كلما عَطَست الطُّغمَة العسكريّة في ميانمار؛ أُصِيبَ قطاع السياحة بالزكام، كما هو معلومٌ من الاقتصاد بالضرورة. ولا غروَ، فالانقلاب الذي وقع في عام 1962، ولا تزال أشباحه جاثمة على صدور المواطنين حتى اللحظة، لم يسمح للبلد الواقع في جنوب شرق آسيا بالفكاك من العزلة الدولية التي تفرضها عليه الولايات المتحدة ومعظم الحكومات الأوروبية منذ سنوات. 

قمع الرهبان وإعصار نرجس.. ضربتان في رأس السياحة

فأي سائحٍ قد يأمَن على نفسه -ناهيك عن الاستمتاع بعطلته- وهو يرى جحافل القوات المدججة بالسلاح، التي أطلقها النظام العسكري لقمع احتجاجات الرهبان في سبتمبر (أيلول) 2007، تحصد أرواحًا وتسفك دماءً وثقتها منظمة «هيومن رايتس ووتش»؟

لم تكد ميانمار تلتقط أنفاسها، حتى ضربها إعصار نرجس في شهر مايو (أيار) من العام التالي 2008. ولم يكن مُنتَظَرًا من الحكومة، التي استعرضت عضلاتها قبل أشهرٍ قلائل على المتظاهرين السلميين، أن تهرَع لنجدة مئات الآلاف من المواطنين الذين جردهم الإعصار من كل شيء، وأصاب السياحة المتعثرة أصلا بضربةٍ قوية. 

بل ربما كان الحكام العسكريون أقسى من الإعصار الذي محا قرى بأكملها من على وجه الأرض، إذ عرقلوا وصول المساعدات الدولية وعمال الإغاثة إلى المنكوبين، ما وضع حوالي 1.5 مليون شخص في مواجهة خطر المجاعة وتفشي الأمراض مثل الكوليرا والملاريا، حسبما رصده آندي نيومان، مراسل «نيويورك تايمز» هناك، في خضم الكارثة. 

بعد هاتين الحادثتين لم يكن مستغربًا ألا يستقبل هذا البلد طوال عام 2009 سوى 47 ألف زائرًا من أوروبا، معظمهم من فرنسا وألمانيا، فيما كانت ميانمار الوجهة الأقل شعبية للسياح البريطانيين في آسيا (بعد كوريا الشمالية).

انتخابات وكتابة دستور.. مسحة مدنية على النظام العسكري

حتى عندما أعلنت الطغمة الحاكمة في عام 2010 عن إجراء انتخاباتٍ عامة، توقع جوناثان ستيل، مراسل صحيفة «الجارديان» آنذاك، أن يكون الهدف منها هو إضفاء مِسحةٍ مدنيةٍ على النظام العسكري الحاكم. 

ولم يكن الصحفي البريطاني يرجم بالغيب، بل يتأمل حصاد الانتخابات السابقة التي أُجرِيت في عام 1990، وتمخَّضت عن فوزٍ ساحِقٍ للرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، بقيادة سو تشي، لكن الجيش ضرب بأصوات الناخبين عرض الحائط. 

حتى الدستور الجديد الذي صاغته الطغمة العسكرية الحاكمة في عام 2008، ضمن «دورًا رائدًا للجيش في مستقبل البلاد»، ومنحه سيطرة على 25% من مقاعد البرلمان، وأعطاه حق النقض (الفيتو) على القرارات التي يتخذها المشرعون، ومنح القائد الأعلى سلطات استثنائية. 

بشكل مؤقت.. السياحة تلتقط أنفاسها بعد طول اختناق

لكن الاتحاد الأوروبي نظر إلى هذا الإجراء باعتباره خطوة على طريق الديمقراطية. وعندما أُطلِق سراح زعيمة المعارضة أون سان سو تشي من الإقامة الجبرية، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2010؛ بدأت صناعة السياحة في ميانمار تلتقط أنفاسها قليلًا بعد طول اختناق.

وفي الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، أُجرِيَت انتخابات عامة، وُصِفَت بأنها «تتمع بأكبر قدر من الحرية»، حسبما نقل فيجاي جوشي وإستير هتوسان مراسلًا وكالة «أسوشيتد برس»، وفازت فيها الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بأغلبية مطلقة. 

ولأن أنظار العالم كانت ترقُب ما سيحدث تاليًا، ومعهم ملايين الناخبين الميانماريين الذين ينتظرون بحذر ماذا سيكون مصير أصواتهم، لم يجد الحكام العسكريون بدًّا من السماح لزعيمة المعارضة سو تشي بتولي منصب مستشار الدولة. وكان منطقيًا مع هذه الانفراجة أن يرتفع عدد السياح إلى 4.68 مليون زائر. 

محنة الروهنجيا تلقي بظلالها على السياحة في ميانمار

مرت مياه كثيرة تحت الجسور، وسالت معها دماء كثيرة أيضًا، إذ ألقت محنة مسلمي الروهنجيا بظلالها على قطاع السياحة مرة أخرى، بعدما أجبر العنف في ولاية راخين مئات الآلاف من اللاجئين إلى الفرار صوب بنجلاديش المجاورة، هربًا من «الإبادة الجماعية» التي حذرت منها الأمم المتحدة.  

هكذا تركت مأساة الروهينجا أثرها على السياحة في ميانمار

عدد السائحين الذين زاروا ميانمار ومعدلات إنفاقهم عام 2017. المصدر: وزارة الفنادق والسياحة (ميانمار).

كان لهذه المأساة الإنسانية تأثيرها السلبيّ، خاصة على تدفق السياح القادمين من الغرب؛ إذ انخفض عددهم إلى 2.9 مليونًا في عام 2016، ورغم زيادة العدد قليلًا إلى 3.4 مليونًا في عام 2017، إلا أنه لا يزال أقل بكثير من بعض جيران ميانمار الأصغر والأقل تطورًا.

على سبيل المثال، استقبلت جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، التي لا توجد بها شواطئ جميلة مثل ميانمار 3.9 مليون زائر. واستقبلت كمبوديا، حيث أطلال المعابد القديمة التي تضاهي معابد ميانمار الرائعة حوالي 5.6 مليون زائر.

هل يُصَدِّق السياح شهادة سو تشي ويُلَبُّون طموحات عسكر ميانمار؟

أما ما لم يكن في الحسبان، فهو موقف زعيمة المعارضة سو تشي؛ التي واجهت نقدًا لاذعًا جراء صمتها، بل وتقاعسها عن التدخل لحماية الأبرياء، وحين قطعت صمتها في عام 2012، صرحَّت بأنها لا تعتبر الروهنجيا من مواطني ميانمار، ثم ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك مؤخرًا، إذ توجهت إلى محكمة العدل الدولية لتبرئة ساحة ميانمار من تهمة الإبادة الجماعية، بل وطالبت المجتمع الدولي أن يترك المحاكم العسكرية في البلاد لتبتّ في شأن انتهاكات حقوق الإنسان. 

وإذا كان هذا هو موقف المعارِضة التي اعتبرها الناس يومًا «واحدة من أطهر الناس على وجه الأرض» -على حد وصف ريتشارد لويدز، محرر الشؤون الآسيوية في صحيفة «التايمز»- فلا غرابة أن حكومة ميانمار لا تزال متمسكة بخطتها الرئيسية التي وضعتها في عام 2013 لتطوير السياحة، وتهدف إلى جذب 7.5 مليون سائح بحلول عام 2020.

ولمواجهة تراجع عدد السياح الوافدين إلى ميانمار بسبب اندلاع أزمة الروهنجيا في عام 2017، شرعت السلطات في تطبيق سلسلة من الإجراءات الرامية لتعزيز قطاعها السياحي، مدفوعة بثقتها في قدرتها على جذب المزيد من السياح.

Embed from Getty Images

أحدث خطوة في هذا الصدد، أعلنت عنها وزارة الفنادق والسياحة في يونيو (حزيران) الماضي، وتقضي بتسهيل متطلبات الحصول على تأشيرة لمواطني ست دول، هي: أستراليا وألمانيا وإيطاليا وروسيا وإسبانيا وسويسرا، حتى يصبح بإمكانهم التقدم بطلب للحصول على تأشيرات لدى وصولهم إلى ميانمار، مقابل رسوم تصل إلى 50 دولارًا أمريكيًا في المطارات الدولية الثلاثة في البلاد، خلال فترة تجريبية مدتها عام واحد، بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تطبق فيها ميانمار هذا النوع من التسهيلات، إذ منحت الزوار القادمين من هونج كونج واليابان وماكاو وكوريا الجنوبية تسهيلات مشابهة منذ أكتوبر 2018، وأتاحت للسائحين القادمين من الهند والبر الصيني الرئيسي الحصول على تأشيرات عند وصولهم إلى مطارات البلاد.

وتعمل السلطات أيضًا على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى ميانمار، وأصدرت قانونًا جديدًا للشركات يتيح للمستثمرين الأجانب امتلاك ما يصل إلى 30% من الأسهم في الشركات المحلية، والتمتُّع بإعفاء من الضرائب يصل إلى سبع سنوات.

تأتي الرياح أحيانًا بما يشتهيه الطغاة

والرياح تأتي أحيانًا بما تشتهيه الطغمة الحاكمة، ففي يوليو (تموز) 2019، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عاصمة ميانمار القديمة باجان ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، وهو القرار الذي يعطيها دفعة سياحية. 

وفي الوقت ذاته تقريبًا، وقَّعت هيئة التسويق السياحي في ميانمار مذكرة تفاهم مع الجمعية الأمريكية لمستشاري السفر في يانجون منتصف عام 2019؛ لتزويد مستشاري السفر الأمريكيين بالمعلومات التي يحتاجونها للترويج لميانمار باعتبارها وجهة سفر.

وفي حين أضرت أزمة الروهنجيا بجاذبية البلاد بوصفها وجهة سياحية، بيدَ أن بيانات وزارة الفنادق والسياحة في ميانمار تُظهِر أن أعداد السياح في ارتفاع. إذ استقبلت ميانمار 1.84 مليون زائر في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2019، وفقًا لموقع الوزارة على الإنترنت، ما وضع البلاد على مسار التعافي مقارنة بإجمالي عدد الزوار في عام 2018 والذي بلغ 3.550 مليونًا.

هكذا تركت مأساة الروهينجا أثرها على السياحة في ميانمار

عدد زوار ميانمار (بالمليون)، خلال الفترة من 2008 إلى 2018.  المصادر: أمانة رابطة دول جنوب شرق آسيا ASEAN، ووزارة الفنادق والسياحة (ميانمار)

هذه هي الشعوب الأكثر زيارة لميانمار

لكن خريطة الدول التي سجلت أعلى ارتفاع في عدد الزوار القادمين منها خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2019، جديرة بالنظر؛ إذ تصدَّرتها الصين بنسبة 137% (زادت النسبة إلى 161% بحلول أكتوبر) وكوريا الجنوبية بنسبة 85%، واليابان بنسبة 24%، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2018. 

في المقابل، شهد عدد الزوار القادمين من أوروبا بشكل عام انخفاضًا ملحوظًا، وفق الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الفنادق والسياحة خلال عام 2019 (حتى شهر أكتوبر)، إذ تراجع عدد السائحين القادمين من سويسرا بنسبة 10%، ومن المملكة المتحدة بنسبة 9%، ومن بلجيكا بنسبة 6%، ومن فرنسا بنسبة 2%، ومن ألمانيا وهولندا بنسبة 1% لكل منهما، ومن بقية دول أوروبا الغربية بنسبة 8%. 

في المقابل، زاد تدفق السياح من أسبانيا بنسبة 20%، ومن إيطاليا بنسبة 16%، ومن النمسا بنسبة 7%. وكان لافتًا أن عدد السياح الذين زاروا ميانمار من الشرق الأوسط زاد بنسبة 8% خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2019، بينما لم يشهد عدد الزوار القادمين من أفريقيا أي زيادة. 

ومع التطويرات التي لا تزال تحتاجها البنية التحتية للسياحة في ميانمار، واستمرار أزمة الروهنجيا في تصدُّر عناوين الصحف العالمية بانتظام؛ يستبعد موقع «آسيان بوست» أن تساعد التأشيرات الميسرة في زيادة أعداد السياح القادمين من الدول الأوروبية.

«لا تجلب دولارًا».. سياحة ولكن!

وبصرف النظر عن تداعيات أزمة الروهنجيا، يشكو المسؤولون في ميانمار من ظاهرة «السياحة التي لا تجلب دولارًا واحدًا»؛ وهو مصطلح يستخدم لوصف ممارسات السياح الذين يأتون ضمن رحلات سياحية تقصر تعاملها مع الفنادق والمطاعم المرتبطة ببلادهم الأم، وبالتالي فإنهم لا يقدمون الكثير من الفوائد للاقتصاد المحلي.

Embed from Getty Images

حتى الصين، التي استقبل ميانمار حوالي 650 ألف زائر منها في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2019، بزيادة قدرها 30% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وفقًا لوزارة الفنادق والسياحة، ليست بأفضل حالًا من الغرب.

على الرغم من شح البيانات المتاحة للجمهور، فإن منصات الدفع الرقمية الصينية مثل «Ali Pay» و«WeChat Pay» تُسَهِّل المعاملات بين السياح الصينيين والشركات المملوكة للصين التي يتعاملون معها أثناء إقامتهم في ميانمار، وهو ما يقلل من حجم إيرادات الضرائب الوطنية التي تمثل موردًا هامًا لحكومة ميانمار.

وصمة «الإبادة الجماعية».. أثقل من أن تمحوها البروباجاندا

في محاولةٍ لعكس هذا المسار، اشترطت وزارة العمل والهجرة والسكان في ميانمار أن يحمل الزائر ألف دولار أمريكي نقدًا على الأقل؛ لإثبات قوته الشرائية، لكن الخطوة أثارت انتقادات واسعة، ما دفع وزارة الفنادق والسياحة إلى تجميد العمل بهذا القرار. 

لكن التسهيلات التي قدمتها ميانمار للسياح على التأشيرات، والإعفاءات الضريبية التي طبقتها لجذب الاستثمارات، وحتى شهادة زعيمة المعارضة السابقة أون سان سو تشي أمام محكمة العدل الدولية، لم ينجح في محو وصمة «الإبادة الجماعية» الملتصقة بالنظام العسكري، والتي تعتبرها ماي ميات مون وين، مديرة التسويق السياحي في ميانمار «التحدي الأكبر لنمو السياحة»، إذ «لا تزال الفنادق في يانجون نصف فارغة». 

ولمعرفة كم هو مؤلم هذا المفصل الاقتصادي، حين يستهدفه السياح بسلام المقاطعة، يلفت تقرير نشرته وكالة «بلومبرج» إلى أن قطاع السياحة يمثل حوالي 7٪ من حجم الاقتصاد في ميانمار، ويدعم أكثر من مليون وظيفة، وفقًا للمجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC). 

في ظل الاستثناءات والمفارقات.. ما مستقبل قطاع السياحة في ميانمار؟

هناك بعض الاستثناءات التي لا تكتمل الصورة بدون ذكرها، خاصة توقعات البنك الدولي بنمو الاقتصاد في ميانمار بنسبة 7٪ بحلول عام 2022، و6.7% في عام 2020/2021، بعدما وصل النمو في العام 2018/2019 إلى 6.5%، مدعومًا بقطاعي الصناعة والخدمات، على الرغم من استمرار النزاعات المحلية، بما في ذلك الصراع في راخين. 

وهناك أيضًا بعض المفارقات، إذ ارتفع عدد السياح الأمريكيين الذين زاروا ميانمار خلال عام 2019 بواقع 2%، رغم العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على القيادات العسكرية في البلاد منتصف العام، وإن كانت الزيادة متواضعة مقارنة بزيادة تقدر بـ53% في عدد الزوار الآسيويين. 

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
دينهم مشهور بالمحبة والسلام.. تاريخ البوذيين مع الدماء!

لكن حتى لو استطاعت الطغمة العسكرية الحاكمة جذب المزيد من السياح القادمين من دول تحكمها أنظمةٍ سلطويّة لا تختلف كثيرًا في مستوى الحريات، فإن منظمي الرحلات وأصحاب الفنادق لا يستفيدون منهم كثيرًا، لأن إنفاقهم لا يتناسب مع مستويات إنفاق السياح الغربيين. 

والاعتماد على السياح الآسيويين لا يسمن ولا يغني من جوع، حتى أن سابي أونج، المدير الإداري لشركة نيتشر دريم للسياحة والسفر في يانجون، يصف تأثيرهم الاقتصادي بأنه «يشبه إلى حد ما بناء شقة فاخرة، ولكنك تعيش فيها على معدة فارغة».

في المقابل، لا يُتوقع أن يرتفع عدد السياح الأوروبيين الذين ينفقون أكثر عادة، بل انخفض عددهم بنسبة 1.4٪ خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2019 مقارنة بالعام السابق، وفقًا للبيانات الحكومية. 

وسيظل الوضع هكذا طالما بقيت المخاوف الأمنية والشواغل الحقوقية تطل برأسها من فوهة بندقية مسلطة على رقاب العباد في بلاد كانت تفخر يومًا بأنها «بلدٌ متعدد الأعراق، أبوابه مُشرعةٌ على مصراعيها أمام العالم أجمع»، كما يلاحظ جوناثان ستيل في صحيفة «الجارديان». 

المصادر

تحميل المزيد