، إذ إنّ كل تركيزهم يصبّ في هدفين أساسيّين: كيف أضمن استرداد ديوني بالإضافة إلى فوائدها، وكيف أجعل البلد المُستدين «مفتوحًا» أكثر، من خلال إلغاء التدخّل الحكوميّ في ضبط السّوق أو حماية الفلاحين والعمّال، وخصخصة ما تقع عليه يد الصندوق من شركات عموميّة وخدمات اجتماعيّة كالتعليم والصحّة.

صندوق النقد في أفريقيا.. الحرب على الزراعة

سياسات المؤسسات الماليّة الكبرى التي تتعامل مع أرقام بدل التعامل مع احتياجات إنسانيّة لا تُبالي بانعكاساتها التي يراها العديد من الخبراء كارثيّة على شعوب بأكملها، فقد أشارت تقارير موثقة إلى أنّ هذه المؤسّسات قد حوّلت القارّة الأفريقية من منطقة مكتفية ذاتيًّا من الغذاء إلى دول مستوردة، وفي كثير من الأحيان: دولة تعاني من المجاعة.

في تقرير لمنظّمة «أوكسفام» غير الحكوميّة، استنتجت أنّ المؤسسات الماليّة الدوليّة قد شنّت – من خلال شروطها – «حربًا» على قطاع الزراعة، منذ الثمانينيات، تاريخ التزام عدّة دول أفريقيّة بسياسات الصندوق، حتى أوائل الألفيّة الجديدة تضاعفت نسبة الفقراء الذين يعيشون على أقلّ من دولار واحد في اليوم لتصل إلى أكثر من 300 مليون شخص، كما أشار التقرير إلى أنّ القارّة التي تعاني اليوم في مناطق كثير من أزمة الغذاء، وحتى من المجاعة في أحيان كثيرة، رغم أنّها كانت في الحقيقة مع نهاية الستينيات تصدّر أكثر من مليون طنّ من الغذاء لمختلف أرجاء العالم سنويًّا.

«ذي أتلانتك»: 10 مليار إنسان مهددين بالمجاعة.. كيف سيساعدهم العلم؟

لا يمكن استيعاب هذا التناقض دون التساؤل عن الأسباب الحقيقيّة لهذا التحوّل الجذريّ، من تصدير الغذاء للعالم، إلى الموت بسبب المجاعة. وقد أشار تقرير للجارديان البريطانيّة إلى أنّ سياسات صندوق النقد الدوليّ قد «أدّت بمالاوي إلى المجاعة»، فالدولة الأفريقيّة التي قرّرت – تحت ضغط الصندوق – خصخصة قطاع البذور وتحريره من يد الدولة التي كانت تنظّم الأسعار وتضمن اكتفاءً ذاتيًّا من البذور، وجدت نفسها في سنة 2002 أمام مجاعة هي الأسوأ منذ 1949. وقد بلغت خدمات ديون مالاوي في تلك السنوات 70 مليون دولار أمريكيّ، أو ما يمثّل 20% من ميزانيّة الدولة، وهو ما يمثّل أكثر من ميزانيّة الصحّة والتعليم والزراعة مجتمعة، في بلد ما زالت أوضاعه الاقتصاديّة معلّقة بيد دائنيه، وتقلّبات الأحوال الجويّة.

Embed from Getty Images
لكن ما يثير الدهشة في الحالة المالاويّة هو أنّه في الوقت الذي يعاني فيه أكثر من ثلث السكّان من سوء التّغذية وحتى المجاعة، فإن محصول التبغ قد أصبح يشكّل 40% من صادراته، فبسبب السياسات المفروضة من البنك الدولي وصندوق النقد بعد استفادة مالاوي من قروض هذه المؤسسات، والتي تنصّ على فتح الأسواق والخصخصة، ومنع الدولة من التدخّل في ضبط السوق الزراعيّة، وحتى الحرص على استغلال الأراضي الأكثر مردوديّة في زراعة محاصيل من شأنها إنهاء المجاعة وضمان الأمن الغذائيّ كالأرز والقمح والذرة؛ أصبحت الأولوية لاستغلال هذه الأراضي من أجل جني السلعة التي تدرّ مداخيل أكثر بعد تصديرها: «التبغ»، دون الأخذ بعين الاعتبار قضايا الأمن الغذائيّ ومحاربة المجاعة وسوء التغذية، المهم هو الحصول على العملة الأجنبيّة.

لعبة الحرب والدولارات: جرائم إمبراطورية التبغ العالمية في أفريقيا وسوريا والعراق

وبذلك تحولت مالاوي إلى مجرّد أراضٍ زراعيّة يتحكّم فيها لوبي السجائر العالميّ ويحرص على مصالحه التجاريّة بشكل قانونيّ تمامًا، بفضل السوق المفتوحة التي فرضتها المؤسسات الماليّة العالميّة. ومن أجل أن يدخّن الأوروبيّ أو الأمريكيّ السجائر بأرخص سعرٍ ممكن، لا بأس أن يجوع الملايين في مالاوي وغيرها من البلدان النامية التي زارها مسؤول من صندوق النقد.

جدير بالذكر أن مالاوي مثلت بعد ذلك تجربة ناجحة في محاولة الخروج من عباءة إملاءات المؤسسات الاقتصادية الدولية، وهو ما نشرحه بالتفصيل في تقرير آخر بهذا الملف.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد