مطلع يناير من العام الجاري تواترت تقارير إسرائيلية حول ارتفاع هجرة يهود العالم من دول أوروبا وأمريكا تحديدا إلى إسرائيل، كخطوة من صناع القرار إلى تكريس ما يسمى بـ” الوجود الإسرائيلي” فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو تم ملاحظته على أرض الواقع مؤخرا.

في المقابل، ولاسيما في سبتمبر من العام الماضي وأوائل الشهر الجاري تراجعت معدلات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، والتي حافظت على معدلها الديمغرافي خلال تواجدها منذ عقود عدة، فكانت فرنسا من أوائل الدول في الوقت الحالي شاهدة على انخفاض الهجرة.

عام 2014 لفتت آخر احصائية إلى أن عدد اليهود المنتشرين في أرجاء العالم بلغ نحو 14 مليون يهودي لكن قد يصل عدد أصحاب “حق الهجرة” لإسرائيل بناء على قانون “حق العودة ” 23 مليون شخص.

فمعرفة أسباب تراجع معدلات الهجرة في الوقت الحالي في بعض الدول، ورصد آخر الأرقام، فضلا عن تأثير ذلك على المجتمع الإسرائيلي هي أبرز محاور التقرير التالي.

أولا: ما السر في تراجع معدلات هجرة اليهود إلى إسرائيل؟

NOGENT-SUR-MARNE, FRANCE - FEBRUARY 22: many French Jews make aliyah, the Hebrew term applied to emigrate to the Promised Land, Israel, the family on February 22, 2015 in Nogent-sur-marne, France. (photo by Enrico Dagnino/Paris Match via Getty Images)

أبرز ما يقلق إسرائيل والحركة الصهيونية هو أن أعداد يهود العالم في تراجع مستمر، بفعل الزواج المختلط مع أديان أخرى، وهي في الغالب تخلق أجيالا لا ترتبط بغالبيتها الساحقة مع اليهودية.

حيث أن اليهودي هو من والدته يهودية بغض النظر عن هوية والده الدينية، وعادة يتبع الأبناء ديانة والدهم، فإن كان والدهم يهوديا، ووالدتهم ليست كذلك، فهم لا يعتبرون يهودا، وإذا كانت الحالة عكسية، فهم لا يعتبرون أنفسهم يهودا، باستثناء نسبة ضئيلة.

وبحسب التقديرات تتراوح نسبة الزواج المختلط في أوروبا ما بين 33% إلى 75%، حسب الدولة التي يقيمون فيها.

ومن بين الأسباب التي تمنع استقدام أبناء الديانة اليهودية في العالم وهجرتهم إلى إسرائيل، هي الظروف الاقتصادية، أو الأمنية وانعدام الاستقرار، فضلا عن وجود قناعات معظم يهود العالم أن إسرائيل ليست موطنهم.

وهذا يعني أن إسرائيل والمعاهد الصهيونية الاستراتيجية تواصل وضع مخططات لإخراج مشروع هجرة اليهود إلى إسرائيل من وضعيته الحالية، وإحداث قفزة كبيرة في الهجرة في السنوات القليلة المقبلة.

ثانيا: لماذا ارتفعت الهجرة في السنوات القليلة الماضية؟

في أوائل شهر مايو الماضي ارتفعت الأرقام الإحصائية لهجرة اليهود إلى إسرائيل لأكثر من 40٪، بسبب الزيادة في الهجرة من أوكرانيا وروسيا، وليس كما كان يعتبر الكثيرون بأن الهجرة تأتي في الأغلب من أوروبا الغربية بسبب الهجمات الأخيرة ضد اليهود في العاصمة الفرنسية باريس.

ومن بين الأسباب أيضا معاداة السامية وتدهور الوضع الاقتصادي، وعوامل اجتماعية أخرى في الدول التي يعيشون داخلها.

ويشار إلى أنه قد وصل إلى إسرائيل بين شهري كانون الثاني وآذار في العام الحالي 6،499 يهوديا، غالبيتهم من أوروبا، بينما 1،971 مهاجرا قد وصلوا من أوكرانيا في الأشهر الثلاث الأولى من العام الحالي.

كل ذلك ساهم في زيادة بنسبة 215٪ حيث كان عدد المهاجرين في الأشهر الثلاث الأولى من العام الماضي 625 مهاجرا، فيما عدد المهاجرين من روسيا فقد ارتفع بنسبة 50٪ حيث وصل إسرائيل 1،515 مهاجرا.

وارتفعت نسبة المهاجرين اليهود من فرنسا بنسبة 11٪ أي زيادة بـ 1،413 مهاجرا، حيث وصل إسرائيل 7000 مهاجر في العام 2014، الأمر الذي جعل فرنسا أكبر مصدر للمهاجرين إلى إسرائيل.

ويعيش في فرنسا ما يقارب نصف مليون يهودي، ما يجعل فرنسا تضم ثاني أكبر جالية يهودية في العالم بعد الولايات المتحدة.

أما الارتفاع في هجرة اليهود من بريطانيا في الربع الأول من العام الحالي فقد كان بنسبة 43٪، لكن العدد ليس كبيرًا مقارنة بالدول الاخرى حيث كان عددهم فقط 166 مهاجرًا. ومع وجود 300 ألف يهودي في بريطانيا، فان هذا الرقم لا يعتبر كثيرًا من الناحية الإحصائية.

والهجرة من أمريكا الشمالية قد انخفضت بنسبة 7٪، حيث وصل إلى إسرائيل فقط 478 مهاجرا في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي.

وتظل الهجرة من دول شرق أوروبا وروسيا هي الأعلى، فإنها تنخفض بشكل حادّ أكثر من غيرها، وتليها نسبة اليهود الأمريكيين ثم الإثيوبيين وبعدهم من يهود فرنسا ثم يهود أوكرانيا وبريطانيا.

والمعروف أنه مقابل الانخفاض في عدد القادمين إلى إسرائيل، فإنّ هناك مشكلة الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى الخارج، فمنذ مطلع القرن الواحد والعشرين وميزان الهجرة يشير إلى فارق سلبيّ، حيث إن عدد المهاجرين من إسرائيل يزيد عن عدد القادمين إليها.

ثالثا: متى شهدت إسرائيل موجات هجرة من الداخل؟

سجلت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل العام الماضي 2004 أقل بقليل من 21 ألف مهاجر، وهذا يشكل تراجعا كبيرا للعام الثالث على التولي، مقارنة عما كان عليه منذ مطلع سنوات التسعين وحتى العام 2000.

و معدل الهجرة إلى إسرائيل للسنوات القليلة الماضية يشبه أعداد المهاجرين في سنوات الثمانين، حين تراوح معدل المهاجرين سنويا بين 9 آلاف إلى 20 ألف مهاجر.

وحسب معطيات دائرة الإحصاء الإسرائيلية وفقا للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية” مدار” فإن إسرائيل شهدت موجتي هجرة ضخمتين، مقارنة مع سنوات أخرى، وكانت الأولى ما بين العام 1948 والعام 1951، والثانية بين الأعوام 1990 و2000، بينما كانت أضعف هجرة بين سنوات 1980 و1989.

وتفيد معطيات الدائرة ذاتها أنه ما بين العام 1948 والعام 1951 هاجر إلى إسرائيل حوالي 688 ألف مهاجر وبين العام 1952 والعام 1959 هاجر إلى إسرائيل حوالي 272 ألف مهاجر، وفي كل سنوات الستين 374 ألف مهاجر، وفي سنوات السبعين 346 ألف مهاجر، وانخفضت الهجرة بشكل حاد في كل سنوات الثمانين إلى حوالي 154 ألف مهاجر.

بينما في سنوات التسعين، أي من العام 1990 وحتى العام 1999 ، فقد هاجر إلى إسرائيل 956 ألف مهاجر، وأكبر هذه الهجرات كان في العام 1990 حين وصل إلى إسرائيل حوالي 200 ألف مهاجر، وفي العام التالي 176 ألف مهاجر، ولاحقا كان المعدل في حدود 74 ألف مهاجر.

وكان أولى علامات الانخفاض في الهجرة في العام 2000 حين انخفضت الهجرة إلى 60 ألف مهاجر، وبعدها بعام 2001 وصل إلى إسرائيل أكثر بقليل من 43 ألف مهاجر وانخفض العدد في العام 2002 إلى أكثر من 33 ألفا، وفي العام 2003 إلى 23 ألفا، والعام الماضي 2004 إلى أقل بقليل من 21 ألفا.

وفي العام الماضي، ولأول مرة منذ بدء الهجرة الكبرى من روسيا وجمهورياتها، كانت نسبة المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي السابق أقل من 50% ووصلت إلى حضيض جديد، إذ كان 53% (11 الفا) من المهاجرين في العام الماضي قد هاجروا من اوروبا.

في حين أن 12% هاجروا من الجمهوريات الآسيوية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي، و19% من أفريقيا (إثيوبيا بالأساس وجنوب أفريقيا) و16% من الولايات المتحدة وأستراليا، وهي معدلات تشابه معدلات العام 2003.

بينما سجلت معدلات الهجرة اليهودية لإسرائيل انخفاضا بنسبة 2% منذ العام2011، حيث دخل “الدولة العبرية” حينها 16557 مهاجر فقط، بينما في عام 2013 تخوفت وزارة المهجر الصهيونية من انخفاض حاد بمعدلات الهجرة اليهودية سببها عزوف اليهود عن الهجرة لإسرائيل وتفضيلهم الهجرة للولايات المتحدة الأمريكية.

وتم اعتماد خطة خلال السنوات الثلاث القليلة الماضية والعام الجاري والمقبل لزيادة أعداد المهاجرين اليهود سنويًّا بحيث يكون الرقم تصاعديا، من 6 آلاف في العام 2014 إلى 12 ألفًا في العام 2015 إلى 24 ألفًا في العام 2016.

رابعا: ما هي أبرز الدول تراجعا في معدلات الهجرة؟

فرنسا

في الوقت الحالي تصدرت فرنسا قائمة الدول الأوروبية الأكثر تراجعا في معدلات الهجرة إلى إسرائيل، حيث أعلنت وزارة الهجرة الإسرائيلية أن عدد المهاجرين من اليهود الفرنسيين الذين وصلوا إلى إسرائيل تراجع بنسبة 15.1% منذ بداية العام 2015 مقارنة بالفترة نفسها من العام 2014.

وأوضحت الوزارة أنه خلال الاشهر الأربعة الأولى من 2015، أقام 1398 يهوديا فرنسيا في إسرائيل مقابل 1647 العام الفائت، وبالتالي فإن هذا التباطؤ سيقابله تدفق متوقع للمهاجرين الفرنسيين الصيف الجاري.

وفي 2014 وللمرة الأولى منذ قيام “دولة إسرائيل” العام 1948، احتلت فرنسا المرتبة الأولى بين دول الهجرة إلى إسرائيل بمعدل تجاوز 6000 مهاجر.

والجدير ذكره، أنه في السنوات الأربع الماضية يأتي ويستقرّ في إسرائيل بين ألف وحتى ألفي يهودي فرنسي كل عام، ولكن السنة الأخيرة تُمثّل بداية موجة هجرة جديدة وكبيرة ستؤثّر على المجتمع الإسرائيلي وعلى الجالية اليهودية في فرنسا.

ويأتي بعض يهود فرنسا إلى إسرائيل كل عام كسياح ويقيمون فيها لفترة تستمرّ لبضعة أشهر في فترة الصيف، ويحبّها آخرون فيأتون إليها مرات أخرى والكثير منهم يستقرّون بها أيضًا ويقومون بعملية الهجرة.

وتشير معطيات عام 2013 إلى بداية موجة هجرة كبيرة والتي من المتوقع أن تجتاح مدن إسرائيل، حيث هاجر 3,120 يهودي إلى إسرائيل من فرنسا في العام الماضي، معظمهم من الشباب المتعلمين والعاملين في مجالات عدة.

ويقدر عدد يهود فرنسا بين 500 ألف و600 ألف شخص، ويشكل هؤلاء أول مجموعة يهودية في أوروبا والثالثة في العالم بعد إسرائيل والولايات المتحدة، لذلك باتت هجرة يهود فرنسا أولوية للسلطات الإسرائيلية على وقع القلق من تصاعد معاداة السامية في أوروبا، خصوصا بعد الاعتداء الذي استهدف متجرا يهوديا في باريس في يناير/كانون الثاني الماضي.

حتى أن إسرائيل أخذت تطلق دعوات مكثفة للأوروبيين اليهود وخاصة الفرنسيين للهجرة إليها، عدة مخططات وضعت لاستيعاب عشرات آلاف اليهود الأوروبيين في السنوات القليلة المقبلة هذه ليست الضجة الأولى التي تحدثها حكومات إسرائيل، في ظل التأكيد على أنهم لا يسارعون للهجرة وأن إسرائيل ليست الوجهة الأولى لمن يقرر الهجرة من وطنه.

بريطانيا

وفي بريطانيا، التي هي التجمع الثاني لأبناء الديانة اليهودية في أوروبا – حوالي 290 ألفا – قد يختلف الوضع عن باقي الدول الأخرى، بمعنى أن القلق مما يسمى “اللاسامية” أكبر من غيره في باقي الدول.

لكن كثيرين بدأوا في التفكير بالهجرة أو أنهم يسألون أنفسهم ما إذا كان أبناؤهم سيكبرون هنا في بريطانيا، وهذا لا يعني أنهم يسارعون إلى إخراج الحقائب من مخزن البيت، حيث إن إسرائيل ليست الوجهة الأولى أو الوحيدة للهجرة، فعلى رأس القائمة أيضا الولايات المتحدة الأميركية وكندا.

بولندا

ويبحث الجيل اليهودي الناشئ عن شكل جديد لهويته بمنأى عن أسس الشريعة اليهودية، فهم يعربون عن رفضهم لهذا التشدد في تعريف اليهودي، وهو ما جعل أعدادهم تنخفض في التوجه إلى إسرائيل.

الدنمارك

الدانمارك التي شهدت هي أيضا في مطلع العام عملية ضد مؤسسة يهودية، فاليهود هناك مصرون عن البقاء، فضلا عن سوء الأوضاع الاقتصادية لدى من يختارون الانضمام إلى “الجهاديين”، وهذا أثر تأثيرا مباشرا على انخفاض معدلات الهجرة إلى إسرائيل.

خامسا: كيف ستواجه إسرائيل انخفاض معدلات الهجرة؟

انخفاض معدلات الهجرة إلى إسرائيل أمر مقلق بالنسبة لصناع القرار الإسرائيلي، وهو ما دفع وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية لوضع مخطط لتوسيع عدد من المستوطنات في المناطق الفلسطينية المحتلة من أجل استيعاب “عشرات آلاف” الفرنسيين اليهود، الذين سيتدفقون افتراضيا على إسرائيل في الفترة المقبلة.

حتى أن الوزير في الحكومة المنتهية ولايتها، أوري أريئيل، طلب من رؤساء عدد من المستوطنات الاستعداد لاحتمال أن تستوعب مستوطناتهم مهاجرين جددا.

ونشير هنا إلى أن نسبة المهاجرين الجدد الذين يختارون الاستيطان في القدس ومستوطنات الضفة لا تتعدى 15%، من إجمالي عدد المهاجرين الذين يصلون سنويا في السنوات الثماني السابقة.

ويختار معظم المهاجرين السكن في المدن المركزية الكبرى، مثل تل أبيب الكبرى، وأيضا في منطقة الجنوب، وفقط من يهاجر على خلفية أيديولوجية يختار الانتقال إلى المستوطنات، ومعظمهم من الولايات المتحدة الأميركية، التي يصل منها سنويا ما بين 2100 إلى 2500 مهاجر.

و تبنت الحكومة مؤخرا أيضا خططا وضعها “معهد سياسة الشعب اليهودي” التابع للوكالة الصهيونية، وأطلق المعهد على المخطط اسم “خطوط توجيهية لخطة طوارئ لاستيعاب 120 ألف قادم”، ويهدف إلى استيعاب 120 ألف مهاجر فرنسي في غضون أربع سنوات، وأضافت الحكومة لهذا المخطط استيعاب بضعة آلاف من الأوكرانيين اليهود.

ويرتكز المخطط على ثلاث جوانب، العمل الملائم، والسكن، وبيئة اجتماعية ثقافية قادرة على استيعابهم وفق خصوصية ثقافتهم الفرنسية تحديدا، فضلا عن إقامة مديرية لاستيعاب هؤلاء المهاجرين على وجه الخصوص تكون تابعة لمكتب رئيس الوزراء.

ويهدف المخطط إلى خلق 30 ألف مكان عمل، بهدف نقل حوالي 1500 شركة أوروبية إلى إسرائيل على أن تستقر هذه الشركات بقرب الأحياء المخصصة لهم، وحسب معدي المخطط في “المعهد” ، فإن هذا الحجم من أماكن العمل سيضمن هجرة 120 ألف فرنسي يهودي في غضون أربع سنوات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد