تتجه أنظار العديد من الشباب العرب نحو تركيا محاولةً للذهاب بطريقة غير شرعية إلى الدول الأوروبية عبر بوابة اليونان، بعد فتح العديد من البلدان مطاراتها للمسافرين عقب الإغلاقات التي حدثت نتيجة جائحة كورونا، لكن مع اتخاذ الحكومة اليونانية مجموعة من الخطوات ردًا على قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في فبراير (شباط) الماضي بفتح الحدود التركية أمام المهاجرين، أبرزها نشر القوات على الحدود، وتعليق طلبات اللجوء، والتعهد بترحيل أولئك الذين يدخلون إلى اليونان بشكل غير قانوني، بالإضافة إلى الأهم وهو التجهيزات العكسرية الحديثة التي أعدتها اليونان على حدودها أصبحت الهجرة من تركيا إلى اليونان أقرب إلى الانتحار.

سابقًا، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقريرها الصادر بشهر مارس (آذار) الماضي، إن قوات الأمن اليونانية ومُسلّحين مجهولين على الحدود البريّة بين اليونان وتركيا اعتقلوا طالبي لجوء ومهاجرين وعنفوهم، واعتدوا عليهم جنسيًّا، وسرقوهم، وجرّدوهم من ملابسهم، ثم أجبروهم على العودة إلى تركيا، فيما أشاد مسؤولون كبار في الاتحاد الأوروبي بإجراءات مراقبة الحدود اليونانية، وقدّموا لها الدعم عبر الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية «فرونتكس».

أسلحة عسكرية لمنع تدفق المهاجرين إلى اليونان

انخفضت أعداد القادمين من تركيا إلى اليونان «الهجرة غير الشرعية» بنسبة 76% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، على وجه الخصوص، ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2019، وصل 39797 مهاجرًا وطالب لجوء غير شرعيين إلى اليونان، بينما وصل في الفترة المماثلة من هذا العام، من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر، 9437 فقط، بانخفاض قدره 76%. وإذا حددنا الفترة الزمنية بسبعة أشهر، أي من مارس إلى سبتمبر، فسيكون الانخفاض 89%.

وأشار خبراء لموقع «Greek City Times»، أن سبب الانخفاض يعود إلى الإغلاقات التي تسببت بها جائحة «كورونا»، إضافة لدوريات الجيش اليوناني التي تجري عبر الجزر على مدار 24 ساعة، والتي ترافقت مؤخرًا بنشر أجهزة عسكرية لمقاومة القادمين، حيث وضعت السلطات اليونانية جهازين صوتيين إلكترونيين في منطقة نهر «مريج» على الحدود البرية التركية- اليونانية، لمنع اللاجئين من دخول الأراضي اليونانية.

نظام التحفيز الصوتي النشط الطويل المدى (LRAD)، الذي ينتج قنابل صوتية ولديه القدرة على إفقاد الناس حاسة السمع، سلم إلى خدمة الشرطة اليونانية (ELAS) على الحدود التركية-اليونانية، حيث تستخدم أنظمة «LRAD» في المناطق المدنية والعسكرية حول العالم، وهو سلاح صوتي يبث موجات صوتية تبلغ شدتها «162 ديسبل»، ما يسبب صدمة وآلامًا ومشاكل صحية غير مؤكدة.

وقبل استخدام أجهزة الصوت العسكرية، اتخذت السلطات اليونانية عبر السنوات السابقة إجراءات صارمة عديدة؛ للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى أراضيها كان آخرها، إعلان وزير «حماية المواطنين» ميشاليس خريسوشويديس في البرلمان اليوناني، عن قرب الانتهاء من إكمال بناء سياج في جزء من الحدود اليونانية- التركية، بميزانية تبلغ نحو 63 مليون يورو، بعد أشهر من فتح تركيا حدودها مع اليونان أمام اللاجئين الراغبين بالهجرة، حيث زود الجدار البالغ طوله 27 كيلومترا، بثمانية مراصد مرتفعة للجيش اليوناني، كما يُعزز السياج الحالي بآخر فولاذي بارتفاع 4.3 مترا بدلًا من 3.5 مترا.

ويقع الجدار في منطقة «نهر إيفروس» الممتدة على طول 194 كيلومترًا من أصل 206 كيلومترات من الحدود البرية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، وهو أحد طرق العبور التي يسلكها المهاجرون، ولا تشمل اتفاقية اللجوء بين الاتحاد الأوروبي وتركيا عام 2016 هذه الحدود، إذ تسمح الاتفاقية بإعادة المهاجرين السوريين الذين يصلون بشكل غير شرعي إلى اليونان عن طريق البحر إلى تركيا.

من ناحية أخرى، نصبت الحكومة اليونانية حواجز أسمنتية بارتفاع متر ونصف عند مدخل معبر «كاستينس» اليوناني المقابل لمعبر «بازار كوله التركي»، لإحباط محاولات دخول طالبي اللجوء إلى اليونان، إضافة لاستخدامها مؤخرًا تقنية المراوح الهوائية المثبتة على مركبات عسكرية لزيادة فاعلية القنابل المسيلة للدموع التي تلقيها على القادمين من الأراضي التركية، ولجأت القوات اليونانية إلى استخدام المراوح بعد تغيير الرياح وجهتها نحو الأراضي اليونانية، بعكس جهة تجمع اللاجئين، وفقًا لما نقلته وكالة «الأناضول» التركية حينها.

أما على الجهة البحرية، ففي بداية عام 2020، أعلنت وزارة الدفاع اليونانية، نيتها إنشاء حواجز بحرية عائمة مؤلفة من شباك تشكل حاجزًا بطول 2.7 كيلومتر وارتفاع 1.1 كيلومتر، لمنع وصول المهاجرين القادمين إلى اليونان من تركيا عبر بحر إيجه، وسيطفو قسم من الشبكة بطول 50 سنتيمترًا على وجه الماء حاملًا أضواء كاشفة.

استخدام السكان في أعمال العنف

لجأت القوات اليونانية للسماح لبعض القرويون من البلدات الحدودية بتشكيل دوريات مدنية للقبض على المهاجرين، إذ أقام سكان الجزر حواجز على الطرق لمنع المهاجرين من الوصول إلى مخيمات اللاجئين، واعتدى آخرون جسديًا على عمال الإغاثة والصحفيين، واتهموهم بمساعدة المهاجرين، ففي الفترة من 28 فبراير إلى الثالث من أغسطس (آب) من هذا العام ، مُنع أكثر من 60 ألف مهاجر غير شرعي من دخول اليونان من منطقة «إيفروس»، بحسب وزير الدفاع الوطني اليوناني، نيكولاوس باناجيوتوبولوس.

يبدو أن بعض الجماعات الأكثر عنفًا قد تم حشدها من قبل متطرفين يمينيين، ومن الواضح أن هذه الحركة المشكلة ضد المهاجرين تتمتع بدعم اجتماعي أوسع في المناطق الحدودية، حسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فبعض المزارعين الغاضبين حشدوا آلياتهم كل منها مزين بعلم يوناني صغير، وأعلنوا أنهم مستعدون للقتال من أجل حماية البلاد، فبالنسبة لهؤلاء تعتبر مسألة حراسة حدود اليونان ضد تركيا فخر وواجب وطني، حتى أن بعضهم ينتمون إلى الحرس الوطني المؤلف من مدنيين مدربين، ويحملون أسلحة صادرة عن الدولة ويمكن حشدهم في حالة الطوارئ الوطنية.

سياسة

منذ 5 سنوات
خفر السواحل اليوناني يحاول إغراق قارب لاجئين (فيديو)

وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها شهر أغسطس الفائت، عن حالات أجبرت فيها القوات البحرية اليونانية مهاجرين على ركوب قوارب النجاة في البحر الأبيض المتوسط، وتركوا في عرض البحر دون إرشادهم لطريق العودة، وهو ما أشارت إليه هيئة رقابية مستقلة في النرويج تحت اسم «Aegean Boat Report»، أنها وثقت مئات الحالات منذ مارس من العام الحالي أرجعتها القوات اليونانية في بحر إيجه، وفي المقابل اتهمت الشرطة اليونانية 33 عضوًا في منظمات غير حكومية بمساعدة مهربي المهاجرين من خلال تقديم معلومات سرية عبر مجموعات مغلقة وتطبيقات الإنترنت، تحت ستار العمل الإنساني.

وتفيد تقديرات المنظمة الدولية للهجرة بأن 728 مهاجرًا لقوا حتفهم حتى الآن خلال العام الجاري فقط خلال عبورهم البحر الأبيض المتوسط منهم 91 في قرب الجزر اليونانية، يأتي عدد الوفيات المسجل في عام 2020 أقل بكثير مقارنة بأعداد الوفيات منذ خمس سنوات، وذلك بسبب إغلاق المطارات والمعابر الدولية التي حدثت بسبب تفشي وباء كورونا، إذ يُعتقد أن ما يقارب 17318 شخصًا لقوا حتفهم في البحر المتوسط منذ عام 2014، حيث حاول ما يقارب 25 ألف شخص خلال هذا العام العبور إلى اليونان عبر البحر وتوفي منهم 91 شخصًا، بزيادة 20 شخص عن العام السابق، حيث حاول 105 آلاف شخص العبور نحو الجزر اليونانية وتوفي منهم 71 شخصًا.

وتشير الأرقام الصادرة من الأمم المتحدة أن أعداد اللاجئين في اليونان بلغ 121400، 93700 قدموا في البر الرئيسي و27700 شخص عبر البحر موجودين بمخيمات على الجزر اليونانية، كما شهد شهر أغسطس الفائت، تسجيل وصول 1050 شخصًا معظمهم إلى جزيرة ليسفوس، مما رفع إجمالي عدد الوافدين في عام 2020 إلى 12000، غالبيتهم من أفغانستان (40%)، وسوريا (25%)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (9%)، وكانت نسبة النساء (23%) والأطفال (37%) بينما 40% هم من الرجال.

أوروبا تتغاضى عن «عمليات الإبادة»

انتقد ائتلاف اليسار الراديكالي اليوناني المعارض«سيريزا»، في مارس الفائت، استخدام السلطات اليونانية القوة المفرطة ضد اللاجئين العالقين على الحدود اليونانية-التركية، كما اتهم السلطات اليونانية بالقيام بـ«عمليات الإبادة» واسعة ضد اللاجئين الموجودين في الجزر اليونانية وعلى الحدود، وكذلك ضد العاملين في المنظمات الدولية التطوعية هناك، معبرًا عن استيائه من الطريقة التي تتعامل بها السلطات اليونانية مع اللاجئين.

من جهة أخرى، اتهمت نادية هاردمان، الباحثة والمدافعة عن حقوق اللاجئين في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الاتحاد الأوروبي بالاختباء خلف انتهاكات قوات الأمن اليونانية، دون مساعدة اليونان على حماية طالبي اللجوء ونقلهم بأمان إلى أماكن أخرى داخله، كما وجهت مطالبة للاتحاد الأوروبي بحماية الأشخاص المحتاجين وليس دعم القوات التي تضرب طالبي اللجوء والمهاجرين وتسرقهم وتجرّدهم من ملابسهم وتعيدهم عبر النهر.

عربي

منذ سنة واحدة
«تجارة بأرواح المقهورين».. كواليس «مافيا التهريب» على الحدود السورية التركية

تظهر دراسة استقصائية أجراها «Pew Research Center» في ربيع 2018، أن حوالي سبعة من كل 10 يونانيين (69%) يؤيدون استقبال اللاجئين من البلدان التي يفر فيها الناس من الحرب والعنف، ومع ذلك، قالت الغالبية العظمى من اليونانيين (92%) إنهم لا يوافقون على الطريقة التي يتعامل بها الاتحاد الأوروبي مع قضية اللاجئين، في الوقت نفسه، أعرب اليونانيون عن معارضتهم لزيادة الهجرة، فردًا على سؤال منفصل تم طرحه في نفس الاستطلاع، قال 82% من اليونانيين إنهم يريدون عددًا أقل من المهاجرين أو لا يريدون أي مهاجرين إضافيين للانتقال إلى بلادهم، لأنهم يشكلون عبئًا على بلادهم، ولأنهم يأخذون الوظائف والمزايا الاجتماعية، لكن 10% فقط من اليونانيين اتخذوا الموقف المعاكس المتمثل في أن المهاجرين يجعلون بلادهم أقوى بسبب عملهم الشاق ومواهبهم.

لا يغيب عن أذهان السوريين صورة الطفل آلان الكردي المقذوف على شواطئ تركيا بعد غرق القارب الذي استقله والداه في أمل الهجرة للهروب من الحرب في سوريا، ولم تقف حركة المهاجرين بعد ذلك حتى اللحظة، ولكن لاحقًا اتخذت السلطات اليونانية إجراءات صارمة لمنع تدفق المهاجرين كما بينا كان آخرها وضع أجهزة عسكرية صوتية قد تؤدي للصمم، إضافة لتزويد بعض المواطنين اليونانيين بأسلحة على الحدود لمساعدة القوات الأمنية اليونانية في منع ولوج المهاجرين غير الشرعيين نحو الأراضي اليونانية، كما انتهجت القوات البحرية اليونانية سياسة منع المهاجرين القادمين عبر القوارب من الوصول إلى الجزر اليونانية، دون توجيههم نحو الطريق الصحيح فيتركونهم في عرض البحر نحو المجهول، هذة الطرق وغيرها تدعو للقلق في طرح فكرة الهجرة عبر اليونان؛ لأنها ستكون أقرب إلى خطوة نحو الانتحار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد