قد يكون من المتفهم أن يحذر الرئيس أوباما من امتداد الأزمة العراقية إلى بلدان أخرى، وأن يعرب وزير خارجيته جون كيري عن خوفه من القادم، قائلًا: “ليست هناك حكومة، وليس هناك جيش، ولا يوجد هناك أي مقومات للنجاح”؛ فسخونة التريليونات التي أنفقتها الولايات المتحدة، فضلا عن القتلى والمصابين من جنودها، لم تبرُد بعد.. لكن لماذا يقول مسؤول كبير في الحكومة الهندية: “يمثل العراق مصدر قلق لنا”؟

لماذا العراق؟

لعاصمة الرشيد تأثيرٌ عالميّ؛ يرجع – في أحد جوانبه – إلى كونها ثاني أكبر مُصَدِّر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية، ولذلك فإن أي توتر تشهده البلاد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الذهب الأسود. ولا غروَ والحال هكذا أن تقفز أسعار النفط الخام إلى أعلى مستوياتها في 9 أشهر، لأكثر من 115 دولارًا للبرميل، في غضون أسبوع واحد من اندلاع الأزمة، بدافع الخوف المتزايد من انخفاض الإمدادات، وفي ظل عراقيل أفرزتها توترات داخلية في دول نفطية أخرى، مثل: ليبيا ونيجيريا.

 

هشاشة الهند

صحيحٌ أن الهند ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، إلا أنها تظهر هشاشة في مواجهة أي ارتفاع في أسعار النفط الخام عالميًّا؛ نظرًا لأنها تستورد 75 – 80% من استهلاكها النفطيّ، الذي توفر له العراق مليونَي برميل منه يوميًا، بما يجعل بغداد ثاني أكبر مصدر للوقود إلى الهند بعد الرياض. ولذلك فإن الارتفاع المفاجئ والحاد نوعًا في الأسعار بإمكانه عرقلة الانتعاش الاقتصادي المزمع خلال السنة المالية الحالية؛ وذلك من خلال: زيادة العجز في الحساب الجاري إلى 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وخفض سعر صرف الروبية في مقابل الدولار، وإعاقة الخطط الحكومية لضبط الأوضاع المالية العامة، وزيادة التضخم في ظل ضغوط قائمة بالفعل على أسعار المواد الغذائية، وتأخير أي إجراء مصرفيّ بشأن أسعار الفائدة.

وتشير التقديرات أن الزيادة المستمرة في أسعار النفط الخام بنسبة 10% (قرابة 10 دولارات للبرميل) ستزيد مباشرة معدل التضخم بنحو 0.7%، على افتراض استمرار حماية الغاز النفطي المسال والكيروسين. وبما أن التأثير غير المباشر لرسوم النقل يوازي نصف التأثير المباشر؛ فإن الزيادة الإجمالية للتضخم ستصل إلى 100 نقطة أساس. هذا إلى جانب خسائر شركات تسويق النفط.

اختبار “مودي”


ولأن 10 آلاف مواطن هندي يعيشون في العراق، إما في بغداد التي يسيطر عليها الشيعة أو في كردستان في أقصى الشمال الشرقي، وهم الآن ما بين محاصرٍ أو مختطفٍ؛ ترى وسائل الإعلام الهندية أن حكومة ناريندرا مودي الجديدة تواجه اختبارًا يوازي في صعوبته القلق المثار حول سياستها الخارجية والاقتصادية، يتمثل في: إعادة مواطنيها المحاصرين في الموصل وبغداد وتكريت وغيرها من المدن العراقية. هذه ليست فقاعة إعلامية، بل مطلب حكومات الولايات الهندية المختلفة (اندرا براديش، تيلانجانا، بنجاب، كيرالا، هيماشال براديش، أوتار براديش، تاميل نادو، هاريانا، وجامو وكشمير) التي حثَّت الحكومة المركزية على التحرُّك بسرعة، وبعثت رسائل إلى وزارة الشئون الخارجية تطالبها بإنقاذ أبنائهم الذين تقطعت بهم السبل في العراق. وبحسب منظمة العفو الدولية المئات يوجد مئات العمال الهنود في النجف رفض أرباب العمل إعادة جوازات سفرهم إليهم، إلى جانب 40 عامل بناء آخرين مختطفين في الموصل، حسبما نقل المتحدث باسم الخارجية الهندية، سيد أكبر الدين، عن هيئة الصليب الأحمر.

كوكب “داعش”

وبعيدًا عن المخاوف الاقتصادية، والضغوط السياسية، تتواتر التحذيرات الدولية من خطورة نهج داعش على السلم الإقليمي والدولي، وتهديدها للمصالح الغربية في المنطقة الغنية بالنفط، بما يفوق حتى التهديدات التي يمثلها تنظيم القاعدة. في ظل ذلك، تشعر الهند بالقلق حيال استراتيجية “الدولة الإسلامية” سريعة النمو، وما تعكسه من نوايا للهيمنة على العالم، لا سيما بعد ظهور خرائط طموحة تضم أجزاء من شمال وغرب الهند، بما في ذلك جزء من ولاية غوجارات.

ملاحظات ختامية

من غير المحتمل إيجاد حل فوري للأزمة، وقد يطول أمد الصراع، بل ويمتد إلى دول أخرى. صحيحٌ أن زيادة أسعار النفط تبدو محدودة، إلا أن حالة عدم اليقين المحيطة بالأزمة قد يحول مستقبلًا دون هبوط الأسعار من المستويات القياسية التي وصلت إليها مؤخرًا. من أجل ذلك ينبغي مراقبة تداعيات الأزمة في العراق على صناعة النفط في المدى الطويل، ويجدُر بالهند أن تنوع من واردات النفط الخام، وأن تبني على احتياطاتها الحالية لمعالجة المخاطر المترتبة على عدم الاستقرار الجيوسياسيّ.

إطلالة تاريخية

لكن تقلبات الأيام- ما بين توقيع اتفاقية الصداقة بين العراق والهند في سنة 1952 وحتى الآن- تؤكد أن دوام الحال من المحال. فرغم ترحيب نيودلهي المبكر بحكومة البعث في العراق، بقيت بغداد محايدة في الحرب الباكستانية-الهندية عام 1965. ورغم وصف العراق الهند، في سنة 1970، بأنها من أبرز حلفائها، ساءت العلاقات بين البلدين بعدما وقف العراق مع دول الخليج الأخرى، في صف باكستان ضد الهند في الحرب الباكستانية-الهندية عام 1971. ورغم عودة العلاقات بعد اعتراف العراق باستقلال بنجلاديش عن باكستان، وقيام القوات الجوية الهندية بتدريب 120 طيار عراقي في سنة 1980، إلا أن العلاقات ساءت بين البلدين مرة أخرى بعد الحرب العراقية الإيرانية ودعم الهند للجمهورية الإسلامية، وتخفيض علاقاتها التجارية مع العراق. ورغم ذلك كله عارضت الهند استخدام القوة ضد العراق في حرب الخليج الأولى، ووقفت أيضًا ضد قرار غزو العراق في 2003. ولا يدري أحد ماذا سيحدث غدًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد