منذ عدة سنوات انتشرت ظاهرة البحث في كنوز الأرض عن سائل نسجت حوله الكثير من الأساطير في مصر وهو «الزئبق الأحمر»، قيل إن له استخدامات عدة منها صناعة الأسلحة، وأخرى عن تقوية القدرات الجنسية، لكن الشائع كان أن المادة الحمراء التي بحث عنها الأثرياء في صعيد مصر تطيل العُمر، وتجعل من يتناولها يعيش في شبابٍ دائم.

كانت إمكانية العيش للأبد، هي ما حرك الكثيرين للبحث في السنوات الأخيرة بين أجساد المومياوات؛ إلا أن تلك الرغبة الأثيرة في الخلود لم تكن وليدة اليوم، ففي الأساطير القديمة كان هوس الخلود حاضرًا، فنجد أبطالًا يجوبون العالم لأجل الحصول على «إكسير الخلود»، وهو شراب خرافي يُعتقد أنه يمنح صاحبه الخلود بمجرد تجرعه.

وعلى مر التاريخ وجدنا قصصًا عن ملوك وأباطرة كانوا على أتم استعداد لخوض حروب من أجل الحصول على هذا الشراب السحري، وفي الفلسفة كانت الرغبة في حياةٍ أخرى إحدى وسائل الخلود عند الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال؛ فيقول عن ذلك: «خير أمل في الحياة هو الرغبة في حياةٍ أخرى»، وقد آمن باسكال بخلود الروح.

وبعد أن كانت كل مساعي البحث عن الخلود تبوء بالفشل في الماضي، قد يتمكن العلم أخيرًا من تحقيق هذا الهوس الإنساني بالحياة الأبدية أو على أقل تقدير العيش لأطول فترة ممكنة. ففي مقالٍ علمي نُشر بمجلة «Nature» المختصة بالعلوم، كتبت ميجان سكويلادري بحثًا عن إكسير الشباب الدائم، والذي أصبح من الممكن تحقيقه وذلك من خلال قتل الخلايا التي لا تموت من تلقاء نفسها، وهي الخلايا الأساسية المسؤولة عن الشيخوخة وأمراضها.

وتقول عن ذلك جنيفر إليسيف، مؤلفة الورقة البحثية الرئيسية ومهندسة الطب الحيوي في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور بولاية ميريلاند: «بمجرد إزالة الخلايا الشائخة؛ يعمل ذلك على تحفيز الجسم لإنتاج أنسجة جديدة، حيث يُفعّل ذلك بعض آليات إصلاح الأنسجة الطبيعية». وهو الأمر الذي أشارت إليه وكأنه إكسير طبيعي لإطالة العُمر، فهل يأتي يوم قريب ونجد فيه الخلود في متناول الأيدي؟

إمبراطور الصين الأول قتله البحث عن الخلود

لم يكن البحث عن إكسير الشباب الدائم وليد الأبحاث العلمية الأخيرة، إذ احتل هذا البحث مكانته في تاريخ الدول القديمة، في الصين نجد الإمبراطور تشين شي هوانج قد أمر جميع سكان إمبراطوريته الصينية، بالبحث عن إكسير الحياة، وقد كان مهووسًا بفكرة العيش إلى الأبد، حتى أنه قد قام بالترحال في جميع أنحاء إمبراطوريته بحثًا عن الحكماء، وتجرع كل وصفات الخلود التي وصفت له؛ وكانت نتيجة سعيه إلى العيش للأبد أن مات عن عمرٍ يناهز 49 عامًا؛ إذ كان أحد مركبات إكسير الحياة الذي تناوله في سنوات حكمه الأخيرة يحتوي على الزئبق السام، وهو ما تذكره المخطوطات الأثرية القديمة التي عُثر عليها، وتصف الإكسير على أنه كان خليطًا بين الزئبق الأحمر والكبريت.

ولد تشين شي هوانغ عام 259 قبل الميلاد، وبحلول وقت وفاته عام 210 ق.م، كان قد غزا مدن الصين الست المتحاربة وأنشأ أمة موحدة، نصب نفسه عليها إمبراطورًا، ليصبح إمبراطور الصين الأول. وخلال فترة حكم هوانغ كانت ألواح الخشب والخيزران تعد هي قصاصات الكتابة، وفي عام 2002، تم العثور على 36 لوحًا في بئرٍ مهجورة في مقاطعة هونان بوسط الصين، ووفقًا لما ذكرته وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، فإن تحليل الألواح قد كشف عن مرسوم رسميّ للإمبراطور، يطلب فيه من الشعب بأكمله، في المدن وحتى القرى النائية، البحث عن جرعة من شأنها أن تمنحه حياة أبدية.

احتوت بعض الألواح الخشبية على ردود من سكان إحدى المدن تدعى «دوكسيانج»، يخبرون فيها الإمبراطور بأنهم لم يعثروا بعد على إكسير الحياة، في حين عرضت بلدة أخرى في مقاطعة شاندونغ في شرق الصين الحديثة على الإمبراطور عشبًا محليًا. وصف علماء الآثار والتاريخ تشين شي هوانغ بأنه كان مهووسًا بالخلود، وعلى أتم استعداد لدفع أي ثمن مقابل إكسير الحياة، حتى أنه قد سخر شعبه بالكامل، من أجل تلك المهمة. وعلى الرغم من هوس هوانغ بالحياة الخالدة؛ إلا أنه أراد في الوقت ذاته أن يكون مجهزًا جيدًا للحياة الأخرى، تحسبًا لعدم عثوره على إكسير الحياة، وهو ما دفعه لبناء مقبرة تحاكي الحياة في جمالها.

الجنود حراس مقبرة إمبراطور الصين الأول.. المصدر Flickr

بنى الإمبراطور ضريحًا كبيرًا تحت الأرض، لم يتم اكتشافه حتى الآن، وأحاط مقبرته بـ 8 آلاف جندي وخيول من السيراميك، عُرفت بجيش الطين؛ إذ كان الطين المحروق يُعرف حينذاك بقدراته السرية على حماية المقبرة، وقد تم اكتشافهم في سبعينيات القرن الماضي بالقرب من تل الدفن، وتزعم الكتابات القديمة أن القصر تحت الأرض كان يحاكي سقف الليل؛ إذ عُلقت فيه اللآلئ نجومًا، وسُكب فيه أنهار من الزئبق، وهو ما أشارت إليه فحوصات عينات التربة حول القبر، والتي كشفت عن وجود معدلات عالية من الزئبق.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
من فيلاديمير لينين إلى عذراء الإنكا.. التحنيط ليس «سر الفراعنة» فقط
972
فريق العمل

مات جلجامش بعد أن وجد عشب الحياة الأبدية

تُمثل ملحمة جلجامش إرادة الإنسان المغلوبة والمقهورة في محاولتها التشبث بالوجود والبقاء؛ فالموت هو العدو الأكبر لبطل الملحمة، أمه كانت إلهًا خالدًا وأبوه بشرًا فانيًا، ولذلك كان ثلثي جلجامش إله، والثلث الباقي بشريًا وبالتالي فانيًا؛ ولأن الخلود كان حكرًا على الآلهة الكاملة، نشأت من هنا أزمة جلجامش الكبرى.

لقد أفزعني الموت حتى همتُ على وجهي في البراري. * جلجامش

في الملحمة، يموت صديق جلجامش الأثير أنكيدو، ويرفض جلجامش أن يعترف بموته، يفزعه الموت ويفجعه فراق صديقه حتى أنه تركه ستة أيام وسبع ليالي دون أن يسلمه للقبر، حتى وقع الدود على وجهه، فيقول: «صديقي وخلي الذي أحببته حبًا جمًا، والذي صاحبني في جميع الصعاب، قد أدركه مصير البشرية، فبكيته ستة أيام وسبع ليالٍ، ولم أسلمه القبر حتى وقع الدود على وجهه». ومن هنا تبدأ رحلة جلجامش في البحث عن الخلود؛ إذ صدمته فكرة الفناء، «وأنا ألا سأكون مثله فاهجع هجعة لا أنهض من بعدها أبد الدهر»، ولكي يجد جلجامش سر الخلود كان عليه أن يجد «أوتو نبشتم»، وهو الإنسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود.

طاف جلجامش في كل البلاد، واجتاز الجبال الوعرة وعبر كل البحار من أجل الوصول إلى نبشتم، لم يغمض له جفن ولم يذق طعم النوم، أنهكه السير والترحال، ونال منه التعب والضنى؛ فيقول جلجامش عن رحلته: «لقد قتلت الدب والضبع والأسد والنمر والفهد والضبي والأيل وجميع حيوان البر، أكلتُ لحومها واكتسيتُ بفروها»، وذلك حتى وصل أخيرًا إلى أوتو نبشتم يشكي إليه حاله، ويروي له قصة موت صاحبه الأثير، ويسأله وهو البشري الوحيد الذي أنعمت عليه الآلهة بالخلود، عن الثمن اللازم دفعه لنيل العيش للأبد.

ملحمة جلجامش .. المصدر ويكيبيديا

يقول نبشتم: «يا جلجامش سأفتح لك عن سر محجوب، سر من أسرار الآلهة»، ومن ثم يروي له عن مدينة شروباك الواقعة على شاطئ نهر الفرات، وقد رأى الآلهة وقد زينت لهم عقولهم أن يحدثوا طوفانًا بها، وكان هناك فلك، ورجل يدعو الناس للتخلي عن المال والنجاة بأنفسهم، وهو نبشتم؛ إذ قالت له الآلهة: «انبذ الملك وخلص حياتك، واحمل في السفينة بذرة كل ذي حياة». وهي قصة أشبه بقصة طوفان نوح؛ وعندما أتى الطوفان وقضى على كل مخلوقات الأرض كانت سفينة أوتو نبشتم هي الوحيدة الباقية، وهو وزوجته من البشر ظلوا على قيد الحياة فكافأته الآلهة بأن حولتهم إلى آلهة خالدين. أحزنت هذه القصة جلجامش فمن سيجمع الآلهة من أجل أن يعطوه الخلود؟

وهنا أشفق عليه نبشتم، فيقول: «يا جلجامش، لكي تنال الحياة التي تبغي تعال أمتحنك، لا تنم ستة أيام وسبع ليالٍ»، ولكن جلجامش الذي نال منه التعب والإرهاق أخذته رغمًا عنه برهة من النوم، وهنا كان نبشتم على وشك أن يرسله إلى بلاده، إلا أن امرأته قال له، لقد عانى هذا الرجل التعب والمشقة من أجل أن يصل إليك، فماذا عساك تعطيه في المقابل، وهنا قرر نبشتم أن يبوح له بسر آخر من أسرار الآلهة؛ إذ دله على مكان عشب سحري ينبت تحت البحر، إن استطعت أن تحصل عليه، ستكون الحياة الجديدة من نصيبك.

ربط جلجامش أحجارًا ثقيلة في قدميه، ونزل إلى أعماق البحر، وحصل على نبات الخلود المليء بالأشواك، ومن ثم نزع عن قدميه الأحجار وتوجه عائدًا إلى مدينته؛ إلا أن جلجامش وفي أثناء رحلة عودته، ذهب ليغتسل في الماء، فشمت حية رائحة النبات وأكلته وأخذت تخلع عنها جلدها، وجلس بجانبها جلجامش يبكي سوء حظه.

سياسة

منذ سنة واحدة
من لينين إلى جلجاميش.. أسرار هوس أصحاب السلطة بالخلود بعد الموت
6013
أميرة حسن

دراسة علمية جديدة.. الشباب الدائم في متناول الأيدي

كانت الفكرة في الأساس وليدة تجربة أُجريت على الفئران عام 2000؛ إذ عمل الباحث جان فان دورسن وزملاؤه في مايو كلينيك بولاية مينيسوتا على مجموعة من الفئران المحورة جينيًا، وهنا أصيب فان دورسن بالحيرة؛ إذ بدت على الفئران مظاهر الشيخوخة، فعندما بلغت أعمارها ثلاثة أشهر، بدأ فروها يصير خفيفًا، وتجمعت داخل أعينهم المياه البيضاء.

وعندما بحث دورسن عن السبب وجد أن الفئران قد شاخت في مقتبل العُمر نتيجة لامتلاء أجسادها بنوعٍ غريب من الخلايا الشائخة التي لا تنقسم ولا تموت -حين تدخل خلايا الجسد في طور الشيخوخة تتوقف عن إنتاج نسخٍ من نفسها وهو ما يعرف بالانقسام وتبدأ في طرد مئات البروتينات من الجسد، وهو ما أوحى إلى دورسن وزملائه بفكرة تدور حول قتل الخلايا التي لا تموت داخل أجساد الفئران، وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تأجيل الشيخوخة أو الخلاص منها؟

كانت تلك هي البداية لمجموعة من التجارب التي أجريت على الفئران منذ عام 2011 وحتى نهاية العام الحالي؛ إذ كانت النتائج كلها متماثلة وتدور حول الآتي: «الخلايا التي لا تموت ولا تنقسم، تعمل على التراكم في الأعضاء مما يسبب أعراض الشيخوخة، والتخلص منها ينتج عنه إرجاء الشيخوخة والشفاء من بعض الأمراض المرتبطة بها، وهو ما يعمل في النهاية على إطالة العُمر».

في عام 2017، أجريت مجموعة من التجارب على الفئران، تمحورت حول التخلص من الخلايا الشائخة التي لا تموت، وكانت النتيجة مذهلة؛ إذ وجد العلماء أن الفئران التي كانت تعاني من أمراض الشيخوخة، ونال منها كبر السن قد استعادت لياقتها البدنية، وشهدت الفئران تحسنًا في حالتها الصحية فيما يخص أمراض الرئة وعمل الكلى، بل وتم علاج تلف الغضروف أيضًا، وهو ما ترتب عليه إطالة أعمار الفئران والتي كانت تتقدم بصورة طبيعية في العُمر.

كانت تلك الظاهرة تمثل طفرة في دراسة الخلايا؛ إذ بدأت شركات الصناعات الدوائية في اختبار أدوية تعمل على قتل الخلايا الشائخة وتسمى «مركبات السينوليتيك»، وذلك أملًا في الحدِ من آثار تقدم العُمر، وسيتم تجربة الأدوية على المرضى كبار السن المصابين بأمراض العيون والرئة والغضروف.

أعتقد أن أدوية السينوليتيك قد تظهر قريبًا بالأسواق وتثبت فاعليتها على كبار السن. * نير بارزيلاي مدير معهد أبحاث الشيخوخة بكلية ألبرت أينشتاين في ولاية نيويورك

كانت هناك عقبة واحدة فقط أمام تجربة هذه الأدوية على البشر، وهي أن الشيخوخة لا تُصنف باعتبارها من الأمراض، وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية لا تُصنف التقدم في العُمر باعتباره مرضًا يحتاج إلى علاج، وبالتالي كان الحصول على تمويلات من أجل التجارب الإكلينيكية المختصة بتأخير التقدم في العُمر أمرًا شبه مستحيل؛ إلا أن الخلايا الشائخة تتواجد في حالة المرض وليس كبر السن فقط، وفي عام 2017، توصل فريق من الباحثين إلى أنه وبالقضاء على الخلايا الشائخة مباشرةً بعد الانتهاء من العلاج الكيماوي لفئران التجارب المصابة بسرطان الرئة والثدي، يعمل هذا على الحد من انتشار الأمراض السرطانية بالجسد.

حتى هذه اللحظة، تعد «مركبات السينوليتيك» هي أفضل علاج تم العثور عليه من أجل التخلص من الخلايا الشائخة؛ إذ يقتل كل مركب من هذه المركبات نوعًا معينًا من الخلايا الشائخة، وتحتفظ شركة «يونيتي بيوتكنولوجي» للصناعات الدوائية بأطلس ضخم يوثق الخلايا الشائخة المرتبطة بكل مرض، ونقاط الضعف الخاصة بها، وهي الشركة المسؤولة عن صناعة الدواء، وتشير إلى أنه سيتواجد أنواع مختلفة من الأدوية لدواعي الاستخدام المختلفة، حسب كل مرض، ويستلزم الأمر التخلص من الخلايا الشائخة بانتظام، مرة كل عام على سبيل المثال، بحسب الورقة البحثية، وذلك للوقاية من الأمراض أو تأخير الإصابة بها، وتشير الورقة البحثية إلى أن الباحثين يستهدفون ابتكار علاجات في الفترة المقبلة على نطاقٍ أوسع فيما يخص التقدم بالعمر، ومكافحته.

علوم

منذ سنة واحدة
من بينها النقود والبارود.. اختراعات قدمتها الصين القديمة للعالم
1277
جمال النشار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد