الموت، ذاك الخبر الذي يفجعنا عندما نستمع إلى الأنباء أو نشرات الأخبار، صار يطاردنا من كل صوب وحدب مع حلول وباء الكورونا، فربما نفيق صباحًا ولا ندري من يصمد ليوم آخر؟ وكذلك الانتحار، يالها من نهاية قاتمة! ربما وأنت تقرأ الآن طرق لعقلك ذكرى فقيد في عائلتك، أو جيرانك، أو أصدقائك، قد أقدم على تلك الخطوة. تشير الإحصاءات إلى أن الانتحار من مسببات الوفاة الملحوظة بالنسبة للشباب والكبار؛ إذ يفقد العالم 800 ألف شخص كل عام. 

ولذا لا يعد الأمر مفاجئًا حين يصبح الانتحار مسئولًا عن 1.4% من الوفيات العالمية في عام 2017، وربما تزيد في بعض الدول إلى 5%. أما بالنسبة لعالمنا العربي ففي دراسة عربية عن نسبة الانتحار في الدول العربية وشمال أفريقيا من عام 1990_2017، أحرزت دولتا قطر والبحرين بالتوالي النسبة الأعلى في الانتحار خلال عام 1990، وحققت قطر، وليبيا، والإمارات العربية، النسبة الأعلى في الانتحار خلال عام 2017. ومع الشعور بالعزلة والقلق من الموت خلال وباء كورونا، هل يكون الانتحار سببًا آخر في الموت بجوار الوباء؟ 

تأثير الوباء على صحتنا النفسية

وسط تدفق الأخبار المزعجة بزيادة عدد الوفيات والإصابات، وربما فقدان الأحبة والأقارب، ترى كيف يتعامل عقلنا مع هذه الأحداث؟

في دراسة أجرتها الولايات المتحدة عن أثر الوباء على الصحة النفسية وتعاطي المخدرات، تبين أن 4_10 أشخاص بالغين يعانون من أعراض القلق والاكتئاب، وخلال شهر يوليو (تموز) في عام 2020 عانى العديد من الخاضعين للدراسة من حالة نفسية سيئة، و36% منهم عاني من اضطرابات النوم، 32% عاني من اضطرابات الأكل، وزاد تعاطي 12% منهم للكحوليات، وعانى 12% من قلق مزمن خلال فترة الوباء.

كما كان للاكتئاب والقلق المزمن الصدارة في قائمة الأمراض النفسية التي عانى منها المصابون بالفيروس بعد ستة أشهر من تشخيصهم بالمرض، وهذا ما أكدته إحدى الدراسات الأمريكية التي أشرف عليها الدكتور بول هاريسون؛ إذ كانت نسبة المصابين بالقلق 17%، ونسبة المصابين بالاكتئاب 17%.

ولم تختلف النتائج كثيرًا في مصر، فالدراسة التي أجراها الدكتور أحمد عرفة وفريقه، بجامعة بني سويف، أثبتت أن 67.1% عانوا من اكتئاب خفيف أو معتدل، و44.6% من اكتئاب حاد، و53.5% من قلق خفيف أو معتدل، و30.6% من قلق حاد، و23.1% من اضطرابات في النوم.

ومع تزايد أعداد الوفيات والضغط الذي تعرض له الأطباء والممرضون، أشارت الدراسة التي أجريت على العاملين في مركز عناية القلب بكراتشي في باكستان أن 20.5% من العاملين عانوا من الاكتئاب، و20.1% عانوا من القلق.

هل يدفعنا الوباء إلى الانتحار؟

مع ذكر كل هذه الدراسات السابقة، تبين أن الوباء قد تسبب في سوء الحالة النفسية للسكان على مستوى العالم، لكن هل تزايد حالات الاكتئاب والقلق يمكن أن يكون سببًا في الانتحار؟

في دراسة أمريكية سئل المصابون بفيروس كورونا المستجد عما إذا كانوا يرغبوا في الانتحار أم لا؟ فأجاب 25% من المشتركين بالإيجاب عن تفكيرهم في الانتحار. ومع تتبع مركز الولايات المتحدة للسيطرة على الأمراض والوقاية منها تبين زيادة نسبة الانتحار خلال العقد الحالي بنسبة 35% بين أعمار 16_64 عامًا. ومع حلول الوباء وسوء الحالة النفسية يخشى علماء النفس من زيادة هذه النسبة؛ فقد زادت نسبة الانتحار خلال وباء متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد الذي عاني منها شعب هونج كونج خلال عام 2003، وخلال الانفجار النووي في اليابان.

وعلى ذكر اليابان فهناك دراسة يابانية ترصد نسبة الانتحار خلال الجائحة، صدمت بزيادة بنسبة الانتحار بـ14% خلال الخمسة شهور الأولى للجائحة، وخلال الموجة الثانية زادت النسبة إلى 16%، وهذه المرة كانت نسبة النساء اللائي انتحرن أعلى من نسبة الرجال، على عكس الأعوام السابقة؛ إذ كانت نسبة النساء أقل.

لكن ما الأسباب.. لمَ يلجأ هؤلاء للانتحار؟

في ورقة بحثية نشرها العلماء في مجلة الدماغ والسلوك والمناعة ركز المؤلفون على ثلاثة أسباب مهمة:

أولًا، العزلة والتباعد الاجتماعي: الشعور بالوحدة والعزلة، وخصوصًا بالنسبة للمصابين بأمراض نفسية، يزيد من حدة الأفكار الانتحارية.

ثانيًا، الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم؛ إذ تسببت الجائحة في تخلى العديد من الشركات عن موظفيهم وعملائهم وهذا يشعرهم بالعجز والخواء، وربما يفكرون في إنهاء حياتهم للتخلص من هذه المشاعر السلبية.

ثالثًا، الضغط والتوتر الذي يتعرض له الأطباء والممرضون، يعاني الأطباء والممرضون يوميًا من الشعور بالعجز أمام تزايد عدد الضحايا والمصابين، ولا يمكن أن ننسى ممرضة مستشفى الحسينية في مصر التي استندت على الحائط وعيناها جاحظتان من هول الصدمة بعد وفاة عدد من الضحايا بسبب نفاد الاكسجين والمعدات الطبية.

وأضافت جون تاتشيبانا مؤسسة مشروع بون، لصحيفة «بي بي سي» البريطانية، أن البطالة ومكوث الرجال في المنزل يزيد من نسبة الاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي اللذين تتعرض له اليابانيات، فقد اشتكت لها إحدى السيدات من اعتداء والدها الجنسي عليها، وحين تشعر الضحية بقلة الحيلة تندفع نحو الهاوية.

ويعزو البروفيسور أويدا الأمر أيضًا إلى ظاهرة المشاهير، فبعد انتحار الممثلة اليابانية يوكو تاكيوتشي ميتة في منزلها، انتحر 207 شخصًا بعد انتحارها.

إذًا.. كيف نتنبأ بأن شخصًا ما سينتحر خلال الجائحة؟

ها هي بعض العلامات الحمراء التي تشير إلى إقدام أحدهم على الانتحار:

– العزلة والانسحاب الاجتماعي.

– إدمان الكحوليات أو المخدرات.

– الحديث عن عبثية الحياة وعن أن وجوده لا أهمية له.

– تقلبات مزاجية، وفرط النشاط، وربما اللجوء للعنف.

– اضطرابات الشهية والنوم.

كيف نهتم بصحتنا النفسية وندفع الأفكار الانتحارية خلال فترة الوباء؟

الاهتمام بصحتنا النفسية لا يقل أهمية عن الوقاية والالتزام بالإجراءات الوقائية لمنع تفشي المرض، وخصوصًا مع ارتفاع معدلات الانتحار، وزيادة عدد الوفيات. ودعونا نستفيض قليلًا في هذه الفقرة.

أولًا كيف نتعامل مع الأفكار الانتحارية

بين التفكير في الانتحار والإقدام على تلك الخطوة خيط رفيع، ولتفادي هذه الكارثة خلال الجائحة، إليك بعض الإرشادات:
_ إذا روادتك الأفكار الانتحارية فاتصل بالطوارئ فورًا، واحرص على تلقي المساعدة من المقربين.
_ إذا شاركك أحدهم بأفكاره الانتحارية، انصت إليه بحرص دون أن تنتقده أو تعظه.
_ حاول أن تشاركه تفاصيل يومه، واقترح عليه قضاء بعض الوقت سويًا في ممارسة أي نشاط يجدد طاقته؛ ربما الرياضة خيار جيد. 

_ اقترح عليه تلقي المساعدة الطبية والذهاب لطبيب نفسي.
_ ساعدهم على استغلال الوقت خلال التباعد الاجتماعي:
* تواصل معه واستمع إليه، وأسأل عنه.
* شاركه أنشطته الاجتماعية وساعده على الانغماس في قضاء وقت ممتع والاستمتاع بفترة التباعد الاجتماعي.

التعامل مع القلق خلال الجائحة

_ القلق طبيعي خلال الجائحة، تقبل مخاوفك. 
_ اقرأ الأخبار من مصادر موثوقة. 
_ لا تكثف جرعة الأخبار. 
_ ابتعد عن المشتتات. 
_ حل مشاكلك بهدوء. 
_ اهتم بصحتك وطعامك ونومك. 
_ تعامل مع أفكارك السلبية وهلع الموت بهدوء. 
_ أرفق بنفسك واطلب الدعم ممن حولك. 
_ مارس التأمل والاسترخاء

التعامل مع الخسارة والفقد خلال الجائحة

_ شارك مشاعرك وأفكارك واستياءك.
_ خصص يومًا لكل مشكلة، لاداعي لمراكمة الأمور على عاتقك. 
_ صحتك النفسية والاعتناء بنفسك لابد أن يكونا من أهم أولوياتك. 
_ ممارسة الرياضة وتناول طعام صحي والنوم الصحي يساعدك على تجاوز محنتك. 

عام

منذ شهر
الانتحار النفسي.. هل شعرت من قبل أن الموت هو الراحة الوحيدة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد