في الأيام القليلة الماضية، اقترح اثنان من الأطباء الفرنسيين خلال بث مباشر على قناة «LCI» التلفزيونية، تجربة اللقاحات الجديدة لفيروس كورونا المستجد «COVID-19» على مواطني قارة أفريقيا من أجل إثبات فعاليتها؛ إذ تذرع الرجلان من زاوية الطب بنقص المعدات الطبية وتلك الخاصة بالوقاية في القارة السمراء، مؤكدان أن مواطنيها هما الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس، وبالتالي يشكلون مادة مناسبة للتجارب السريرية المباشرة على البشر اختصارًا للوقت.

(رد رئيس منظمة الصحة العالمية على الاقتراح)

«اقتراح الطبيبين الفرنسيين بجعل أفريقيا مسرحًا لاختبار لقاحات الفيروسات التاجية، عنصري، ويمثل بقايا العقلية الاستعمارية»، كان هذا رد رئيس «منظمة الصحة العالمية»، تيدروس أدهانوم على فكرة استخدام الأفارقة لتجربة اللقاحات الجديدة؛ إذ اعتبر الأمر مهينًا وعنصريًا ومرعبًا، بحسبه، يعبر عن عقلية استعمارية ما زالت تحيا في زمن إمبريالي، حين كانت الإمبراطوريات تستخدم الأوبئة والطب والدواء باعتبارها أدوات استعمارية.

إن كان هذا الاقتراح هو وليد اللحظة الآنية، فماذا عن المستعمرات القديمة؟ 

«قضت على السكان الأصليين».. هكذا ساهم الاستعمار في انتشار الأوبئة

منذ القرن الخامس عشر، بدأت حركة الكشوف الجغرافية وما ترتب على ذلك من ظهور عصر إمبريالي جديد، أطلقوا عليه «الاستعمار الأوروبي»، ونتج عنه نشأة إمبراطوريات بريطانية وهولندية وفرنسية، امتدت مستعمراتهم على طول ساحل أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط والهند وشرق آسيا. ومع بدء تفشي الأوبئة، كانت حركة التجارة العالمية بين الدول ومستعمراتها هي ما شكلت خط سير الجائحة، وضمنت انتشارها إلى المقاطعات البعيدة والمعزولة على الجانب الآخر من الكرةِ الأرضية. 

يقول جورج أورويل: «من يتحكم في الحاضر يتحكم أيضًا في كتابة التاريخ»، وهو ما حدث. فإذا كنا نعرف بدقة كيف تعاملت الدول العظمى مع «الأوبئة» في بلدهم الأم؛ فإن التقارير الواردة عن تفشي الجوائح داخل المستعمرات الفقيرة والبعيدة كانت دائمًا غير دقيقة؛ ولم تقر خلال ذلك السلطات الاستعمارية بتفشي الأوبئة إلا على مضض. 

في كتابه «الأوبئة والتاريخ: المرض والقوة والإمبريالية»، يشير شلدون واتس إلى علاقة الإمبريالية بانتشار الأمراض الوبائية في مناطق جديدة لم تكن موجودة فيها من قبل. عن ذلك يقول أن الإمبريالية قد استخدمت مفهوم مقاومة تلك «الأمراض الوبائية» أداةً من ضمن أدوات الإمبريالية العديدة التي مكنت الغرب من اختراق دول أفريقيا وآسيا والأمريكتين.

(تقرير عن تأثير الأمراض على السكان الأصليين للأمريكتين)

يشير واتس إلى أن الدليل الأكبر على ذلك كان الهجرة الأوروبية إلى الأمريكتين، وما تسببت فيه من نشر فيروسات جديدة تمامًا، كان السكان الأصليون يفتقرون إلى أية مناعة تجاهها. إذ كانت المنطقة خالية من الجدري والزهري التناسلي والأنفلونزا، وقد ترتب على الهجرات الجماعية للأوروبيين، أن حملوا تلك الفيروسات معهم على متن السفن المهاجرة للعالم الجديد، فأصابت أعدادًا كبيرة من السكان، وكانت نسب الوفاة مرتفعة جدًا إلى درجة انهار معها التركيب السكاني لتلك المجتمعات، بل وأدى إلى انقراضها، بحسب واتس.

وفي تقريرٍ علمي تاريخي نشر بمجلة «Science»، جرت الإشارة إلى أنه في القرن الخامس عشر عندما زار كريستوفر كولومبوس جزيرة سان سلفادور -والتي تقع في أمريكا الوسطى واللاتينية، رحب به وطاقمه سكانها الأصليون، وقدموا لهم مختلف أنواع الهدايا من الببغاوات والخيوط القطنية وغير ذلك مما اشتهرت به البلاد، لم يكن الأصليون حينذاك يعرفون المفاجآت التي تنتظرهم على يد المستكشف والرحالة الإيطالي.

بنى كولومبوس مدينته الأولى بجزيرة إسبانيولا، شرق كوبا، بعد تلك الرحلة بعامٍ واحد، حينها كان عدد السكان الأصليين من «التاينو» أكثر من 60 ألف، إلا أنه وفقًا للتقديرات، وصل العدد إلى أقل 500 شخص بحلول عام 1548، وذلك نظرًا لافتقاد الجهاز المناعي لسكان الجزيرة إلى الحصانة اللازمة من الأمراض المعاصرة التي حملها الأوروبيون معهم إلى العالم الجديد؛ فوقعوا ضحية للأوبئة المروعة الناجمة عن الجدري والأنفلونزا وغير ذلك من الفيروسات التي لم تكن معروفة لديهم.

يشير التقرير إلى أن استيلاء الإمبراطورية الإسبانية على المكسيك، واتصال المهاجرين الأوروبيين بالسكان الأصليين، نتج عنه مقتل ما يقرب من نصف سكان هذه المناطق، والتي قدرها العلماء اليوم بما يتراوح بين 50 ألف و300 ألف شخص. انتشرت جثثهم في شوارع المدن.

سياسة

منذ 4 سنوات
هل كانت أفريقيا غنية وديمقراطية قبل مجيء الاستعمار؟

عن ذلك يقول شيلدون واتس: «أدت هذه الأمراض الوافدة مع الغزاة إلى إبادة شعوب بأكملها، وهجرة العديد من القبائل إلى أماكن أخرى، مما نتج عنه انقراض 90% من سكان الأمريكتين، وبحلول عام 1610، وصل عدد السكان الأصليين إلى 7% فقط من النسبة التي رصدت قبل عام 1524».

«أمراض» نتجت عن النشاط الاقتصادي للإمبريالية

يشير شيلدون واتس إلى أن النشاط الاقتصادي للإمبراطوريات قد شكل بيئة سانحة لانتشار مسببات الأمراض وخلق ظروف وبائية ملائمة، نمت تحت شعار «تنمية المجتمعات المستعمرة»، وذلك عن طريق شركات التجارة العملاقة.

لفهم العلاقة ما بين النشاط الاقتصادي و«الأوبئة»، شرح واتس التغيرات التي شهدتها حركة التجارة العالمية نتيجة العقلية الاستعمارية، وكيف كانت حركة التجارة القديمة القائمة على شبكة من الوسائط الداخلية تحافظ على النظم البيئية من التغير؛ إذ أدى توسع الشبكات الدولية للتجارة ومراكزها إلى خلق بيئة جديدة مناسبة لتكاثر الحشرات والبعوض وانتقال الفيروسات، وهو الأمر الذي أدى إلى انهيار نظام المناعة لدى السكان المحليين. وذلك نتيجة لسرعة انتقال مسببات الأمراض بطريقة لا تمكن شعوب هذه المناطق من بناء مناعة على مدى فترة زمنية معقولة.

في السابق، كان نظام التجارة القديم يجري من خلال مجموعة تتابعات؛ حيث تحمل المنتجات داخل كل إقليم مجموعة عرقية مختلفة، تقوم بتسليمها عند الحدود إلى مجموعة أخرى، مثل قبائل الطوارق التي عاشت زمنًا على تجارة الملح من سواحل الجزائر إلى المناطق الشمالية لأفريقيا؛ إذ كانت تلك الشبكة الداخلية للتجارة تملك مناعة طبيعية ضد الأمراض المنتشرة في الإقليم. حصانة تكونت على فترات متباعدة من الزمن، وقد دمر هذا النظام القديم من خلال الحركات الاستعمارية التي سعت لتوسيع حركة التجارة الدولية.

بحسب واتس، كانت الشركات العملاقة في غرب أفريقيا السبب الرئيسي وراء إزالة الغابات لإفساح المجال لزراعة محاصيل جديدة مما تسبب في تخريب التربة الزراعية لهذه المناطق، كما ضمن وضعًا مثاليًا لتكاثر البعوض، الناقل الأساسي للملاريا والحمى الصفراء.

يشير واتس إلى أن تجارة العبيد لعبت دورًا هي الأخرى في انتشار الأوبئة؛ إذ أدى اكتشاف الأمريكتين وتوسع حركة التجارة الدولية إلى ازدهار تجارة العبيد، من أجل استخدامهم أيدي عاملة للمستعمرات، وبالتالي نقل الأفارقة قسرًا للعمل في الأراضي والمناجم ونقلت معهم أمراضهم المستوطنة من بيئتهم الأصلية إلى المناطق الجديدة، كما واجهوا أنواعًا أخرى من الأمراض لم تكن أجسادهم محصنة ضدها.

تاريخ

منذ 5 شهور
«ما لا يذكره التاريخ كثيرًا».. ماذا تعرف عن الاستعمار الهولندي في أفريقيا؟

بريطانيا و«طاعون» الهند.. الأرباح أهم من الأرواح

عندما وفد «الموت الأسود» إلى مدينة بومباي الهندية عام 1896، جاء ذلك عن طريق سفينة تجارية من هونج كونج، وكان أول تشخيص على يدِ طبيب هندي يمارس الطب الغربي، دكتور فيجاس. حينذاك كانت الهند خاضعة للاستعمار البريطاني الذي كان يسيطر على طرق التجارة من وإلى الهند، من خلال شركة «شركة الهند الشرقية»، وهو الأمر الذي جعل السلطات البريطانية ترفض أن تصرح بالأمر إلا في أواخر سبتمبر (أيلول) 1896، وذلك عندما أصر الطبيب فيجاس على إعلان اكتشافه أمام اللجنة الدائمة لمجلس بلدية بومباي.

(الطاعون في الهند)

عن ذلك يقول المؤرخ ديفيد أرنولد في كتابه «الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية»، أن مفوض شرطة المدينة أوصى اللجنة بألا تقفز في استنتاجها بناءً على هذا الإعلان «العجيب»؛ إذ كان على المحليات حينذاك أن تضع في اعتبارها الوضع العام. وقد كانت السلطات الاستعمارية تمارس ما يعرف بـ«التعاون مع المحتل» والذي تقدمه كثير من القطاعات التي يحكمها. كانت بريطانيا العظمى تضع نصب عينيها «الاعتبارات الاقتصادية» التي قد تتأثر نتيجة للاعتراف بتفشي «الطاعون»، وهو الخوف الذي يشاركهم فيه رجال المال والصناعة الهنود، المسيطرين على بومباي.

أتى التأكيد على وجود الطاعون في بومباي أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام، وذلك على يد عالم البكتريولوجيا هـ. هافكين. وفي اليوم ذاته، نشرت الصحيفة المحلية غير الرسمية «بومباي جازيت» ما يفيد بأن المرض تجري السيطرة عليه وإخماده سريعًا. عمل رجال الحكومة الهندية حينذاك على ضخ 3 ملايين جالون من «حمض الكربوليك» والماء المملح في بالوعات ومصارف المدينة. على أمل أن تنحسر الأزمة خلال وقت قصير؛ في حالة ماتت الجرذان والحشرات حاملة الوباء، والتي غالبًا ما تنتشر في شبكات الصرف الصحي للمدن.

يشير أرنولد إلى أن «الطب الغربي» طالما كان إحدى أدوات الإمبراطورية في تعزيز «وهم البقاء»؛ إذ كان له أثره في طمأنة الأوروبيين ممن يعملون موظفين داخل مستعمرات التاج البريطاني؛ وبالتالي يضمن استقرار بريطانيا. رغم ذلك أصبح الطب بمجيء «الطاعون» عاجزًا؛ إذ لم يكن لدى المجتمع العلمي حينذاك إلا القليل من المعرفة حول مسببات الموت الأسود، وعجزوا تمامًا أمام علاجه. وفي أوائل عام 1897، انتدب عدد من الأطباء الأوروبيين والهنود البارزين، وذلك من أجل التصديق على تصريح كبير الأطباء جيمس كليجورن، المدير العام للخدمات الطبية الهندية؛ إذ صرح أن الطاعون مرض تنتقل عدواه بطريقة هينة، وأن وقوعه ناتج عن الظروف المحلية.

في نفس العام، حدث ما كانت تخشاه السلطات البريطانية؛ فقفزت معدلات الوفيات بصورةٍ كبيرة، وتفشى الطاعون بشكلٍ أعمى في المناطق الخلفية لساحل بومباي، وهاجر السكان بصورةٍ جماعية؛ وذلك بعدما انتابتهم حالة من الذعر والهلع.

حين تحولت أفريقيا لفأر تجارب سريرية

في ورقةٍ بحثية متخصصة، تدرس تأثير أوروبا الاستعمارية على الطب والنظام الصحي في أفريقيا، قامت الباحثة هيلين تيللي بعمل تحليل تاريخي لاختلال السلطة وتقويض ممارسات الشفاء في المستعمرات الإفريقية بما يتنافى مع الأخلاقيات الطبية. تتناول هيلين تاريخ الاستعمار في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وكيف استخدم الطب الغربي كأداة من أدوات الاستعمار الذي دخل البلاد بحجة جلب الحضارة والثقافة والتطوير، وقد كان الطب يمثل أداة مرئية تخدم شعوب القارة السمراء، وفي الوقت ذاته تحقق للدول الاستعمارية جزءًا من استقرارها. حجة يستخدمونها في التدليل على ما جلبوه للمستعمرات الفقيرة من تحسين في الخدمات.

كان هذا السبب وراء تخصيص جزء كامل من ميزانيات الدول الاستعمارية لخدمات الرعاية الصحية والاجتماعية داخل المستعمرات، وقد كان وجود طاقم طبي متخصص جزءًا أساسيًا من الهيكل الإداري للمستعمرات. تشير تيللي إلى أن جهود الأوروبيين لتحسين صحة رعايا الإمبريالية باءت بالفشل، بل ونتج عنها ما أشار إليه المتخصص الطبي باتريك مانسون عام 1902 على أنه «ثورة مرضية في أفريقيا الإستوائية»؛ إذ لم يؤدي الاستعمار فقط إلى زيادة معدلات انتقال الأمراض، ووصول الأوبئة إلى مناطق جديدة، بل ساهم نظام الرعاية الصحية للحقبة الاستعمارية بين عامي 1924 و 1955 في انتشار وباء «الإيدز»، مؤكدة على أن استخدام «المحاقن» غير المعقمة وعمليات نقل الدم الملوث في المراكز الطبية كانت أحد الأسباب المساهمة في تفشي فيروس نقص المناعة البشرية بوسط وغرب أفريقيا.

لم يكن الأمر مقتصرًا على ذلك، بحسب الكاتبة، كانت أفريقيا تمثل «ساحة واسعة للتجريب»؛ إذ كان البحث السريري وتجارب الأدوية، مجالات غير محدودة في القارة السمراء، تسير جنبًا إلى جنب أنظمة الرعاية الصحية. تقول تيللي عن ذلك: «كان هناك استعداد للتعامل مع الأفارقة باعتبارهم مادة بحثية غير إشكالية». حينها كانت الغاية تبرر الوسيلة، وقد كانت الحملات العلاجية والبحثية تحقق أهدافها الاستقصائية والعلاجية من خلال استخدام التلاعب والخداع.

في تجارب الأدوية على المرضى الأفارقة، كان الأطباء يقومون بتجربة أدوية غير معروفة آثارها، وذلك عملًا بمبدأ «فعل شيء أفضل من لا شيء». على سبيل المثال، قام الخبراء بإجراء ثقوب مؤلمة للبحث عن الطفيليات، وذلك من أجل تشخيص «مرض النوم». كما قدموا للمرضى أدوية غير موثوقة، أنقذت بعض الأرواح لكنها سببت تلف الدماغ والعمى لأكثر من 20% من مجموع الحالات.

علوم

منذ 5 سنوات
أبرز الأوبئة التي هزت العالم.. وما تزال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد