نذكر جميعًا تلك الأيام التي تداولت فيها وسائل التواصل الاجتماعي منذ أشهر، ظهور مرض غريب في مقاطعة ووهان الصينية، وذلك قبل أن يتفشى المرض في كل أنحاء العالم ويتحول إلى وباء عالمي، ويتأكد العلماء أن هذا المرض الذي يسبب الالتهاب الرئوي ناتج عن أحد الفيروسات التاجية؛ قد أصبح خطرًا حقيقيا، لأنه وكقاعدة عامة، لا تمنح الفيروسات التاجية مناعة، إذ لا تمنح ذاكرة مناعية قوية.

ويقصد بالذاكرة المناعية القوية الاستجابة طويلة الأمد التي تسمح لأجسامنا بإحباط أي هجوم لاحق عند الإصابة بالفيروس في المرة الأولى، وتلك الاستجابة هي ما تجعل اللقاحات ممكنة تجاه أي فيروس. وعندما ظهرت تقارير من اليابان والصين عن أشخاص أصيبوا مرة أخرى بفيروس كورونا المستجد بعد شفائهم التام منه سابقًا، بدا أن أسوأ مخاوف علماء المناعة قد تأكد بالفعل.

لكن بعد مرور سبعة أشهر من ظهور المرض، عادت الآمال للتصاعد مرة أخرى. إذ لم يعد هناك أي شك جدي في أن أجسامنا يمكن أن تشكل ذاكرة مناعية ضد فيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2) على الرغم من أننا ما زلنا لا نعرف مدى فعالية تلك الذاكرة، وإذا ما كانت ستفيدنا في معركتنا ضد الفيروس القاتل.

لذلك تحول سؤال هل يمكن أن نكتسب مناعة ضد فيروس كورونا الجديد، إلى أهم سؤال يشغل بال العلماء حاليًا، لأن الكثير من الأشياء تعتمد عليه، والتي من بينها احتمالية تطوير اللقاحات والعلاجات وفكرة مناعة القطيع، وحتى فكرة إصدار جوازات حصانة للأشخاص الذين تعافوا من الفيروس، وكيف ومتى نخفف إجراءات الإغلاق.

قوة المناعة والحصانة من المرض تتفاوت من فيروس لآخر

يمكن أن تكون الذاكرة المناعية قوية ودائمة بشكل لا يصدق. يحب علماء المناعة سرد قصة وباء الحصبة في جزر فارو عام 1846 حيث كان المرض متفشيًا، لكن الأطباء فوجئوا أيضًا بوجود 98 شخصًا كبيرًا في السن محصنون ضده. وقد تبين أنهم نجوا من تفشي سابق حدث في الجزيرة عام 1781، وهو ما أتاح لهم مناعة ضد فيروس الحصبة مدى الحياة.

ومع ذلك، لا تولد الفيروسات الأخرى مثل هذه الاستجابة المناعية القوية في المعتاد، مما قد يجعل من الصعب الوصول إلى تطعيم ضدها. إذ تثير الفيروسات الأخرى استجابة مناعية معتدلة وذاكرة ضعيفة وجيزة. وبالتالي تكون اللقاحات لهذه الفيروسات ممكنة، ولكنها تتطلب في كثير من الأحيان الحصول على جرعات تنشيطية منتظمة للحفاظ على المناعة.

حتى ما قبل ظهور فيروس كورونا الجديد، كان علماء المناعة قد وضعوا الفيروسات التاجية في الطرف المتمرد. هناك أربعة فيروسات تاجية مرتبطة بالبشر، وكلها تسبب نزلات البرد. هذه الفيروسات تثير استجابة مناعية، لكنهم لا يتركون وراءهم الكثير من الذاكرة المناعية. في غضون عام أو نحو ذلك من شفاء الإنسان وخروج الفيروس من جسمه تمامًا، نكون عرضة للإصابة مرة أخرى بالمرض.

لكن المناعة المكتسبة ضد «سارس» ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) هي أفضل إلى حد ما، وتدوم بضع سنوات. والسؤال هنا: هل سيبدو فيروس كورونا الجديد مثل فيروس السارس، ويمنحنا بضعة سنوات من الحماية، أم أنه سيكون مثل الفيروسات الأربعة السابقة التي تمنحنا عامًا أو أقل؟

وعلى الرغم من أن اختبارات الأجسام المضادة لفيروس كورونا يمكن أن تشير إلى ما إذا كنت قد أصبت بالعدوى أم لا، فإن النتيجة الإيجابية (وجود أجسام مضادة) لا تعني بالضرورة أنك محصن، أو أنك ستبقى كذلك لفترة طويلة.

ولكن.. مؤشرات تدعو للتفاؤل

هناك مكونان رئيسان لتحصين الذاكرة المناعية في جسم الإنسان. الأول هو استجابة الأجسام المضادة، التي تتوسط فيها الخلايا المناعية المعروفة باسم «الخلايا البائية». والتي تكون قادرة على إنتاج جسم مضاد (IgG)، يتعرف على جزيئات معينة على سطح مسببات الأمراض بمجرد مصادفتها. وبعد إزالة العامل الممرض، يستمر (IgG) في الدوران في مجرى الدم لأسابيع أو شهور أو حتى سنوات. وهذه هي الأجسام التي تقاس في اختبارات كشف الأمراض التي نجريها في المعامل.

صحة

منذ شهر
احذر! دخول المرحاض قد يعرضك للإصابة بكورونا

بعد هزيمة المرض، يبدأ المكون الثاني من الذاكرة المناعية في النمو. تنضج بعض الخلايا البائية تتطور إلى «خلايا ذاكرة بائية»، والتي تقيم بشكل طويل الأمد في العقد الليمفاوية والطحال. فإذا عاد العامل الممرض ولم تهاجمه الخلايا البائية العادية على الفور، (ربما لنقص كمية IgG)، تبدأ خلايا الذاكرة البائية في التكاثر مرة أخرى وسحق العامل الممرض، غالبًا دون ظهور أي أعراض للمرض.

هناك الآن مؤشرات واعدة على أن فيروس كورونا الجديد يسبب كلا المكونين الرئيسين للذاكرة المناعية. وهو ما جعل بعض الباحثين متفائلين تجاه احتمالية أن تكون لدينا مناعة فعالة ضده. كذلك أظهرت دراسات أن الأشخاص غير المصابين يمكنهم توليد ذاكرة مناعية ضد كورونا نتيجة إصابتهم بفيروسات البرد الشائعة، أو يمكنها أيضًا أن تزيد من سوء حالتهم أيضًا، الاحتمالان ورادان.

هل لن يُصبح للمصل فائدة؟

لكن هناك مخاوف. الأول هو أن الأشخاص المصابين وليس لديهم أعراض أو لديهم أعراض خفيفة، لا يولدون استجابة قوية بما يكفي لإنشاء ذاكرة مناعية. والأمر الثاني هو أنه حتى الاستجابة المناعية القوية التي قد تنشأ في البداية يمكن أن تتضاءل بسرعة مع مرور الوقت.

إذ تعتمد قوة الذاكرة المناعية عادةً على حجم الاستجابة الأولية، كلما كبرت قوة استجابة الجسم ضد العامل الممرض (الفيروس)، كلما طال أمدها بشكل عام، لأن كل شيء سوف يتحلل تدريجيًا بمجرد اختفاء العامل الممرض. هذا يشير إلى أن الأشخاص الذين يصابون بعدوى خفيفة أو يصابون بالمرض دون أعراض قد يظلون ضعفاء تجاه العدوى التالية.

وأظهرت دراسة حديثة في الصين أن الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى، ولكن بدون أعراض لديهم مستويات أقل من (IgG) مقارنة بالمرضى الذين يعانون من الأعراض. بالإضافة إلى ذلك، فقد انخفضت مستويات (IgG) بسرعة كبيرة في هؤلاء المرضى بدون أعراض بمجرد خلوهم من الفيروسات، مع عودة 40% من الحالات إلى المستوى الطبيعي بعد شهرين فقط. ووجدت نفس الدراسة أن حوالي 60% من المرضى ذوي الأعراض حدث لديهم انخفاض بمستويات (IgG) بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر.

Embed from Getty Images

تتماشى هذه النتائج مع بعض المخاوف من أن المناعة الطبيعية ضد الفيروسات التاجية يمكن أن تكون قصيرة العمر. وعلى الرغم من أن العالم – مع القليل من الحظ – ربما بات غير بعيد للوصول إلى لقاح ضد كوفيد-19، لكن هذه اللقاحات لن تمنع بالضرورة جميع الإصابات أو حتى معظمها.

إذ إن لقاحات كورونا قيد التطوير حاليًا قد تكون أشبه بتلك التي تحمي ضد الإنفلونزا، وهو ما يعني تقليل خطر الإصابة بالمرض، وتقليل الأعراض الشديدة في حالة حدوث العدوى، لكنها لن تحمينا بشكل مطلق مثلما تفعل لقاحات الحصبة. إذ ندرك جميعًا أن لقاح الإنفلونزا الموسمي عندما يكون فعالًا في أحد الأعوام يمنحك فقط 50% من الحماية، والأمر عينه ظهر في لقاحات كورونا تحت التطوير التي اتضح أنها لا توقف العدوى في الجهاز التنفسي العلوي وبالتالي لا توقف الشخص المصاب عن نشر العدوى من حوله عبر السعال والتحدث.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد