ولأن دولة الاحتلال لا تكف عن سن كل ما يحقق أيدلوجية الحكومة اليمينية الحالية، فأحد الأنظمة التي سنتفي السنوات الأخيرة هي البحث عما يسمى «الهجرة النوعية»، بمعنى استقدام مهاجرين يهود من ذوي الإمكانيات المالية والعلمية والسياسية.

نضبت إلى حد كبير منابع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، فبينما كانت في التسعينات يصل معدلها إلى حوالي 100 ألف مهاجر سنويًا، تقلص
العدد في السنوات الثماني السابقة، ما بين 13 ألف و500، إلا 18 ألف مُهاجر.

ومن بين القوانين التي سُنّت خلال السنوات الأخيرة، قانون البحث عن الهجرة النوعية، بمعنى استقدام مُهاجرين يهود من ذوي الإمكانات المالية والعلمية والسياسية.

وتُراهن الحكومة الإسرائيلية الآن، على اليهود الفرنسيين المُهاجرين مُؤخرًا؛ لتعزيز قوة اليمين السياسية، كما تُراهن أيضًا على اليهود الأثرياء، وقد منحهم القانون الإسرائيلي فُرصة للهرب بأموالهم، وإن كانت غير شرعية، والحصول على الجنسية الإسرائيلية، والتمتع بامتيازات كثيرة.

مليارديرات يهود إلى إسرائيل لغسل أموالهم

لم يسعف الحظ الملياردير الفرنسي اليهودي «أرنو ميمران»، بالهجرة إلى إسرائيل، قبل اكتشاف أمره في قضية احتيال عرفت باسم «لسعة القرن». كان بإمكانه الوصول بسهولة كما أمواله التي هربها إلى إسرائيل، وكما ستة متهمين من أصل 12 متهمًا في ذات القضية، تمكنوا من الإفلات من قبضة القضاء الفرنسي والهجرة إلى إسرائيل.

«ميمران» الذي يحاكم الآن في فرنسا بتهمة سرقة 283 مليون يورو، يحمل الجنسية الإسرائيلية، وقد اعترف أنه تبرع بمبلغ مليون يورو «لبنيامين نتنياهو»؛ من أجل تمويل حملته الانتخابية العام 2001.

على العكس، كان الملياردير الأوكراني اليهودي، «يوري بوريسوف»، محظوظًا؛ إذ تمكن من الهجرة إلى إسرائيل مع عائلته، قبل أن تتمكن السلطات الأوكرانية والإنتربول، من اعتقاله؛ بتهمة اختلاس 40 مليار دولار من أموال الدعم لأوكرانيا.

لهذا، تُعد إسرائيل ملجأ للأثرياء المخالفين للقانون في الغالب؛ فهناك11% من أثرياء العالم هم من اليهود، أي 167 ثريًا من أصل ما يزيد عن 1500 ثري هم من اليهود، وكما تذكر منظمة «New World Health»، في تقرير لها، فإن «25% من بين عشرة آلاف مليونير، غادروا فرنسا في العام الماضي، كانوا يهودًا. في العام نفسه، دخل إلى إسرائيل، أربعة آلاف مليونير جديد، وسكن ألفان منهم في تل أبيب، والآخرون سكنوا في مدن «هرتسيليا، ونتانيا، والقدس». كما توجد جالية إيطالية واسعة حولت مؤخرًا الكثير من المال إلى إسرائيل؛ تحسبًا من خطوات قد تنفذها الحكومة الإيطالية.

وتُثبت العديد من التقارير، أن إسرائيل تُعد ملجأً للمتهربين من دفع الضرائب في دولهم من الأثرياء اليهود. أولئك الذين يرسلون أموالهم بطرق متعددة إلى إسرائيل، سواءً عن طريق التحويلات البنكية أو وسائل الدفع الحديثة، مثل النقود الرقمية «الإنترنتية»، أو تحت غطاء تحويلات تجارية في إطار استيراد وتصدير، ويشترون حتى كبارالسياسيين الإسرائيليين.

وتؤكد مجلة «الإيكونوميست» الاقتصادية البريطانية أن «إسرائيل باتت الملعب الخلفي لحيتان المال، أو لمن يطلق عليهم «الطغمة المالية» من يهود العالم، الذين يجدون في إسرائيل ملجأ لهم للتهرب من الضرائب، كذلك ثمَّ بينهم من يبحث عن ملجأ أمني»، كما تؤكد على ذلك صحيفة «ذي ماركر» الاقتصادية الإسرائيلية، التي جاء فيها أن «إسرائيل باتت دفيئة لمتهربي دفع الضرائب من يهود العالم، الذين يستفيدون من قانون أقرته إسرائيل قبل نحو عشر سنوات؛ بهدف تشجيع كبار أصحاب المال اليهود في العالم على الهجرة إلى إسرائيل، وعلى الرغم من أن إسرائيل تدعي أنها تنصاع للقانون الدولي، فإن الصحيفة تؤكد عكس ذلك بناء على الوقائع».

ويمنح القانون الإسرائيلي، المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، وحتى الإسرائيليين الذين تركوا إسرائيل قبل سنوات، ثم عادوا إليها؛ إعفاءً من دفع الضرائب على كل نشاطهم الاقتصادي في الخارج، لمدة عشر سنوات. ويؤكد الباحث في موضوع رأس المال الأسود في إسرائيل، والمحاضر في الكلية الأكاديمية في نتانيا، «أفيحاي سنير»، أن في إسرائيل «توجد ظاهرة تبييض أموال على أيدي مهاجرين يهود من أنحاء العالم. من الناحية التاريخية، اعتبر المفهوم الإسرائيلي أن اليهود مساكين، ويجب مساعدتهم في تهريب أموالهم، هذا المفهوم موجود منذ بداية الدولة، وبقي لسنوات طويلة جدًا، واليوم يوجد الإعفاء من الضريبة لعشر سنوات. ويتعين على البنوك هنا أن تسألك ما إذا كنت قد سددت الضرائب على المال الذي جنيته خارج البلاد، لكن إذا كنت مهاجرًا جديدًا فلا أحد يسألك. وإذا كانت لديك مصلحة تجارية تعمل هناك، فستضطر بعد عقد من تسديد ضرائب من دخلها، ولكن في هذه الأثناء يكون المال قد تحول إلى أبيض«.

وتقول المحللة «ميراف أرلوزورف» «ليس صعبًا أن نفهم لماذا كل يهودي لديه أملاك في العالم، ومعني بالتستر عليها؛ كي لا يدفع الضرائب، يقفز إلى الفرصة السانحة (إسرائيل)، وليس صعبًا فهم لماذا يقوم يهود مستقيمون لا يخفون أموالًا عن الضرائب (في دولهم)، لكنهم معنيون بتقليص حجمها، بالقفز هم أيضُا على الفرصة السانحة«.

يهود فرنسا الأثرياء

نصف مليون يهودي في فرنسا، يربط هؤلاء ارتباط قوي بالصهيونية؛ فهم الأكثر تقليدية وصهيونية في الشتات، تعود أصولهم إلى شمال إفريقيا، فنسبة كبيرة من أصول جزائرية، والأقل من يهود تونس والمغرب. يتميزون بأنهم يهود نوعيون مثقفون متدينون يدعمون اليمين المتطرف الذي تمثله الحكومة الحالية.

لذلك، فإنهم يشكلون قوة انتخابية كبيرة نسبيًا في الداخل الإسرائيلي، فعددهم يبلغ 100 ألف.وذكر تقرير نشرته صحيفة «معاريف» العبرية، أن اليهود الفرنسيين الذين يهاجرون لإسرائيل، بمثابة «احتياطي انتخابي لليمين الديني والعلماني المتطرف». وتنقل الصحيفة عن الباحث «تسفيكا كلاين» قوله «إن معظم أصوات اليهود الفرنسيين تذهب للحركات الدينية، سيما حركة شاس وحزب البيت اليهودي«.

ولهذا، لم يتردد رئيس وزراء إسرائيل، «بنيامين نتنياهو»، في دعوة يهود فرنسا للهجرة إلى إسرائيل، ثم سارع لتشكيل فريق من الوزراء؛ بهدف الاتفاق على آلية تشجيع هجرة اليهود من فرنسا ودول أوروبية أخرى، متخذًا ذريعة أن الإسلام «الراديكالي» هو تهديد للحضارة الغربية ولليهود.

لم يكن ما يميز اليهود الفرنسيين فقط دعهم لليمين الإسرائيلي المتطرف، فهم أيضًا يعملون بشكل كبير من أجل تعزيز المشروع الاستيطاني. وتذكر صحيفة «ميكورريشون» أن «اليهود الفرنسيين يلعبون دورًا مركزيًا في تعزيز المشاريع التهويدية في القدس المحتلة؛ حيث إنهم يشكلون معظم المستوطنين في مستوطنة «هار حوما»، وهو المشروع الذي يعد أحد أخطر المشاريع الاستيطانية التي تهدف إلى تهويد القدس«.

يهود رُوسيا.. نخبة إسرائيل السياسية والثقافية

هاجروا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، إلا أن إسرائيل مارست ضغوطًا على واشنطن لوقف هذه الهجرة؛ حتى يضطر اليهود الروس إلى الهجرة إليها. وفعلًا هم يشكلون الآن 20% من المجتمع الإسرائيلي.

يتميز اليهود الروس بأنهم الأكثر تطرفًا، وهم ضد أي حل سياسي، ولهم وزنهم في التأثير على السياسات الإسرائيلية؛ لأنهم في صفوف اليمين، وهجرتهم لم تكن تقليدية مثل باقي الهجرات في العالم؛ إذ فضلت إسرائيل هجرتهم؛ لأنها أدركت أنهم سيسارعون إلى خلق نخبة سياسية تحقق أجندتها.

وحسب صحفية «لوسوار» الفرنسية فإن «اليهود الروس يبدون أكثر تطرفًا من اليهود المهاجرين من دول أوروبية أخرى؛ حيث يؤيد هؤلاء اليمين المتطرف، ويحبون الانخراط في الأحزاب السياسية المائلة للتشدد مثل حزب «إسرائيل بيتنا».

ويعد اليهود الروس الأكثر عنصرية تجاه العرب في إسرائيل؛ إذ يرفضون وجودهم داخل المدن المختلطة، ويعارضون منحهم الحرية والحقوق المدنية، وهم مع أي تصرف عدواني تجاه الفلسطينيين بشكل عام، يريدون هدم منازلهم وقتلهم وترحيلهم، الباحث الاجتماعي، البروفيسور «ماجد الحاجي» قول عن الهجرة الروسية: «هذه الهجرة تختلف، هذه المجموعة التي ستشكل النخبة السياسية والثقافية للمجتمع الإسرائيلي للجيل القادم، إذا نظرنا مثلًا إلى النخبة «الأشكنازية»، فهي فئة نفد دورها، وحتى لو نظرنا إلى اليهود الشرقيين أيضًا، فهم ما زالوا مهمشين، وإذا نظرنا إلى الفئة الروسية نرى أنهم على خلاف الشرقيين؛ لم يتنازلوا عن ثقافتهم، ولم يقبلوا الطرح الإسرائيلي كما كان، ولم يتعاملوا مع إسرائيل على أنها واقع ومجتمع ودولة، لا، بل العكس تمامًا، تعاملوا من منطلق استعلائي ظاهر». ويتابع مؤلف كتاب «الهجرة والتكوين الإثني لدى اليهود الروس في إسرائيل«، قائلًا: إنّ «تعامل هؤلاء ليس مرتكزًا إلى أيديولوجيات سياسية واضحة، بل هم متأثرون من الحياة الثقافية السياسية، وينتابهم حاليًا شعور «إسلام فوبيا» وكراهية تجاه المسلمين، ويرون في العرب مسلمين، ويتعاملون من هذا المنطلق، ولكن إذا ما تناقض هذا المنحى مع مصالحهم الشخصية، فإنهم حتمًا سيغيرونه».

اعتبارات سياسية لليمين الإسرائيلي

لا تكف إسرائيل عن التصريح بأن دول أوروبا أصبحت غير آمنة، استخدمت كل عمل إرهابي في الغرب، وبخاصة في فرنسا فزاعة لتشجيع هجرة اليهود إليها. لذلك فإن مدير وحدة المشهد الإسرائيلي ووحدة الترجمة في مركز «مدار»، «أنطوان شلحت»، في حديثه لـ«ساسة بوست»، يصف إسرائيل بأنها «دولة هجرة بامتياز»، لكنها حتى، وإن كانت كدولة هي الهدف بالنسبة لليهود في الخارج، إلا أنها ليست الدولة الأكثر أمنا بالنسبة لليهود، والإحصاءات الرسمية تشير إلى ذلك.

ويقول إنه في ظل نضوب منابع الهجرة إلى إسرائيل، تركز إسرائيل الآن على نوعية المهاجرين، وهي تعمل في فرنسا التي يوجد بها تجمع كبير لليهود المتدينين في هذا الإطار، مُضيفًا «فرنسا عادت لصدارة جدول الأعمال؛ بسبب العلميات الإرهابية هناك، تحاول إسرائيل تجييش هذه العمليات، كما لو أنها موجهة ضد اليهود، وحث اليهود على القدوم لها، وكما يُقال بالعربي (كل ما دق الكوز بالجرة) يقولوا لليهود تعالوا إلى إسرائيل هي الملاذ الأخير لكم».

ويشير شلحت إلى أن الاعتبارات السياسة للهجرة قائمة لدى اليمين في إسرائيل منذ عودة بنيامين نتنياهو الذي فرض هيمنته على مناحي الحياة السياسية، وكي يحقق هذه الهيمنة، فهو بحاجة إلي دعم «ديموغرافي» مميز، وفيما يتعلق بالهجرة يبحث عن تجمعات تؤيد فكره وأيديولوجيته اليمنية، حسب شلحت.

عرض التعليقات
تحميل المزيد