حالة من الغموض والارتباك تلف ملف الغرقى الفلسطينيين الذين هاجروا بطريقة غير شرعية من قطاع غزة عبر شواطئ بحر مدينة الإسكندرية في مصر، وصولاً إلى سواحل إيطاليا، ليحول مصيرهم إلى الغرق، رغم تلقي الجهات المسؤولة عن هجرتهم استغاثة باحتمال غرق المركب، لكن “لا حياة لمن تنادي”!

وبعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة استمرت رحلات الخروج بشكل متقطع نحو الأراضي المصرية، ومن ثم التوجه صوب أوروبا، فالحرب دعّمت فكرة الهجرة لدى الكثيرين “ليس خوفًا من الموت، بل للبحث عن فرص عمل، بعدما ضاقت الأرض بما رحبت عليهم، وسط حصار إسرائيلي خانق من شتى الجهات منذ ثماني سنوات متواصلة”.

وبالتالي، لا معابر مفتوحة في قطاع غزة، من شأنها أن تيسر عمل الفلسطينيين، وتوفر لهم لقمة عيش كريمة، لكن ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الخريجين، وفقدان الأمل منذ سنوات عديدة في إيجاد فرصة عمل، بالتزامن مع هذه الظروف القاسية سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، شكلت دوافع قوية للبحث عن طرق غير مشروعة للخروج من القطاع.

فحتى الآن، لا إحصاءات دقيقة حول أعداد من غادروا غزة، بحثًا عن الاستقرار والأمن الوظيفي، ولا أعداد من غرقوا ومن نجوا، لينتاب ذويهم شعور بالقلق والخشية، على مصيرهم المفقود، حتى الآن. فبين لحظة وأخرى، يعلن من قبل مصادر أوروبية عن وفاة عائلة وأطفالها، أو شاب، أو أم وطفليها!

 

إغاثة ولا مجيب

 

رئيس المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بغزة، رامي عبدو قال: “إنه طبقًا لما لدينا من إفادات، فإن المركب الذي يحمل عددًا كبيرًا من الغزيين، انطلق مساء السبت الماضي 6 سبتمبر من الإسكندرية باتجاه الشواطئ الإيطالية”.

وبينت الإفادات أن المركب يحمل 400 راكب، العشرات منهم من غزة أو من العريش لكن أصولهم من غزة، وعلى متن القارب عائلات كاملة، بين هذه العائلات عائلة تتكون من 30 إلى 35 شخصًا كانت تقيم في العريش وخرجت من غزة عام 2007.

وأشار عبدو إلى أن هناك العشرات من الأفراد خرجوا من غزة خلال الأسابيع الماضية معظمهم من جنوب القطاع، مضيفًا: “القارب تعرض يوم الأربعاء الماضي لاصطدام متعمد من سفينة شحن على متنها 6 أشخاص”.

وأضاف: “تناثر ركاب المركب على عرض البحر، ومنهم من توفي على الفور، ومنهم من تماسك لساعات، قبل أن تأتي خفر السواحل من دول نعتقد أنها متعددة، عملت على انتشال بعضهم”، مؤكدًا أنه لا يوجد لديهم أرقام بالأحياء ولا بالوفيات، ولكنهم يعملون على التواصل مع السلطات في كل من إيطاليا واليونان وتركيا بالخصوص.

وبين أن هناك قاربًا آخر نقلت السلطات المصرية أنه غرق مساء الجمعة/ صباح السبت على متنه عدد من الفلسطينيين، تقول السلطات المصرية أن من الوفيات 15 فلسطينيًّا.

وعن القارب الذي خرج من بنغازي الليبية مطلع الأسبوع الماضي، بين عبدو أن المرصد تلقى نداء استغاثة وعملوا على التواصل مع الجهات المعنية، خاصة أن القارب أقرب للمياه الإقليمية الليبية، وعلى متنه عدد قليل من سكان غزة نحو 10 إلى 15 حسب ما حصل على معلومات.

وأشار إلى أنه انقطع الاتصال بالقارب، فيما أعلنت السلطات الليبية عن غرق قارب آخر قبالة تاجوراء على متنه أفارقة، ولا يوجد عليه أي فلسطيني.

وتعقيبًا على ذلك، قالت مصادر مصرية عسكرية “خفر السواحل” إن قواتها قد تلقت إشارة استغاثة بغرق مركب يدعى “أبو عثمان” قبالة منطقة شاطئ العجمي بالإسكندرية، وقد توجهت قوات البحرية ومروحية عسكرية وقوات حرس الحدود إلى مكان الحادث؛ فتبين اصطدام المركب بحجر صخري كبير أدى إلى غرقها وقد تم انتشال جثث 15 فلسطينيًّا.

 

حراسات مشددة

 

وبينما تم إنقاذ 72 فلسطينيًّا بعد انتشالهم من المياه، علاوة على إنقاذ أعداد أخرى من سوريا ومصر تبين أنهم كانوا متوجهين إلى إيطاليا في هجرة غير شرعية، فضلاً عن أن جميع الأحياء الذين تم إنقاذهم، قد تم نقلهم إلى أحد المستشفيات بالإسكندرية تحت حراسة أمنية مشددة، تمهيدًا إلى ترحيلهم مرة أخرى لغزة بعد أن تبين أنهم تسللوا عبر الأنفاق.

ونقل عن أحد الناجين من سكان غزة، قوله: “عصر الأربعاء من الأسبوع الماضي كان متبقيًا لوصول قاربنا إلى شاطئ إيطاليا يوم ونصف فقط، قبل أن ترتطم به سفينة كبيرة على متنها 6 أشخاص بشكل متعمد، وتترك ركاب القارب الصغير يغرقون في عرض البحر، لتتوزع العائلات في مشهد مروع”.

وأضاف رئيس المرصد الأورومتوسطي بغزة رامي عبدو نقلاً عن أحد الناجين: “إن هذا الغزي الناجي والمتواجد الآن في أحد المستشفيات اليونانية احتضن طفله أثناء غرق القارب في عرض البحر، ثم ما لبث أن فقد أطفاله وزوجته، دون أن يعرف مصيرهم حتى اللحظة”.

وأشار إلى تدخل خفر السواحل من جهات متعددة لإنقاذ بعض المهاجرين الذين بقوا على قيد الحياة، بعد أيام عدة من غرق المركب، إضافة إلى انتشال جثت الغرقى، حيث وزعوا جميعًا جثثًا وأحياءً ما بين إيطاليا واليونان وتركيا.

ولفت إلى أن لديهم عشرات الأسماء لعوائل من القطاع مفقودة حتى اللحظة، مبديًا خوفه من غرق مركب آخر خرج من مدينة بنغازي قبل أيام متوجهًا إلى إيطاليا وعلى متنه عشرات العائلات السورية والفلسطينية.

وذكر أن خللاً وقع في المركب أدى إلى تسرب المياه داخله، الأمر الذي دفع ربانه إلى توجيه نداء عاجل لإنقاذهم قبل غرق المركب في عرض البحر وفوات الآوان، منوهًا إلى إجراء اتصالات عاجلة مع السلطات الليبية والإيطالية للتدخل، وإنقاذ المتواجدين على متن القارب.

وقال عبده: “المقلق أن القارب متواجد في عرض البحر وهو أقرب إلى السواحل الليبية، لكن خفر السواحل الليبية ليس لديه القدرة والإمكانات والمعدات المتطورة للتدخل العاجل وبالشكل المطلوب لإنقاذ المركب، ونحاول الاتصال مع السلطات اليونانية والإيطالية للتدخل”.

سماسرة معروفون!

 

مواطنون في غزة كشفوا لصحيفة “القدس العربي” أن هناك شخصيات وسماسرة معروفين يقومون بعملية الترتيب إلى عمليات الهجرة “غير الشرعية”، من خلال إخراج الراغبين بالهجرة عن طريق أحد أنفاق التهريب جنوب قطاع غزة إلى الجانب المصري من الحدود، ومن هناك يجري نقلهم إلى مدينة الإسكندرية محطة الانطلاق، ليتولى أمر سفرهم أشخاص معروفون.

وبالعادة تتم عملية الهجرة لسكان من غزة ميسوري الحال قليلاً، حيث لا يستطيع عامة السكان الفقراء على تكاليف رحلة السفر.
وحسب المعلومات التي حصلت عليها الصحيفة يتم إيصال هؤلاء المهاجرين بعد عبورهم الحدود المصرية إلى مدينة الإسكندرية، وهناك يجري استقبالهم واستضافتهم حتى موعد تحرك المركب، الذي ينطلق كلما اكتمل عدد أفراد الرحلة.
وتبلغ كلفة الشخص الواحد في أغلب الأوقات للوصول إلى أوروبا من قطاع غزة نحو خمسة آلاف دولار أمريكي، يأخذ صاحب المركب تقريبًا نصف هذا المبلغ، في حين يذهب الجزء الآخر إلى تكاليف السفر إلى مصر والدخول إلى مدينة الإسكندرية، وينطلق هذا المركب الصغير الذي يضم عادة مهاجرين من غزة ومن سوريا ومن العراق وأفارقة إلى إيطاليا، حيث يرسو في المياه الإقليمية هناك. ويبلغ السلطات وخفر السواحل الإيطالي عن حمولته من المهاجرين غير الشرعيين الذين يتم إنقاذهم ومن ثم يتقدمون بطلبات اللجوء.
ومن إيطاليا ينطلق هؤلاء المهاجرون إلى بلدان أوروبية أخرى كالنرويج أو السويد أو بلجيكا، حيث يطلبون اللجوء.
وعلمت أيضًا أن عددًا من المهاجرين الذين تركوا غزة خلال الحرب وصلوا بعد مغادرتهم القطاع بأسبوع إلى محطتهم الأخيرة في بلدان أوروبية بعد أن حطوا في إيطاليا.
وفي تلك البلدان جرى تسكينهم في مخيمات خاصة، قبل أن يسمح لهم بالمغادرة والإقامة حتى البت في أمر طلبات اللجوء.
وانتشرت مؤخرًا لقطات مصورة وزعها شبان هاربون على شبكات الإنترنت تظهر رحلة إبحارهم من الإسكندرية إلى إيطاليا، فيما تُظهر صورٌ أخرى آخرين بعد أن حطت أقدامهم على الأراضي الإيطالية.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد